أخبار عاجلةالرأي

رامي زهدي يكتب: مصر ودول حوض النيل.. شراكة استراتيجية لتحقيق التنمية و الازدهار

تتكرر بين الحين والآخر تصريحات من بعض المسؤولين الإثيوبيين تزعم أن التحركات المصرية داخل دول حوض النيل تستهدف عرقلة التنمية في دول المنابع أو محاصرة تطلعاتها الاقتصادية , وهي ادعاءات تفتقر إلى الدليل، وتتجاهل تاريخا طويلا من التعاون المصري مع الأشقاء الأفارقة، كما تتناقض مع الواقع العملي الذي تشهده دول حوض النيل نفسها.

فمصر لم تعارض يوما حق أي دولة إفريقية في التنمية، ولم تعترض على إنتاج الطاقة الكهرومائية أو تنفيذ مشروعات التنمية المستدامة، بل أكدت باستمرار أن التنمية حق أصيل لكل شعوب القارة، شريطة ألا تتحول إلى مصدر لتهديد مصالح الدول الأخرى أو الإضرار بحقوقها المائية وفقا لقواعد القانون الدولي.

وجوهر الموقف المصري ليس رفض التنمية، وإنما رفض الإجراءات الأحادية في إدارة الأنهار الدولية، وهي المبادئ التي أقرتها اتفاقية الأمم المتحدة بشأن استخدام المجاري المائية الدولية، والتي تقوم على الاستخدام المنصف والمعقول، وعدم التسبب في ضرر ذي شأن، والتعاون، وتبادل المعلومات، والتشاور المسبق بين الدول المتشاطئة.

ومن يتابع السياسة المصرية في إفريقيا خلال السنوات الأخيرة يدرك أن القاهرة تبنت نهجا مختلفا يقوم على بناء الشراكات لا صناعة الخصومات، فقد نفذت مصر عشرات المشروعات التنموية في دول حوض النيل، شملت حفر الآبار، وإنشاء محطات مياه الشرب، ومشروعات الري الحديث، والمراكز الطبية، وبرامج التدريب وبناء القدرات، والمنح الدراسية، ونقل الخبرات الفنية في مجالات الزراعة وإدارة الموارد المائية والصحة والتعليم.

كما توسعت الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية في برامجها الموجهة للدول الإفريقية، واستقبلت المؤسسات المصرية آلاف المتدربين من مختلف دول القارة، إيمانا بأن الاستثمار الحقيقي هو الاستثمار في الإنسان الإفريقي.

إن تصوير هذه الجهود باعتبارها أدوات للنفوذ أو وسائل لعرقلة التنمية لا يخدم مستقبل التعاون الإفريقي، بل يعمق حالة الاستقطاب ويصرف الانتباه عن القضية الأساسية، وهي ضرورة إدارة الموارد المشتركة بروح الشراكة والمسؤولية.

كما أن محاولة تصوير الخلاف حول سد النهضة باعتباره صراعا بين التنمية ورفض التنمية يمثل تبسيطا مضللا للقضية، فمصر لم تطالب يوما بإيقاف التنمية في إثيوبيا، وإنما طالبت باتفاق قانوني ملزم ينظم قواعد الملء والتشغيل بما يحمي مصالح جميع الأطراف، ويقلل المخاطر في فترات الجفاف والجفاف الممتد، وهو مطلب يتفق مع مبادئ القانون الدولي ومع الممارسات المستقرة في إدارة الأحواض المائية المشتركة.

استقرار حوض النيل لن يتحقق عبر الحملات الإعلامية أو تبادل الاتهامات، وإنما عبر بناء الثقة والشفافية والالتزام بالقانون الدولي، لأن النيل ليس ملكا لدولة بعينها، كما أنه ليس أداة للضغط السياسي، بل مورد مشترك يتطلب إدارة جماعية تحقق التنمية للجميع وتحافظ في الوقت نفسه على الأمن المائي لجميع الشعوب.

واليوم، تمتلك مصر رؤية واضحة لتعزيز التعاون الاقتصادي مع دول حوض النيل، تقوم على الاستثمار المشترك، وربط الأسواق، ودعم التجارة البينية، وتبادل الخبرات، وتنفيذ مشروعات تحقق مصالح متبادلة، بعيدا عن منطق الصراع أو الهيمنة.

وإذا كانت إفريقيا تتطلع إلى مستقبل أكثر تكاملا، فإن الخطاب المسؤول يجب أن يكون خطابا يوحد ولا يفرق، ويبني الثقة ولا يهدمها، ويبحث عن المصالح المشتركة بدلا من صناعة الخصومات.

فالتنمية ليست معركة بين دول المنبع ودول المصب، بل مسؤولية مشتركة، وأمن حوض النيل لن يتحقق إلا عندما تدرك جميع الأطراف أن التعاون هو الطريق الوحيد لتحقيق التنمية المستدامة والاستقرار الإقليمي.

  • رامي زهدي .. خبير الشؤون الإفريقية .

طالع أيضا :

السفير دكتور محمد حجازي : زيارة الرئيس السيسي إلى تنزانيا تؤسس لشراكة استراتيجية جديدة وتعزز دور مصر في جهود تنمية أفريقيا وحوض النيل

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى