بين خطاب التعاون وواقع التعنت والخلافات .. إثيوبيا تواصل ترويج الأكاذيب بشأن السد الإثيوبي ومياه النيل والمنفذ البحري

واصلت إثيوبيا الترويج لادعاءاتها بشأن إدارة الموارد الطبيعية المشتركة خاصة المتعلقة بقضية مياه النيل، عبر تصريحات جديدة لوزير الخارجية الإثيوبي جيديون تيموثيوس، الذي قدم خلالها تكرار لمزاعم بلاده بشأن السد الإثيوبي وقضية الوصول إلى منفذ بحري والترويج لهذه القضايا باعتبارهما حقوقاً تنموية مشروعة، في وقت لا تزال فيه هذه الملفات تثير جدلاً واسعاً وتوترات متواصلة مع دول الجوار خاصة في منطقة القرن الأفريقي.
وفي محاولة لتبرير السياسات الإثيوبية التي تواجه انتقادات شديدة داخل وخارج إثيوبيا ، اعتبر الوزير الإثيوبي أن الموارد المشتركة يجب أن تُدار وفق مبادئ العدالة والتعاون والمنفعة المتبادلة، رافضاً ما وصفه بـ”المقاربات التي تصور التنمية على أنها تهديد”. غير أن هذا الطرح يتجاهل الانتقادات المتكررة التي وجهتها مصر والسودان بشأن النهج الأحادي الذي اتبعته أديس أبابا في تنفيذ وتشغيل سد النهضة، بعيداً عن التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم ينظم عملية الملء والتشغيل ويحفظ حقوق جميع الأطراف.
كما سعى الوزير الإثيوبي إلى تقديم سد النهضة باعتباره تجسيداً لحق بلاده في التنمية والاعتماد على الذات، وهي الحجة التي تكررها أديس أبابا منذ سنوات , غير أن جوهر الخلاف لم يكن يوماً حول حق إثيوبيا في التنمية، وإنما حول كيفية إدارة مشروع عابر للحدود يطال مصالح دول المصب ويستدعي التوافق والالتزام بقواعد القانون الدولي الخاصة بالأنهار المشتركة.
وفي ملف آخر لا يقل حساسية، جدد وزير الخارجية الإثيوبي التأكيد على أن مساعي بلاده للحصول على منفذ بحري تستند إلى اعتبارات اقتصادية وتنموية وأمنية طويلة الأمد، واصفاً القضية بأنها ضرورة هيكلية لمستقبل إثيوبيا, لكن هذه التصريحات تأتي في ظل مخاوف إقليمية متزايدة من أن تتحول المطالب الإثيوبية إلى مصدر جديد للتوتر في منطقة القرن الإفريقي، خصوصاً بعد الجدل الذي أثاره الاتفاق الموقع بين إثيوبيا وإقليم أرض الصومال مطلع عام 2024، والذي اعتبرته الحكومة الصومالية انتهاكاً لسيادتها ووحدة أراضيها.
وخلال كلمته في مركز تشاتام هاوس بلندن، شدد تيموثيوس على أن الحوار والمصالح المتبادلة والاستقرار الإقليمي تمثل الأسس التي تستند إليها السياسة الخارجية الإثيوبية. غير أن مراقبين يرون أن الخطاب الدبلوماسي الإثيوبي يواجه اختباراً حقيقياً في ظل استمرار الخلافات مع عدد من دول الجوار حول قضايا المياه والحدود والنفوذ الإقليمي.
كما أكد الوزير الإثيوبي أن الاستقرار في القرن الإفريقي مسؤولية مشتركة، وأن أي دولة لا تستطيع تحقيق السلام بمعزل عن جيرانها، مشيراً إلى انخراط بلاده في ملفات السودان وجنوب السودان والصومال. إلا أن هذا الطرح يثير تساؤلات بشأن مدى اتساق الدور الإقليمي الذي تسعى إثيوبيا إلى إبرازه مع الانتقادات التي تواجهها سياساتها الخارجية من بعض دول المنطقة، خاصة السودان الذي اتهم إثيوبيا التورط في شن هجمات بطائرات مسيرة انتحارية استهدفت مطار الخرطوم الدولي والعديد من البنية التحتية والمدن السودانية , مشيرا إلى انطلاق هذه المسيرات من مطار “بحر دار” الإثيوبي , كما كشف تقرير نشرته وكالة رويترز للأنباء عن وجود معسكرات تدريب لميليشيا الدعم السريع داخل الأراضي الإثيوبية .
