الكاتب النيجري سليمان آل مختار يكتب : القضية الفلسطينية بين تحديات الانقسام وحتمية الوحدة

ليست فلسطين مجرد قطعة أرض متنازع عليها، ولا مجرد قضية سياسية نشأت في القرن العشرين بفعل الصراع بين الحركة الصهيونية والشعب الفلسطيني، بل هي في الوعي الإسلامي أرض مباركة ارتبطت بعقيدة المسلمين وتاريخهم وحضارتهم منذ فجر الإسلام، ففيها أولى القبلتين، ومسرى نبي الإسلام ﷺ، ومنها عرج به إلى السماوات العلى؛ ولذلك احتلت مكانة خاصة في وجدان الأمة الإسلامية عبر القرون.
ومع أن القضية الفلسطينية اكتسبت أبعادًا سياسية وقانونية وإنسانية، فإن بعدها الإسلامي ظل حاضرًا بقوة في تشكيل الوعي المجتمع الإسلامي، وفي استنهاض جهودهم للدفاع عنها؛ ولهذا لا يمكن فهم حقيقة القضية الفلسطينية في المنظور الإسلامي بمعزل عن مكانة القدس وفلسطين في النصوص الشرعية والتاريخ الإسلامي.
وتعود الجذور القضية الفلسطينية – بشكلها المعاصر – إلى أواخر القرن التاسع عشر مع بروز الحركة الصهيونية، ثم صدور وعد بلفور سنة 1917، وما تبعه من الانتداب البريطاني على فلسطين، وصولًا إلى نكبة عام 1948 التي شكلت نقطة تحول كبرى في تاريخ المنطقة.
ومنذ ذلك الحين، ظلت فلسطين قضية الأمة الإسلامية، وتوالت محطات النضال الفلسطيني دفاعًا عن الوطن والمقدسات.
غير أن التاريخ يعلمنا أن عدالة القضية وحدها لا تكفي لتحقيق النصر، وأن قوة الخصم ليست العامل الوحيد في الهزيمة أو التأخر، بل إن الانقسام الداخلي كثيرًا ما كان سببًا رئيسًا في ضياع الحقوق وتعثر مشاريع التحرر؛ ولذلك فإن الحديث عن القضية الفلسطينية لا ينفصل عن الحديث عن وحدة الصف، بوصفه أحد أهم أسباب النجاح في كل قضية.
ولعل التجربة التاريخية لتحرير القدس على يد صلاح الدين الأيوبي تقدم نموذجًا بالغ الدلالة؛ إذ لم يكن انتصاره في حطين واستعادة القدس ثمرة تفوق عسكري مجرد، بل جاء بعد مشروع طويل لإعادة بناء الوحدة السياسية والعسكرية في المشرق الإسلامي.
ومن هنا تبرز أهمية إعادة النظر في واقع القضية الفلسطينية اليوم في ضوء معادلة أثبتها التاريخ مرارًا: لا قوة بلا وحدة، ولا تحرير حقيقي في ظل الانقسام.
فلسطين: قضية عقيدة وهوية قبل أن تكون قضية أرض وحدود
حين نتحدث عن فلسطين لا ينبغي أن نحصر القضية في بعدها السياسي وحده، لأن هذا الاختزال يغفل جانبًا جوهريًا من حقيقتها. ففلسطين بالنسبة للمسلمين ليست مجرد نزاع على الأرض أو الحدود، بل هي جزء من العقيدة الإسلامية.
فالقدس تحتضن المسجد الأقصى المبارك الذي بارك الله حوله، وهي القبلة الأولى للمسلمين، ومنها بدأت رحلة الإسراء والمعراج؛ ولذلك بقيت فلسطين حاضرة في وجدان المسلمين عبر العصور، وتجاوزت حدود الانتماء القومي والجغرافي لتصبح قضية أمة بأكملها.
