السفير دكتور محمد حجازي يكتب : تفكيك السردية الإثيوبية الجديدة.. رسالة الرئيس السيسي و الاستراتيجية المصرية للمياه والترابط الإقليمي في حوض النيل والبحر الأحمر
أثارت الورقة الصادرة عن معهد الشئون الخارجية الإثيوبي في يونيو 2026 بعنوان “تراجع النفوذ العربي المصري والانفتاح الاستراتيجي الإثيوبي” نقاشاً مهماً حول التحولات الجارية في حوض النيل والقرن الإفريقي والبحر الأحمر, وتنطلق الورقة من فرضية رئيسية مؤداها أن تراجع البيئة القومية العربية التي كانت تضاعف من النفوذ المصري قد أوجد مساحة استراتيجية جديدة لصعود إثيوبيا، سواء في ملف النيل أو في معادلات البحر الأحمر.
ورغم أن الورقة تلامس بعض الحقائق المتعلقة بتحولات النظام الإقليمي العربي خلال العقود الأخيرة، فإنها تبني استنتاجاتها على قراءة اختزالية لطبيعة القوة المصرية وللتفاعلات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة. فالنفوذ المصري لم يكن في أي مرحلة نتاجاً حصرياً للقومية العربية، بل استند تاريخياً إلى عناصر أكثر رسوخاً واستدامة، في مقدمتها الموقع الجغرافي الفريد الذي يربط آسيا وإفريقيا وأوروبا، والإشراف على قناة السويس باعتبارها أحد أهم شرايين التجارة العالمية، إضافة إلى الثقل الديموغرافي والعسكري والدبلوماسي، والدور الحضاري والثقافي الممتد عبر دوائر عربية وإفريقية ومتوسطية ودولية متشابكة، ولعل دعوة رئيس الجمهورية للتواجد بين قادة مجموعة الدول السبع الكبري لأبلغ دليل علي تعاظم مكانتها ليس فقط عربيا او اقليميا ولكن علي الساحة الدولية ، حيث دعيت كي تستشار في الطريق الأمثل لمواجهة تحديات مرحلة مصيرية هي الاهم في تاريخنا المعاصر.
ومن ثم فإن تراجع المد الأيديولوجي للقومية العربية لا يعني تلقائياً تراجع المكانة الاستراتيجية المصرية، لأن الجغرافيا السياسية لا تتغير بالسرعة ذاتها التي تتغير بها الأيديولوجيات، كما أن قياس النفوذ في عالم اليوم لم يعد يرتبط فقط بقدرة الدول على الحشد السياسي، وإنما بقدرتها على الربط بين الأقاليم والأسواق والموارد والممرات الاستراتيجية وانشاء شبكة علاقات اقليمية ودولية مؤثرة.
وينطبق الأمر ذاته على تصوير الخلاف حول سد النهضة باعتباره مواجهة بين التنمية الإثيوبية والهيمنة المصرية، فهذه السردية تتجاهل حقيقة أساسية مفادها أن مصر لم تعترض يوماً على حق إثيوبيا أو غيرها من دول حوض النيل في التنمية أو توليد الكهرباء، وإنما تمحور موقفها دائماً حول ضرورة الالتزام بقواعد القانون الدولي المنظمة للأنهار الدولية، وعلى رأسها مبادئ عدم التسبب في ضرر جسيم، والاستخدام المنصف والمعقول للمجاري المائية الدولية، والتوافق بشأن قواعد الملء والتشغيل للمشروعات الكبرى العابرة للحدود.
وفي هذا السياق اكتسبت الرسالة الهامة التي وجهها الرئيس عبد الفتاح السيسي في العاشر من يونيو 2026، خلال المؤتمر الصحفي المشترك مع الرئيس الكونغولي فيليكس تشيسيكيدي بالقاهرة، أهمية خاصة باعتبارها تمثل التعبير الأوضح عن المقاربة المصرية المعاصرة تجاه قضايا حوض النيل، فقد أكد الرئيس السيسي التزام مصر بدعم مشروعات السدود والتنمية المائية في دول الحوض “من أجل التنمية ودون الإضرار بالغير”، مشدداً على أن مصر لا تعارض حق دول الحوض في التنمية، وإنما تدعو إلى الالتزام بقواعد القانون الدولي ومبادئ حسن الجوار والتعاون المشترك،
كما أشاد بالمواقف الكونغولية الداعمة لاحترام القانون الدولي ورفض الإجراءات الأحادية بين شركاء نهر النيل، مؤكداً ضرورة التحلي بحسن النية والتوافق بين دول الحوض. والأهم من ذلك أنه وجه رسالة مباشرة إلى شعوب حوض النيل ذاتها مفادها أن هدف مصر يتمثل في تحقيق المنفعة المشتركة لجميع شعوب الحوض، وتعظيم الفوائد المتبادلة، والإدارة المستدامة للموارد المائية المشتركة دون الإضرار بأي طرف، كما شدد الرئيسان على أهمية استكمال العملية التشاورية الجارية حاليا للتعرف علي اسباب عدم تصديق بعض الدول حتي الأن داخل مبادرة حوض النيل ومعالجة اسباب تحفظها، بما يضمن استعادة التوافق والشمولية بين جميع الدول الأعضاء.