رامي زهدي : التصريحات الإثيوبية بشأن نهر النيل وسد النهضة تعكس استمرار النهج السياسي والإعلامي الذي تتبناه أديس أبابا
وفي تعليقة علي استمرار الادعاءات والاكاذيب الإثيوبية , أكد رامي زهدي الخبير في الشؤون الإفريقية أن التصريحات الإثيوبية بشأن نهر النيل وسد النهضة تعكس استمرار النهج السياسي والإعلامي الذي تتبناه أديس أبابا منذ سنوات، والقائم على إعادة صياغة جوهر الخلاف باعتباره صراعا بين “حق إثيوبيا في التنمية” و”رفض الآخرين للتنمية”، بينما الحقيقة أن مصر لم تعترض يوما على حق الشعب الإثيوبي في التنمية أو في توليد الكهرباء، وإنما تمسكت فقط بحقوقها التاريخية والقانونية في مياه النيل، وبضرورة الالتزام بقواعد القانون الدولي المنظم للأنهار الدولية.
وقال زهدي في تصريحات خاصة لـ ” أفرو نيوز 24 ” : ” في حقيقة الامر فإن الحديث عن “إدارة الموارد المشتركة على أساس العدالة والتعاون والمنفعة المتبادلة” هو مبدأ تتفق عليه مصر تماما، لكنه يقتضي في المقابل الالتزام بعدم اتخاذ إجراءات أحادية على نهر دولي عابر للحدود، والامتناع عن فرض أمر واقع يمس مصالح دول المصب، وهو ما نص عليه إعلان المبادئ الموقع في الخرطوم عام 2015، والذي أكد بوضوح أهمية الاتفاق على قواعد الملء والتشغيل قبل تنفيذها بصورة منفردة.
وأضاف ” أما الإشارة إلى “إنهاء الادعاءات الاحتكارية والمتجاوزة للواقع التاريخي”، فهي محاولة لتسويق رواية سياسية لا تستند إلى الأساس القانوني الحاكم للمجاري المائية الدولية، فالقضية ليست احتكارا للمياه، وإنما احترام لمبدأ عدم التسبب في ضرر ذي شأن، وهو أحد المبادئ الراسخة في القانون الدولي، إلى جانب مبدأ الاستخدام المنصف والمعقول، وهما مبدآن متكاملان لا يجوز استخدام أحدهما لإهدار الآخر.
واعتبر الخبير في الشؤون الإفريقية أن تقديم سد النهضة باعتباره رمزا للاعتماد على الذات لا يعفي إثيوبيا من مسؤولياتها القانونية تجاه دولتي المصب، فحقوق التنمية لا تنفصل عن الالتزامات الدولية، وأي مشروع بهذا الحجم يجب أن يكون نموذجا للتعاون الإقليمي لا سببا لتعميق انعدام الثقة وإطالة أمد الخلاف، ومن ثم، فإن مستقبل حوض النيل لن يصنعه الخطاب السياسي أو الحملات الإعلامية، وإنما تصنعه الإرادة الحقيقية للتوصل إلى اتفاق قانوني ملزم يحقق التوازن بين حق إثيوبيا في التنمية وحق مصر والسودان في الأمن المائي، وهو المسار الوحيد الكفيل بتحويل النيل من مصدر للتوتر إلى ركيزة للاستقرار والتنمية المشتركة في القارة الإفريقية.
إقرأ المزيد :
السيسي وترامب يبحثان في دافوس الشراكة الاستراتيجية وقضايا السلام والسودان وأزمة السد الإثيوبي