ولا يتعارض هذا البعد الإسلامي مع البعد الوطني الفلسطيني أو الإنساني للقضية، بل يكمله ويمنحه عمقًا إضافيًا. فالقضية الفلسطينية اليوم هي في آن واحد قضية شعب يسعى إلى استعادة حقوقه المشروعة، وقضية أمة تدافع عن أحد أهم مقدساتها ورموزها التاريخية؛
ولهذا السبب استمرت فلسطين حية في ضمير المسلمين رغم تعاقب الأجيال وتغير الظروف السياسية، وبقيت قادرة على استنهاض مشاعر التضامن والدعم في مختلف أنحاء العالم الإسلامي.
حين وحّد صلاح الدين االأيوبي الصفوف تحررت القدس:
من أعظم الدروس التي يقدمها التاريخ الإسلامي أن النصر لا يتحقق بمجرد امتلاك قضية عادلة أو توفر الشجاعة العسكرية، بل يحتاج قبل ذلك إلى وحدة الصف واجتماع الكلمة.
وقد أبرز الدكتور ” علي محمد الصلابي، في كتابه “صلاح الدين الأيوبي وجهوده في القضاء على الدولة الفاطمية وتحرير بيت المقدس”: أن مشروع صلاح الدين لم يبدأ من ميدان المعركة، بل بدأ من مشروع إصلاحي وسياسي هدف إلى إنهاء الانقسامات التي كانت تمزق العالم الإسلامي آنذاك.
فقد كانت بلاد المسلمين موزعة بين قوى متنافسة ومراكز نفوذ متنازعة، في وقت كان فيه الصليبيون يرسخون وجودهم في بلاد الشام. وأدرك صلاح الدين أن أي مواجهة ناجحة مع العدو الخارجي لن تكون ممكنة ما دامت الجبهة الداخلية مفككة.
ولهذا عمل على توحيد مصر والشام وتنسيق الجهود العسكرية والسياسية، وإعادة بناء الشعور بالانتماء إلى مشروع مشترك يتجاوز الولاءات الضيقة، ولم تكن معركة حطين سنة 583هـ/ سوى الثمرة الطبيعية لهذا المشروع الوحدوي.
ومن هنا فإن القدس لم تتحرر لأن المسلمين امتلكوا السلاح فحسب، بل لأنها سُبقت بوحدة سياسية وعسكرية جمعت الطاقات ووجهتها نحو هدف واحد.
وهذه الحقيقة التاريخية تحمل رسالة واضحة للواقع الفلسطيني المعاصر.
الانقسام الفلسطيني من الخلاف السياسي إلى تهديد المشروع الوطني:
إذا كانت الوحدة قد مهدت لتحرير القدس في الماضي، فإن الانقسام أصبح اليوم أحد أكبر التحديات التي تواجه القضية الفلسطينية.
وقد تناول الباحث ” إبراهيم أبراش” هذه القضية في دراسته: “جذور الانقسام الفلسطيني ومخاطره على المشروع الوطني”: حيث يرى أن الانقسام لم يكن مجرد خلاف عابر بين قوى سياسية، بل تطور إلى أزمة أسياسية أثرت في مجمل المشروع الوطني الفلسطيني.
فالانقسام أضعف المؤسسات الوطنية، وأوجد ازدواجية في مراكز القرار، وأثر في قدرة الفلسطينيين على تقديم رؤية موحدة تجاه القضايا المصيرية. كما ساهم في تشتيت الجهود واستنزاف الطاقات في صراعات داخلية كان الأوْلى أن تُوجَّه نحو مواجهة الاحتلال.
ولم يقتصر أثر الانقسام على الجانب السياسي فحسب، بل امتد إلى النسيج الاجتماعي والثقافي، وأسهم في تعميق حالة الاستقطاب داخل المجتمع الفلسطيني، الأمر الذي انعكس سلبًا على وحدة الموقف الوطني.
كما أن استمرار الانقسام أتاح للاحتلال فرصة استغلال التناقضات الداخلية، وتقديم نفسه أمام العالم باعتباره يواجه طرفًا فلسطينيًا غير موحد، وهو ما أضعف الموقف الفلسطيني في كثير من المحافل السياسية والدبلوماسية.