وبالفعل حملت رسالة السيد الرئيس دلالات استراتيجية تتجاوز الخلافات المائية الراهنة، فهي تعكس تحولاً مهماً في المقاربة المصرية من التركيز على إدارة النزاعات المائية، إلى تبني رؤية أوسع تقوم على الربط بين التنمية المستدامة والتعاون الإقليمي والالتزام بالقانون الدولي، وهي الرؤية التي تشكل الأساس الفكري للاستراتيجية المصرية الجديدة القائمة على الترابط بين الموارد المائية، والطاقة والتجارة والاستثمار والغذاء وسلاسل الإمداد باعتبارها ركائز مترابطة للتنمية والاستقرار في احواض الانهار ، والربط بين الامن المائي ارتباطا بنهر النيل ، وبين أمن الملاحة البحرية وتطوير الموانئ وانشاء الممرات الاقتصادية، وتبني مشروعات ذات بعد اقليمي منها الربط الملاحي بين بحيرة فيكتوريا والبحر المتوسط مايساهم في دعم اقتصاديات الدول الحبيسة جغرافيا في شرق ووسط افريقيا.
ومن هنا تكمن إحدى نقاط الضعف الجوهرية في السردية الإثيوبية الجديدة، التي ما زالت تنظر إلى العلاقات الإقليمية من خلال معادلة صفرية تعتبر أن صعود إثيوبيا يقتضي تراجع مصر، بينما تشير الاتجاهات الحديثة في العلاقات الدولية إلى أن النفوذ لم يعد يقاس بقدرة دولة على إقصاء غيرها، وإنما بقدرتها على بناء شبكات الترابط والتكامل الاقتصادي والإقليمي كما اوضحنا.
لقد طرحت مصر خلال السنوات الأخيرة رؤية متقدمة تقوم على مفهوم الترابط بين المياه والطاقة والتجارة والغذاء، وهي رؤية تلاقت مع توجهات العديد من القادة الأفارقة، ومن بينهم الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني، والذي اعلن خلال موتمرة الصحفي مع الرئيس السيسي بالقاهرة منذ اشهر قليلة ، إلى تجاوز النزاعات التقليدية والأطروحات القانونية والسياسية فقط والانتقال لحديث اكثر وعيا واتساعا والانتقال للحديث حول الموارد الطبيعية لصالح بناء منظومات للمصالح المشتركة والتنمية المتبادلة في مجالات ومثلث الأستثمار والتجارة، والطاقة، و لتكون الموارد المائية احدي مجالات التعاون وليست المجال الوحيد.
وفي هذا الإطار يهمني التأكيد والنظر إلى حوض النيل بمعزل عن البحر الأحمر، حيث لا يمكن فصل الأمن المائي عن أمن الملاحة البحرية ، ولا عن أمن الطاقة أو أمن التجارة والاستثمار . فاستقرار البحر الأحمر يؤثر بصورة مباشرة على سلاسل الإمداد العالمية وعلى اقتصاديات دول حوض النيل، بينما يرتبط أمن الطاقة بمشروعات الربط الكهربائي والتنمية الصناعية والزراعية في شرق إفريقيا، والتصور المتكامل لتنمية حوض نهر النيل حيث يتم الربط البري والسككي والربط الكهربائي بين دولة أساسا للتعامل مع تحديات التنمية لدول الحوض وتبني رؤية تسهم في تعزيز الأستقرار والتفاهم بينها، ومن ثم يصبح مفهوم الترابط الاستراتيجي بين الأمن المائي وأمن الملأحة في البحر الأحمر هو الإطار الأكثر ملاءمة لفهم تحديات المستقبل وبناء نطاق اقليمي للتعاون يخدم مجموع دول حوض النيل، وهذا ماقصدة السيد الرئيس في رسالتة.
