قبل الانتخابات العامة .. اتهامات حقوقية لحكومة آبي أحمد بتدمير الديمقراطية وإغلاق المجال المدني في إثيوبيا

تقرير حقوقي دولي يكشف تصاعد القمع السياسي في إثيوبيا قبل الانتخابات الوطنية
في اتهام حقوقي وصف بأنه من أخطر الإدانات الموجهة إلى الحكومة الإثيوبية خلال السنوات الأخيرة، كشفت منظمات رقابية وحقوقية عالمية عن ما اعتبرته حملة ممنهجة تقودها حكومة رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد لتفكيك البنية الديمقراطية في إثيوبيا وإغلاق المجال المدني بشكل كامل قبيل الانتخابات الوطنية المقررة في الأول من يونيو 2026.
وجاءت هذه الاتهامات ضمن تقرير موسع حمل عنوان “People Power Under Attack”، أصدره التحالف الحقوقي العالمي “CIVICUS”، والذي صنّف المجال المدني في إثيوبيا باعتباره “مغلقًا بالكامل” للعام الثاني على التوالي، في مؤشر خطير يعكس، بحسب التقرير، تراجع الحكومة عن الوعود الإصلاحية التي أعلنها آبي أحمد منذ وصوله إلى السلطة عام 2018.
ويرى التقرير أن الحكومة الإثيوبية حولت العملية الانتخابية المرتقبة إلى ما وصفه بـ”إجراء رمزي فارغ من المنافسة الحقيقية”، من خلال استخدام القوانين المقيدة للحريات، والرقابة الإعلامية المشددة، والعمليات العسكرية الواسعة، بهدف حماية الحزب الحاكم ومنع أي مساءلة سياسية أو رقابة دولية مستقلة.
تعديلات قانون الإعلام في إثيوبيا تثير مخاوف واسعة بشأن حرية الصحافة
وبحسب التقرير، فإن البنية الأساسية للنظام السياسي الحالي في إثيوبيا تعتمد بصورة متزايدة على ما وصفه التقرير بـ”الحرب القانونية” ضد المؤسسات المستقلة ووسائل الرقابة المدنية.
وأشار التقرير إلى أن الحكومة الإثيوبية نفذت خلال أبريل 2025 تعديلات واسعة ومثيرة للجدل على قانون الإعلام رقم 1238/2021، وهي تعديلات اعتبرتها منظمات حقوقية شديدة التقييد، إذ تمنح السلطات صلاحيات أوسع لملاحقة الصحفيين وفرض قيود صارمة على التغطيات الاستقصائية تحت مبررات تتعلق بالأمن القومي.
وأكد التقرير أن هذه التعديلات أدت عمليًا إلى تقويض استقلالية المؤسسات الإعلامية وتجريم أجزاء واسعة من العمل الصحفي المستقل، في وقت تشهد فيه البلاد أزمات سياسية وأمنية معقدة.
كما أوضح التقرير أن حلفاء رئيس الوزراء آبي أحمد داخل البرلمان دفعوا نحو إدخال تعديلات جديدة على قانون منظمات المجتمع المدني رقم 1113/2019، وهي تعديلات وصفت بأنها تستهدف خنق مصادر التمويل الخارجي للمنظمات الحقوقية والمدنية المستقلة.
وترى المنظمات الدولية أن هذه الإجراءات تهدف إلى حرمان منظمات المجتمع المدني من القدرة المالية اللازمة لتنفيذ برامج التوعية الانتخابية أو مراقبة الانتخابات بصورة مستقلة ومحايدة.
اتهامات للحكومة الإثيوبية باستخدام التضييق المالي والاعتقالات ضد النشطاء
وأشار التقرير إلى أن سياسة التضييق المالي المفروضة على المنظمات المستقلة دفعت أعدادًا متزايدة من المدافعين عن حقوق الإنسان والنشطاء السياسيين إلى مغادرة إثيوبيا والدخول في منفى دائم خارج البلاد.
وفي المقابل، يواجه النشطاء الذين بقوا داخل إثيوبيا، بحسب التقرير، مخاطر مستمرة تشمل الاعتقالات التعسفية والاختفاء القسري والاحتجاز لفترات طويلة دون إجراءات قانونية واضحة.
وأكد التقرير أن المناخ السياسي والأمني داخل البلاد أصبح أكثر عدائية تجاه الأصوات المعارضة، خصوصًا مع اقتراب موعد الانتخابات الوطنية.
استمرار احتجاز الصحفيات ميسكيرم أبيرا وجينيت أسيماماو يثير انتقادات حادة
وسلط التقرير الضوء على ما وصفه بالثمن الإنساني الباهظ للأزمة السياسية الحالية، مستشهدًا باستمرار احتجاز الصحفيتين البارزتين ميسكيرم أبيرا وجينيت أسيماماو منذ نحو ثلاث سنوات.
ووفقًا للمنظمات الحقوقية، فإن الصحفيتين لا تزالان محتجزتين بسبب تغطيتهما للانتهاكات والجرائم المرتبطة بالنزاعات المسلحة الجارية داخل إثيوبيا.
واعتبر التقرير أن استمرار احتجازهما يعكس تصاعد القيود المفروضة على حرية الصحافة والتعبير، خاصة فيما يتعلق بتغطية الصراعات الداخلية والانتهاكات المنسوبة إلى القوات الحكومية.
تصاعد العمليات العسكرية في أمهرة وأوروميا بالتزامن مع الانتخابات
وأشار التقرير إلى أن الحكومة الإثيوبية باتت تعتمد بصورة متزايدة على الحلول العسكرية والأمنية في التعامل مع الأزمات الداخلية، خصوصًا في إقليمي أمهرة وأوروميا اللذين يشهدان توترات أمنية واشتباكات مستمرة.
وبحسب التقرير، فإن التحضيرات الجارية للانتخابات تتم في مناطق تشهد مواجهات عسكرية واتهامات باستخدام القوة المفرطة ضد المدنيين، ما يثير مخاوف واسعة بشأن نزاهة العملية الانتخابية وإمكانية مشاركة جميع المواطنين بصورة آمنة وحرة.
كما اتهم التقرير السلطات الإثيوبية بملاحقة المعارضين السياسيين بصورة ممنهجة، مشيرًا إلى مقتل المعارض بيتي أورجيسا واستمرار احتجاز النائب السابق كريستيان تاديلي لفترات طويلة دون تسوية قانونية واضحة.
وأكد التقرير أن هذه التطورات دفعت بعض الأحزاب وقوى المعارضة إلى الاستقالة الجماعية أو مغادرة البلاد نتيجة ما وصفته بغياب الضمانات الأمنية والسياسية.
مخاوف من تفكك سياسي وأزمة دستورية تهدد استقرار إثيوبيا
وحذر التقرير من أن استمرار الأوضاع الحالية قد يدفع إثيوبيا نحو مرحلة خطيرة من الانقسام السياسي والمؤسسي، خاصة في ظل التوترات المتصاعدة داخل عدد من الأقاليم، وعلى رأسها تيغراي وأمهرة وأوروميا.
وأشار إلى أن الأزمة السياسية الحالية تتزامن مع تصدعات داخلية متزايدة في بعض الهياكل الإقليمية، الأمر الذي يهدد بحدوث حالة من الجمود الدستوري والتفكك الإداري.
كما أكد التقرير أن الانتخابات المرتقبة تواجه اتهامات واسعة بعدم الشفافية ومخالفة المبادئ الأساسية الواردة في الميثاق الإفريقي للديمقراطية والانتخابات والحكم.
ويرى مراقبون أن استمرار هذه الأزمة قد يؤثر بصورة مباشرة على مكانة إثيوبيا الإقليمية والدبلوماسية، خاصة أنها تستضيف مقر الاتحاد الإفريقي وتلعب دورًا محوريًا في ملفات الأمن والاستقرار داخل القارة.
انتقادات لصمت المجتمع الدولي تجاه الأزمة الإثيوبية
وانتقد التقرير ما وصفه بحالة التساهل الدولي مع الحكومة الإثيوبية خلال السنوات الماضية، معتبرًا أن المكانة الدبلوماسية لأديس أبابا ساهمت في تقليل حجم الضغوط الدولية المفروضة على حكومة آبي أحمد.
وأشار التقرير إلى أن غياب ردود الفعل الدولية الحاسمة سمح، بحسب وصفه، بتوسع السياسات السلطوية داخل البلاد دون رقابة أو محاسبة فعالة.
وأكدت منظمات حقوقية أن استمرار تدهور أوضاع الحريات والديمقراطية في إثيوبيا يهدد الاستقرار الإقليمي على المدى الطويل، خصوصًا مع استمرار النزاعات المسلحة والانقسامات السياسية والعرقية.
دعوات دولية لضمان انتخابات نزيهة وحماية الحريات العامة
وفي ختام التقرير، دعت منظمات حقوق الإنسان الحكومة الإثيوبية إلى وقف القيود المفروضة على الإعلام ومنظمات المجتمع المدني، وضمان بيئة سياسية تسمح بالتعددية الحزبية وحرية التعبير والعمل السياسي.
كما طالبت بالإفراج عن الصحفيين والمعتقلين السياسيين، وفتح المجال أمام الرقابة المستقلة على الانتخابات، واحترام الالتزامات الواردة في المواثيق الإفريقية والدولية المتعلقة بالديمقراطية وحقوق الإنسان.
ويرى مراقبون أن مستقبل الاستقرار في إثيوبيا سيظل مرتبطًا بقدرة الدولة على معالجة أزماتها الداخلية عبر حلول سياسية ودستورية شاملة، بعيدًا عن التصعيد الأمني وسياسات القمع، في ظل التحديات المعقدة التي تواجه البلاد على المستويات السياسية والاقتصادية والعرقية.
إقرأ المزيد :
صحيفة إثيوبية : طموحات آبي أحمد البحرية تُعمّق عزلة إثيوبيا الإقليمية وتُشعل القرن الأفريقي