لماذا تخشى دولة الاحتلال وحدة الفلسطينيين؟
تدل تجارب الصراع الطويلة على أن الاحتلال كان دائمًا أكثر ارتياحًا حين تسود الخلافات داخل الصف الفلسطيني، وأكثر قلقًا حين تتقارب القوى الفلسطينية وتتفق على رؤية مشتركة.
فالطرف الموحد يمتلك قدرة أكبر على التفاوض، وعلى حشد الدعم الدولي، وعلى تنظيم المقاومة السياسية والشعبية والإعلامية ضمن استراتيجية واضحة.
أما الانقسام فيمنح الخصم فرصة للمناورة واستثمار التناقضات الداخلية.
ومن هنا يمكن فهم لماذا كانت كل محاولات المصالحة الفلسطينية تحظى باهتمام صهيوني كبير؛ لأن الوحدة الفلسطينية ليست مجرد شأن داخلي، بل تمثل تحولًا استراتيجيًا في ميزان الصراع.
الوحدة الفلسطينية بين الواجب الشرعي والضرورة السياسية:
إن الدعوة إلى الوحدة الفلسطينية ليست دعوة عاطفية أو خطابًا مثاليًا، بل هي ضرورة تؤكدها النصوص الشرعية كما تفرضها متطلبات الواقع السياسي.
فقد أمر الله تعالى بالاعتصام ونبذ الفرقة، فقال سبحانه: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا﴾، وقال: ﴿ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم﴾. وهذه السنن القرآنية لا تقتصر على زمن دون زمن، بل تعبر عن قواعد ثابتة في حياة الأمم والشعوب.
وفي هذا السياق، يؤكد الباحث ” أمجد محمود جلاد” في دراسته ” دور الفصائل الفلسطينية في إقامة وحدة الصف”: أن نجاح المشروع الوطني الفلسطيني يرتبط بقدرة الفصائل والقوى السياسية على تجاوز الحسابات الحزبية الضيقة وتقديم المصلحة الوطنية العليا.
فالوحدة المطلوبة لا تعني إلغاء التعددية السياسية أو الفكرية، وإنما تعني الاتفاق على الثوابت الوطنية الكبرى، وبناء آليات مؤسسية لإدارة الخلافات دون أن تتحول إلى صراع يهدد القضية نفسها.
وليس من الضروري أن تتطابق البرامج والرؤى بين جميع الأطراف، لكن الضروري أن يبقى الخلاف تحت سقف المشروع الوطني الجامع، وأن تُقدَّم مصلحة فلسطين على كل اعتبار آخر.
ختاما:
لقد أثبت التاريخ أن الأمم لا تُهزم دائمًا بسبب قوة أعدائها، بل قد تُهزم أحيانًا بسبب ضعفها الداخلي وتفرق كلمتها. وما تجربة صلاح الدين الأيوبي إلا شاهد حي على أن الوحدة كانت المدخل الأول إلى تحرير القدس، كما أن تجارب العصر الحديث تؤكد أن الانقسام يظل أحد أخطر التحديات التي تواجه حركات التحرر الوطني.
والقضية الفلسطينية اليوم، بما تحمله من أبعاد دينية ووطنية وإنسانية، أحوج ما تكون إلى استعادة روح الوحدة والتوافق. فالمخاطر التي تهدد الوطن والمصير والمقدسات أكبر من أن تواجهها قوى متفرقة، والتحديات المتسارعة تتطلب رؤية مشتركة وجهدًا جماعيًا ومشروعًا وطنيًا جامعًا.
ولعل الدرس الأبرز الذي يقدمه التاريخ هو أن القدس لم تتحرر يوم توحد المسلمون مصادفة، بل لأن الوحدة كانت الشرط الذي سبق النصر ومهّد له.
وما أحوج الفلسطينيين اليوم ومعهم الأمة الإسلامية كلها، إلى استحضار هذا الدرس؛ فالقضايا الكبرى لا تنتصر بالنيات الحسنة وحدها، وإنما تنتصر حين تجتمع الإرادات وتتحد الصفوف وتتجه نحو هدف واحد.
* سليمان متار مالم يحيى آل مختار .. كاتب سياسي من دولة النيجر .
اقرأ المزيد