وتتضح هذه الحقيقة بصورة أكبر عند تناول قضية البحر الأحمر، فإثيوبيا، بحكم حجمها السكاني والاقتصادي وموقعها الجغرافي، تمتلك مصالح مشروعة حسب القانون الدولي للبحار يتيح لها النفاذ البحري للتجارة ولتداول البضائع وهو ما يتم بالفعل عبر ميناء جيبوتي وتصدر عبرة وتستورد من خلالة إثيوبيا كل احتياجاتها، كما ترتبط اثيوبيا بخط سكك حديد ممتد يربط بين ميناء جيبوتي والمدن الأثيوبية ، ما يوفر لها ممرا بحريا تجاريا تعتمد عليه في تجارتها الخارجية.
غير أن وجود مصالح مشروعة لا يترتب عليه تلقائياً اكتساب حقوق سيادية أو قانونية تماثل حقوق الدول الساحلية المتشاطئة علي البحر الأحمر والتي لها وحدها وفقا لقواعد القانون الدولي الحق في التشاور وحدها وبشكل حصري في ادارة المنظومة الأمنية والمؤسسية في نطاق البحر الأحمر والذي تشرف دولة المتشاطئة من خلال مجلس الدول العربية والأفريقية المتشاطئة علية، ومن ثم فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في إعادة تعريف البحر الأحمر وفق اعتبارات ديموغرافية وجغرافية وسياسية ، بل في تطوير آليات إقليمية أكثر شمولاً تسمح بمشاركة مختلف الأطراف المتأثرة بأمن الممرات البحرية دون المساس بالمبادئ القانونية المستقرة أو بحقوق الدول الساحلية المتشاطئة، فاثيوبيا تتطلع لمنفذ سيادي وأمني وعسكري بحري علي البحر الأحمر وهو مايتعارض مع مصالح الدول المتشاطئة للبحر الأحمر ، ولا يكفلة لها القانون الدولي، ولن تجد حلا في التواطئ مع صومالاند -ارض الصومال- التي هي جزء من جمهورية الصومال الدولة العربية الافريقية ذات السيادة.
إذا فإن التحدي المطروح أمام دول الإقليم اليوم ليس تحديد أي دولة تتراجع وأي دولة تتقدم، وإنما بناء منظومة إقليمية جديدة تربط بين الأمن المائي في حوض النيل، وأمن الملاحة في البحر الأحمر، وشبكات الطاقة، والممرات التجارية، ومشروعات الربط البري والسكك الحديدية، والاستثمارات العابرة للحدود. فهذه العناصر مجتمعة هي التي ستشكل أسس النظام الإقليمي الجديد في شرق إفريقيا والقرن الإفريقي خلال العقود المقبلة، ومن هذا المنظور، فإن مستقبل المنطقة لن تحدده قدرة طرف على فرض إرادته على الآخرين، بل قدرة الجميع على الانتقال من دبلوماسية إدارة النزاعات إلى دبلوماسية بناء الترابط الاستراتيجي. فالقرن الحادي والعشرون لا يدار بمنطق الاستبعاد، بل بمنطق الشراكة والاعتماد المتبادل.
وعليه، فإن مصر وإثيوبيا ليستا خصمين بحكم الجغرافيا، بل شريكين موضوعيين في مسؤولية صياغة مستقبل أكثر استقراراً وازدهاراً لحوض النيل والبحر الأحمر والقارة الإفريقية بأسرها، وستكون الدولة الأكثر تأثيراً في هذا المستقبل هي تلك القادرة على تحويل الجغرافيا إلى منصة للتكامل والتنمية والربط بين الموارد والطاقة والتجارة والممرات الاستراتيجية، وليس تلك التي تنظر إلى العلاقات الإقليمية باعتبارها سببا للتوتر وفرض الارادات ومخالفة القانون الدولي واتباع سياسات لا تخدم استقرار المنطقة، لقد قالت مصر كلمتها، وتضمنتها رسالة السيد الرئيس، وعلي إثيوبيا تدبر محتواها وفهمة ، والرد عليها بوعي وحكمة.
- سفير د. محمد حجازي .. مساعد وزير الخارجية الأسبق عضو مجلس إدارة المجلس المصري للشئون الخارجية .
إقرأ المزيد :
انتخابات إثيوبيا 2026 في مهب الانقسام السياسي .. مخاوف من أزمة شرعية في ظل استمرار النزاعات المسلحة




