السفير دكتور محمد حجازي يكتب : أحمدو أهيدجو… مهندس الوحدة الكاميرونية وباني الدولة الحديثة « 11»

في تاريخ إفريقيا الحديثة، يبرز اسم أحمدو أهيدجو باعتباره أحد القادة الذين نجحوا في عبور مرحلة الاستقلال بأقل قدر من الاضطراب وأكثر قدر من الواقعية السياسية. ففي الوقت الذي شهدت فيه العديد من الدول الإفريقية صراعات داخلية حادة وانقسامات عرقية وإقليمية عقب الاستقلال، استطاع أهيدجو أن يقود الكاميرون نحو بناء دولة موحدة ومستقرة، واضعًا أسس الدولة الحديثة التي ما زالت قائمة حتى اليوم.
ولد أحمدو أهيدجو عام 1924 في مدينة غاروا شمال الكاميرون، ونشأ في بيئة متعددة الثقافات والأعراق، وهو ما ساعده لاحقًا على فهم تعقيدات المجتمع الكاميروني وتنوعه، ومع نهاية الحقبة الاستعمارية الفرنسية، برز كأحد القيادات السياسية الشابة التي سعت إلى تحقيق الاستقلال من خلال التفاوض والعمل السياسي، بعيدًا عن الانزلاق إلى صراعات مفتوحة قد تهدد وحدة البلاد.
وعندما حصلت الكاميرون على استقلالها في الأول من يناير 1960، أصبح أحمدو أهيدجو أول رئيس للجمهورية. لكن التحدي الأكبر لم يكن إعلان الاستقلال في حد ذاته، بل بناء دولة قادرة على البقاء والتماسك وسط بيئة إقليمية ودولية معقدة. فقد كانت الكاميرون تعاني من انقسامات تاريخية نتجت عن خضوع أجزاء منها للاستعمار الفرنسي وأجزاء أخرى للاستعمار البريطاني، الأمر الذي خلق اختلافات إدارية ولغوية وسياسية عميقة.
أدرك أهيدجو مبكرًا أن نجاح الدولة الجديدة يتوقف على قدرتها على تجاوز هذه الانقسامات. ولذلك جعل من الوحدة الوطنية مشروعه السياسي الأول.
وفي عام 1961 نجح في تحقيق إعادة توحيد الكاميرون الفرنسية مع الجزء الجنوبي من الكاميرون البريطانية، في خطوة اعتبرها كثير من المؤرخين واحدة من أهم الإنجازات السياسية في تاريخ البلاد الحديث.
لم يكن أهيدجو من دعاة الخطابات الثورية الصاخبة، بل كان رجل دولة براغماتيًا يؤمن بالتدرج والاستقرار. وقد ركز جهوده على بناء مؤسسات الدولة وتطوير الإدارة العامة وتحسين البنية التحتية وتعزيز الاقتصاد الوطني.
وفي ظل قيادته شهدت الكاميرون مستويات ملحوظة من الاستقرار السياسي مقارنة بالعديد من دول إفريقيا جنوب الصحراء خلال ستينيات وسبعينيات القرن العشرين.
كما انتهج سياسة خارجية متوازنة، حافظ من خلالها على علاقات جيدة مع مختلف الأطراف الدولية، دون أن يتخلى عن انتمائه الإفريقي أو دعمه لمسيرة التعاون بين الدول الإفريقية المستقلة حديثًا، وكان من المؤمنين بأن بناء الدولة الوطنية القوية يمثل الشرط الأساسي لأي مشروع وحدوي إفريقي ناجح.
ورغم الانتقادات التي وُجهت إلى نظامه بسبب مركزية السلطة والقيود المفروضة على التعددية السياسية خلال تلك المرحلة، فإن كثيرًا من الباحثين يرون أن أولويته كانت حماية الدولة الوليدة من التفكك والانقسامات التي كانت تهدد العديد من الدول الإفريقية الجديدة.
وفي خطوة نادرة في التاريخ السياسي الإفريقي، قرر أحمدو أهيدجو عام 1982 التخلي طوعًا عن السلطة وتسليمها إلى رئيس وزرائه بول بيا، في انتقال سلمي اعتُبر آنذاك حدثًا استثنائيًا في القارة. ورغم ما شهدته العلاقة بين الرجلين لاحقًا من توترات، فإن قرار أهيدجو بالتنحي ظل شاهدًا على إدراكه لأهمية استمرارية الدولة ومؤسساتها.
لقد ارتبط اسم أحمدو أهيدجو بفكرة بناء الدولة قبل بناء الشعارات، وبالوحدة الوطنية قبل الانقسامات، وبالاستقرار قبل المغامرة السياسية. ولهذا بقي في الذاكرة الكاميرونية والإفريقية باعتباره أحد الآباء المؤسسين للدولة الحديثة في الكاميرون وأحد القادة الذين أدركوا أن الاستقلال الحقيقي لا يكتمل برحيل المستعمر فقط، بل يتحقق أيضًا بقدرة الشعوب على بناء مؤسساتها وصيانة وحدتها الوطنية.
وبعد عقود من رحيله، ما زالت تجربته تثير اهتمام الباحثين والمؤرخين باعتبارها نموذجًا إفريقيًا فريدًا في إدارة مرحلة الانتقال من الاستعمار إلى الدولة الوطنية، فقد نجح في تحقيق ما عجز عنه كثيرون: تحويل التنوع إلى مصدر قوة، والوحدة إلى أساس للاستقرار، والدولة إلى إطار جامع لمختلف مكونات المجتمع.
إن قصة أحمدو أهيدجو ليست مجرد سيرة رئيس قاد بلاده إلى الاستقلال، بل هي قصة رجل آمن بأن بناء الأوطان يبدأ ببناء التوافق الوطني، وأن مستقبل إفريقيا لا يصنعه الصراع بقدر ما تصنعه الحكمة والقدرة على توحيد الشعوب حول مشروع وطني جامع.

اقرأ المزيد
وزيرا خارجية مصر وجيبوتي يبحثان تطورات الأوضاع في القرن الأفريقي




