عميد دكتور محمد حجاب يكتب : الأبيض ومعركة بقاء الدولة السودانية
هل يقود سقوط عاصمة كردفان إلى ترسيخ الانقسام الجغرافي والسياسي في السودان؟
منذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، تركزت الأنظار على الخرطوم ودارفور بوصفهما المسرحين الرئيسيين للصراع, غير أن التطورات العسكرية الأخيرة دفعت بمدينة الأبيض ، عاصمة ولاية شمال كردفان، إلى صدارة المشهد باعتبارها إحدى أهم النقاط الاستراتيجية القادرة على التأثير في مستقبل الحرب ووحدة الدولة السودانية.
فالأبيض ليست مجرد مدينة إقليمية، بل تمثل عقدة جغرافية ومركزاً لوجستياً يربط شرق السودان بغربه، ويصل بين إقليم دارفور والولايات الشمالية والوسطى, كما تشكل بوابة العبور الرئيسية إلى كردفان الكبرى، الأمر الذي يمنحها أهمية استثنائية في الحسابات العسكرية للطرفين, ومن ثم فإن أي تغير في وضعها الميداني ستكون له انعكاسات تتجاوز حدود السيطرة المحلية إلى إعادة تشكيل موازين القوى على مستوى السودان بأكمله.
وتدرك قوات الدعم السريع أن السيطرة على الأبيض تعني تحقيق عدة أهداف استراتيجية في آن واحد, أول هذه الأهداف هو تأمين خط اتصال جغرافي أكثر تماسكاً بين مناطق نفوذها في دارفور والمناطق التي تسعى إلى توسيع سيطرتها عليها في كردفان. أما الهدف الثاني فيتمثل في تقويض قدرة الجيش السوداني على المناورة والإمداد بين أقاليم البلاد المختلفة، بما يضعف من تماسك جبهاته العسكرية, بينما يرتبط الهدف الثالث بإضفاء قدر أكبر من الشرعية السياسية على أي ترتيبات حكم موازية قد تسعى إليها قوات الدعم السريع في المناطق الواقعة تحت سيطرتها.
وفي المقابل، ينظر الجيش السوداني إلى الأبيض باعتبارها خط الدفاع الأخير عن وحدة الجغرافيا السودانية في وسط البلاد. ففقدان المدينة لا يعني فقط خسارة موقع عسكري مهم، وإنما يفتح المجال أمام تشكل مناطق نفوذ منفصلة جغرافياً، وهو ما قد يؤدي إلى تكريس واقع سياسي جديد يصعب التراجع عنه مستقبلاً.
وتبرز هنا المخاوف من أن يؤدي استمرار الحرب إلى انتقال السودان من مرحلة الصراع على السلطة إلى مرحلة الصراع على الكيان نفسه, فالتاريخ السوداني يحمل تجربة انفصال جنوب السودان عام 2011، وهي تجربة كشفت كيف يمكن للصراعات الممتدة وضعف مؤسسات الدولة أن تفضي في النهاية إلى إعادة رسم الحدود السياسية.
ورغم اختلاف الظروف الحالية عن تلك التجربة، فإن استمرار الانقسام العسكري والإداري بين مناطق النفوذ المختلفة يثير تساؤلات جدية حول قدرة الدولة السودانية على استعادة وحدتها في المستقبل.
ومع ذلك، فإن سقوط الأبيض – إن حدث – لن يعني بالضرورة إعلان انفصال فوري أو نشوء دولة جديدة بين عشية وضحاها، لكنه قد يمثل نقطة تحول استراتيجية تدفع نحو ترسيخ واقع الانقسام الفعلي، حيث تتشكل سلطات وإدارات ومؤسسات موازية على أسس جغرافية وعسكرية, وفي هذه الحالة يصبح التحدي الأكبر ليس إنهاء الحرب فقط، وإنما إعادة بناء الدولة واستعادة وحدة مؤسساتها.
لذلك تبدو معركة الأبيض اليوم أكثر من مجرد مواجهة عسكرية حول مدينة استراتيجية؛ إنها معركة تتعلق بمستقبل الدولة السودانية نفسها, فنتائجها قد تحدد ليس فقط موازين القوى بين الجيش والدعم السريع، بل أيضاً شكل السودان وحدوده السياسية خلال السنوات القادمة.

إقرأ المزيد :
السودان: تظاهرات حاشدة في مدن سودانية دعمًا للجيش.. قتيل و3 جرحى بقصف مسيّرة للدعم السريع على الأبيض




