الدكتور حسين عبد البصير يكتب : ساكوجي يوشيمورا … حين يعبر اليابانيون الزمن إلى ضفاف النيل

في عالم الآثار، هناك علماء يأتون إلى مصر بحثًا عن حجرٍ أو نقشٍ أو مقبرةٍ منسية، ثم يغادرون كما جاءوا. وهناك قلة نادرة لا تغادر أبدًا؛ لأن مصر، ببساطة، تدخل في تكوينهم الداخلي وتصبح جزءًا من ذاكرتهم الإنسانية, من بين هؤلاء يبرز اسم العالم الياباني الكبير ساكوجي يوشيمورا، الذي لم يأتِ إلى مصر زائرًا، بل جاء باحثًا عن الزمن نفسه، وكأنه كان يبحث عن جذورٍ أقدم من التاريخ المكتوب.
لم يكن يوشيمورا مجرد عالم آثار تقليدي، بل كان حالة فكرية وروحية خاصة، تمزج بين الدقة اليابانية الصارمة، والدهشة الشرقية أمام الحضارة المصرية القديمة, حين وقف لأول مرة أمام أهرامات الجيزة، لم يرَ حجارة ضخمة، بل رأى سؤالًا مفتوحًا على السماء، وسرًا ينتظر من يصغي إليه لا من يقتحمه.
لقد ارتبط اسم ساكوجي يوشيمورا ارتباطًا وثيقًا بأحد أعظم أسرار الدولة القديمة: مركب خوفو الشمسي. ذلك الكيان الخشبي المقدس المدفون إلى جوار الهرم الأكبر، والذي لم يكن مجرد وسيلة نقل ملكية، بل كان رحلة رمزية في الكون، تعبر بالملك من الحياة إلى الأبدية في مركب الإله رع.
في هذا المشروع، لم يتعامل يوشيمورا مع الأثر باعتباره مادة جامدة، بل باعتباره كائنًا حيًا يحتاج إلى إنصات طويل. كان يدرك أن الخشب الذي صمد آلاف السنين ليس مجرد مادة أثرية، بل ذاكرة زمن كامل، وأن كل شق فيه هو جملة من قصة لم تُروَ بعد.
لقد قاد العالم الياباني أعمالًا علمية دقيقة، شارك فيها خبراء مصريون ويابانيون، في واحدة من أنجح صور التعاون الأثري الدولي. ولم يكن هذا التعاون مجرد مشروع علمي، بل كان حوارًا حضاريًا بين ضفتين: ضفة النيل وضفة المحيط الهادئ، بين حضارة صنعت الأهرامات، وأخرى صنعت الانضباط المعرفي الحديث.
وفي لحظات كثيرة، كان يوشيمورا يتعامل مع الموقع الأثري كما لو كان معبدًا للزمن. كان يطلب الصمت قبل العمل، وكأن الصمت شرط أساسي لفهم ما يقوله التاريخ. كان يقول في ما يشبه الفلسفة: إن الأثر لا يُنقَّب فقط بالأدوات، بل بالعقل والقلب معًا.
ولذلك، لم يكن غريبًا أن يُنظر إليه في الأوساط الأثرية المصرية باعتباره أكثر من عالم أجنبي؛ بل شريكًا في الحلم الأثري المصري، وحارسًا غير مصري لأحد أهم أسرار الجيزة.
إن تجربة يوشيمورا في مصر تكشف لنا حقيقة أعمق: أن الحضارة المصرية القديمة ليست ملكًا لبلد واحد، بل هي تراث إنساني مفتوح، يندهش له العالم كله، ويعود إليه الباحثون من كل الثقافات، كلٌ بلغته وأدواته، لكنهم جميعًا يقفون أمام السؤال نفسه: كيف فكر المصري القديم في الخلود؟
لقد رحل يوشيمورا عن عالمنا، لكن أثره العلمي والإنساني لا يزال حيًا، مثلما تبقى الأخشاب القديمة لمركب خوفو شاهدة على عبقرية الإنسان القديم، وعلى عبقرية من أعادوا اكتشافه بحبٍ واحترامٍ ودهشة.
وهكذا، يظل اسم ساكوجي يوشيمورا واحدًا من تلك الأسماء التي لا تُكتب في كتب الآثار فقط، بل تُكتب في ذاكرة الحوار بين الحضارات؛ حيث يلتقي الشرق بالشرق، وتلتقي الإنسانية بنفسها عند سفح الهرم الأكبر، في صمتٍ مهيب يشبه الخلود.

إقرأ المزيد :
الدكتور حسين عبد البصير يكتب : نوزومو كاواي الياباني الذي يقرأ سقارة كأنها مخطوط أبدي


