عميد دكتور محمد حجاب يكتب : الانتخابات الإثيوبية 2026: بين إعادة إنتاج الهيمنة السياسية واختبار تماسك الدولة الفيدرالية

مثلت الانتخابات التشريعية والإقليمية الإثيوبية التي جرت في الأول من يونيو 2026 محطة سياسية مهمة في مسار التحولات التي تشهدها الدولة الإثيوبية منذ وصول رئيس الوزراء آبي أحمد إلى السلطة عام 2018, فقد جرت الانتخابات في ظل بيئة سياسية وأمنية معقدة اتسمت باستمرار النزاعات المسلحة في عدد من الأقاليم، وتراجع فاعلية المعارضة، وتصاعد الجدل حول مستقبل الفيدرالية الإثيوبية والعلاقة بين المركز والأقاليم.
وتناقش الدراسة السياق السياسي للانتخابات، وتوازنات القوة بين حزب الازدهار والمعارضة، وتأثير الأوضاع الأمنية والاقتصادية على العملية الانتخابية، كما تستشرف انعكاسات النتائج على مستقبل النظام السياسي الإثيوبي والاستقرار الداخلي.
وتخلص الدراسة إلى أن الانتخابات عززت الشرعية المؤسسية للحكومة، لكنها لم تنجح في معالجة الأزمات البنيوية المرتبطة بإدارة التنوع العرقي وتوزيع السلطة داخل الدولة.
مقدمة
شهدت إثيوبيا خلال العقد الأخير تحولات سياسية عميقة أعادت تشكيل طبيعة النظام السياسي وموازين القوة داخل الدولة, فمنذ صعود آبي أحمد إلى السلطة عام 2018، دخلت البلاد مرحلة جديدة اتسمت بمحاولة الانتقال من نموذج الهيمنة الحزبية القائم على الائتلافات العرقية إلى نموذج أكثر مركزية يقوده حزب الازدهار، الذي تأسس عام 2019 خلفاً للجبهة الديمقراطية الثورية للشعوب الإثيوبية (1).
غير أن مشروع إعادة بناء الدولة واجه تحديات كبيرة تمثلت في الحرب الأهلية في إقليم تيجراي، وتصاعد اعمال التمرد المسلحة في اقليمى أمهرة وأوروميا، وتزايد الجدل حول مستقبل النظام الفيدرالي.
وفي هذا السياق، جاءت انتخابات 2026 باعتبارها اختباراً مزدوجاً: فمن ناحية تمثل اختباراً لقدرة الحكومة على تجديد شرعيتها السياسية، ومن ناحية أخرى تعد مؤشراً على قدرة الدولة الإثيوبية على الحفاظ على تماسكها في ظل استمرار التحديات الأمنية والسياسية.
أولاً: الانتخابات في سياق إعادة هندسة النظام السياسي الإثيوبي
لا يمكن فهم انتخابات 2026 بمعزل عن المشروع السياسي الذي يقوده آبي أحمد منذ وصوله إلى السلطة. فقد سعى رئيس الوزراء إلى تجاوز نموذج “الفيدرالية العرقية” الذي حكم إثيوبيا منذ عام 1991 عبر تأسيس حزب الازدهار وتبني خطاب يقوم على الهوية الوطنية الجامعة والتنمية الاقتصادية (2).
ورغم أن هذا المشروع حظي بدعم قطاعات واسعة من النخب المركزية، فإنه أثار مخاوف عدد من القوى الإقليمية التي رأت فيه محاولة لتقليص صلاحيات الأقاليم وإعادة إنتاج المركزية السياسية, وقد انعكس هذا الجدل على العملية الانتخابية التي تحولت إلى ساحة للمنافسة بين رؤيتين للدولة: الأولى تدافع عن تعزيز سلطة المركز، والثانية تتمسك بمكتسبات النظام الفيدرالي القائم على التمثيل العرقي (3).
كما جرت الانتخابات في ظل مشاركة أكثر من خمسين مليون ناخب مسجل، بينما غابت مناطق كاملة عن العملية الانتخابية نتيجة الظروف الأمنية، وعلى رأسها إقليم تيغراي وأجزاء من أمهرة وأوروميا (4).
ثانياً: هيمنة حزب الازدهار وأزمة المعارضة
أظهرت الانتخابات استمرار الهيمنة السياسية لحزب الازدهار الذي دخل المنافسة وهو يسيطر على مؤسسات الدولة ويملك شبكة تنظيمية واسعة داخل مختلف الأقاليم, وتشير معظم التقديرات إلى أن الحزب كان المرشح الأوفر حظاً للاحتفاظ بأغلبيته البرلمانية الكبيرة التي حققها في انتخابات 2021 (5).
في المقابل، بدت المعارضة الإثيوبية أكثر ضعفاً وتشرذماً من أي وقت مضى, فالأحزاب المعارضة تعاني من انقسامات تنظيمية وأيديولوجية، كما أن عدداً من قياداتها يواجه قيوداً قانونية وأمنية حدت من قدرتها على خوض منافسة متكافئة مع الحزب الحاكم (6).
وقد أدى هذا الواقع إلى تراجع مستوى التنافسية الانتخابية، الأمر الذي دفع بعض المراقبين إلى وصف الانتخابات بأنها عملية لتجديد شرعية السلطة القائمة أكثر من كونها فرصة حقيقية لتداول السلطة (7).
ثالثاً: المعضلة الأمنية وتأثيرها على شرعية العملية الانتخابية
مثلت التحديات الأمنية أحد أبرز العوامل المؤثرة في انتخابات 2026, فعلى الرغم من توقيع اتفاق بريتوريا عام 2022 الذي أنهى الحرب في اقليم تيجراي، فإن الإقليم ظل خارج العملية الانتخابية بسبب استمرار الخلافات السياسية والأمنية بين الحكومة الفيدرالية وجبهة تحرير شعب تيغراي (8).
وفي الوقت نفسه، استمرت المواجهات المسلحة في إقليم أمهرة بين القوات الحكومية ومليشيات فانو، كما واصل جيش تحرير أورومو نشاطه المسلح في أجزاء من إقليم أوروميا، الأمر الذي أدى إلى إغلاق عدد من مراكز الاقتراع وتعطيل التصويت في بعض المناطق (9).
وقد أثارت هذه التطورات تساؤلات بشأن شمولية العملية الانتخابية ومدى قدرتها على تمثيل جميع مكونات المجتمع الإثيوبي، خاصة أن ملايين المواطنين في المناطق المتأثرة بالنزاعات لم يتمكنوا من المشاركة بصورة كاملة في الاقتراع (10).
رابعاً: الاقتصاد كعامل حاسم في الحسابات السياسية
إلى جانب التحديات الأمنية، لعبت الاعتبارات الاقتصادية دوراً مهماً في الخطاب الانتخابي للحكومة, فقد ركز حزب الازدهار على إبراز نتائج الإصلاحات الاقتصادية التي تنفذها الحكومة بالتعاون مع المؤسسات المالية الدولية، مشيراً إلى توقعات بتحقيق نمو اقتصادي يتجاوز 10% خلال العام المالي 2025-2026 (11).
إلا أن هذه المؤشرات الإيجابية لا تعكس بصورة كاملة الواقع المعيشي للمواطنين، حيث ما تزال البلاد تواجه معدلات مرتفعة من التضخم والبطالة، فضلاً عن الضغوط الناتجة عن الديون الخارجية وتكاليف إعادة الإعمار في المناطق المتضررة من النزاعات (12).
ومن ثم، فإن قدرة الحكومة على ترجمة النمو الاقتصادي إلى تحسن ملموس في مستوى المعيشة ستظل عاملاً رئيسياً في تحديد مستوى الشرعية السياسية خلال السنوات المقبلة.
خامساً: انعكاسات النتائج على المسار السياسي
من المرجح أن تؤدي نتائج الانتخابات إلى تعزيز الموقع السياسي لآبي أحمد وحزب الازدهار داخل مؤسسات الدولة، وهو ما يمنحه تفويضاً جديداً للاستمرار في مشروع إعادة بناء الدولة وتعزيز سلطة الحكومة المركزية (13).
غير أن هذا التفويض لا يعني بالضرورة انتهاء التحديات الداخلية, فالقضايا المتعلقة بمستقبل الفيدرالية والعلاقة بين المركز والأقاليم لا تزال قائمة، كما أن استمرار النزاعات المسلحة يحد من قدرة الحكومة على فرض الاستقرار الكامل في جميع أنحاء البلاد.
وعليه، فإن الانتخابات قد تسهم في تعزيز الاستقرار المؤسسي، لكنها لا تبدو قادرة بمفردها على إنهاء جذور الأزمة السياسية التي تواجهها الدولة الإثيوبية.
سادساً: السيناريوهات المستقبلية
-
السيناريو الأول: الاستمرارية وتعزيز المركزية
يقوم هذا السيناريو على نجاح الحكومة في استثمار نتائج الانتخابات لتعزيز سلطة المركز وتوسيع نفوذ حزب الازدهار داخل الأقاليم, ويعد هذا السيناريو الأكثر ترجيحاً في المدى القريب، لكنه قد يؤدي إلى تصاعد المخاوف لدى بعض القوى الإقليمية.
-
السيناريو الثاني: استمرار عدم الاستقرار
يفترض هذا السيناريو بقاء النزاعات المسلحة في أمهرة وأوروميا، واستمرار التوتر مع تيجراي، بما يؤدي إلى تآكل المكاسب السياسية التي حققتها الحكومة من الانتخابات.
-
السيناريو الثالث: التسوية السياسية الشاملة
يقوم هذا السيناريو على إطلاق حوار وطني واسع يشمل القوى السياسية والإقليمية المختلفة، ويهدف إلى معالجة الخلافات المرتبطة بالفيدرالية وتقاسم السلطة وإعادة بناء الثقة بين المركز والأقاليم.
-
السيناريو الرابع: إعادة تشكيل المشهد السياسي بفعل الضغوط الاقتصادية
يفترض هذا السيناريو أن تؤدي التحديات الاقتصادية والاجتماعية إلى ظهور قوى سياسية جديدة أو إعادة تموضع المعارضة، بما يخلق ديناميكيات سياسية مختلفة خلال الدورة الانتخابية المقبلة.
الخاتمة
تكشف انتخابات إثيوبيا 2026 عن مفارقة أساسية في المشهد السياسي الإثيوبي؛ فبينما نجحت الحكومة في تنظيم استحقاق انتخابي عزز من شرعيتها المؤسسية ومنح حزب الازدهار فرصة كبيرة للاحتفاظ بالسلطة، فإن الانتخابات لم تعالج التحديات البنيوية التي تواجه الدولة الإثيوبية.
فما تزال إثيوبيا تواجه معضلة مزدوجة تتمثل في كيفية تحقيق التوازن بين متطلبات بناء دولة مركزية قوية وبين الحفاظ على خصوصية النظام الفيدرالي القائم على التنوع العرقي, كما أن استمرار التحديات الأمنية والاقتصادية يجعل من الاستقرار السياسي هدفاً مرتبطاً بقدرة الحكومة على تبني مقاربة أكثر شمولاً لإدارة الخلافات الداخلية.
ومن ثم، فإن مستقبل الدولة الإثيوبية خلال السنوات المقبلة لن يتحدد فقط بنتائج الانتخابات، بل بمدى نجاح النخبة الحاكمة في تحويل الشرعية الانتخابية إلى شرعية توافقية قادرة على احتواء الانقسامات السياسية والعرقية التي ما تزال تشكل التحدي الأكبر أمام استقرار البلاد.
المراجع
(1) Lovise Aalen, *The Politics of Ethnicity in Ethiopia*, Brill, Leiden, 2011, p.112.
(2) Sarah Vaughan, *Ethnicity and Power in Ethiopia*, Edinburgh University Press, Edinburgh, 2003, p.67.
(3) Rashid Abdi, *Ethiopia’s Political Transition and Federalism Crisis*, African Center Report, Nairobi, 2023, p.21.
(4) National Election Board of Ethiopia (NEBE), *7th General Election Updates*, 2026.
(5) Reuters, “Ethiopian election expected to give leader Abiy’s party a landslide win”, 1 June 2026.
(6) Bertelsmann Stiftung, *BTI 2026 Country Report: Ethiopia*, 2026, p.18.
(7) Robert Lansing Institute, *Ethiopia’s June 2026 Elections: Controlled Continuity Amid War, Fragmentation, and Regional Risk*, 2026.
(8) Reuters, “Tigray party restores pre-war government in threat to northern Ethiopia peace”, 5 May 2026.
(9) Associated Press, “Insecurity disrupts some voting in Ethiopia as ruling party seeks majority”, 1 June 2026.
(10) Associated Press, “Ethiopia heads to the polls”, 31 May 2026.
(11) Reuters, “Ethiopia economy to expand 10.2% in 2025-26”, 3 February 2026.
(12) World Bank, *Ethiopia Economic Update*, Washington D.C., latest edition.
(13) Reuters, “Abiy’s party set to dominate elections despite insecurity”, 28 May 2026.
- إعداد العميد الدكتور محمد حجاب .. الخبير السياسي والعسكري والمتخصص في الشأن الأفريقي .
إقرأ المزيد :




