” غزة ” سيدة المشهد في بينالي البندقية .. لا كلمات شاهدوا المعرض

البندقية اسيا العتروس
تحت شعار ” غزة بلا كلمات شاهدوا المعرض” Gaza no words see the exhibition.. تحتضن مدينة البندقية الايطالية أو المدينة العائمة متحف غزة الذي يستمر الى غاية شهر نوفمبر القادم حيث يقدم مائة لوحة تختزل مسلسل الإبادة المستمر في غزة ..ما يجعل المتحف حدثا فريدا من نوعه تتجه له أفواج السياح المتوافدين على المدينة أنه يقدم مائة لوحة مطرزة من صنع وابتكار فلسطنيات في مخيمات غزة ولبنان والاردن وهي محاولة لتوثيق جرائم الكيان عبرالفن والابتكار كسلاح للمقاومة الشعبية .
حدث ثقافي وإنساني غير مسبوق
و أنت تتجول بين شوارع و جسور البندقية المدينة العائمة و تشق طريقك بين آلاف الزوار تحت الشمس القائضة لا تغفل على زيارة معرض غزة ضمن فعاليات بينالي البندقية فينيسيا 2026 , البداية من العنوان حيث يرفع المعرض شعار “غزة بلا كلمات شاهدوا المعرض” Gaza no words see the exhibition في حدث ثقافي سياسي و انساني غير مسبوق في إطار فعاليات الدورة الـ 61 لبينالي البندقية الدولي للفنون ويستحضر ما حدث من جرائم الابادة في غزة موثقة في لوحات مطرزة أبدعت اخراجها أنامل نساء فلسطينيات خبرن مأساة غزة ومعاناتها مع جيش الاحتلال , فيتحول التطريز إلى لغة للمقاومة والصمود على محرقة العصر تنفيذا لوصية الشاعرالشهيد رفعت العرعير عندما كتب قبل استشهاده “اذا كان لا بد أن أموت فلا بد أن تعيش أنت لتروي الحكاية “,قد دونت الوصية في لوحة مطرزة تتصدر معرض البندقية وتشهد على أن الذاكرة الفلسطينية حية لا تمت .
يضم المعرض مائة لوحة مطرزة تجسد كل واحدة جريمة معلومة لدى الرأي العام الدولي وتنقل بحرفية فائقة لحظات الوجع الذي تعجز كل الكلمات في وصفه ..المعرض هو امتداد لمتحف فلسطين بالولايات المتحدة ومؤسسه رجل الأعمال الفلسطيني الامريكي فيصل أحمد ابن مدينة البيرة في رام الله لبحث وحفظ التراث الفلسطيني وتقديمه للجمهور الأمريكي ولكل العالم و يستمر العرض من التاسع من مايو إلى 22 نوفمبر القادم وهو محطة مهمة لاعتماد سلاح الثقافة لخرق كل الحواجز و القفز على الأسلاك لشائكة و جعل غزة المدمرة وجها لوجه مع الرأي العام الدولي .
اللوحات أنجزتها نساء فلسطينيات في مخيمات غزة و الضفة ولبنان و يحتوي كل عمل على نحو 55 ألف غرزة تروي ما عاشت علي غزة طوال سنتين و نصف من الابادة من وجع و ألم في ظل صمت دولي رهيب و المعرض رسالة ثقافية وانسانية مزدوجة عابرة للحدود فهي تعكس مهارة و حرفية و اتقان الأنامل الفلسطينية فن التطريز الفلسطيني و خصوصياته و أسراره في حفظ ونقل التراث الفلسطيني و لكن أيضا في جمع وحفظ و توثيق جرائم الابادة في غزة بطريقة فنية رائعة اعتمدتها نساء فلسطينيات لتوثيق اللحظة و كتابة فصل من فصول تاريخ القضية الفلسطينية عبرالتطريزفتترسخ الصورة و تنطق اللوحات المطرزة بما خفي .
الخيط بديلا للحبر والصورة الهاتفية فتغرق الأنظار في قراءة المشهد فيما تتدافع الاسئلة كيف و لماذا تتعرض غزة لما تتعرض له و كيف أمكن انجاز هذا العمل ومن أين استمدت هذه صاحبات هذه اللوحات كل هذه الطاقة الابداعية لجعلها تصرخ غاضبة في صمتها ضد كل جرائم التنكيل و الابادة في غزة .
هذه مقدمة عن جدارية غزة في قلب مدينة البندقية التي تستقبل سنويا نحو عشرين مليون سائح أجنبي وقناعتنا أن الكثيرين سيبحثون عن المعرض وسيتجهون إلى قصر بالازو مورا palazo mora الذي يعود تشييده للقرن الخامس عشر وهو مقر المركز الثقافي الأوروبي حاليا ويستخدم كفضاء للعروض الفنية وهذا ما وقفنا عليه خلال زيارتنا للمعرض الذي بدا واضحا أن زواره لا ينقطعون وأن لديهم رغبة في فهم ومعرفة جذورالرواية الفلسطينية .
و المعرض أكبر تظاهرة فنية للتطريز الفلسطيني كتقنية للتوثيق وحفظ الذاكرة تعترف بها منظمة اليونسكو..بعد النكبة تحول التطريز لصون و حماية الذاكرة و بعد الابادة أصبح شهادة لتوثيق جرائم الاحتلال و محاسبته ..
الخيط والإبرة وسيلة للتعبير
نعم قد تعجز الكلمات أحيانا عن سرد لحقائق فيكون للخيط و الابرة وسيلة للتعبير عن حجم الالم الكامن في النفوس..بين صورة الجد المكلوم خالد نبهان صاحب الكلمة الشهيرة ” روح الروح ” و هو يحمل جثة حفيدته المشوهة و صور النازحين التائهين على الطرقات و كأنه يوم الحشر و صور القصف الإسرائيلي العشوائي على المستشفيات وصور الأطفال الجائعين و صور حرقة الأمهات على أطفالهن و صور هند رجب التي قتل الاحتلال عائلتها و التي ظلت تنتظر وصول الاسعاف سبع ساعات قبل أن يتم تصفيتها مع المسعفين , و بين صور صحفي يبكي طفله يستحضر المعرض بدقة لا متناهية ما حدث و يحدث لغزة.
و بين كل ذلك أيضا تتصدر مدخل المعرض صورة عملاقة لمفتاح البيت في اشارة لحق العودة للفلسطينيين و صورة زفاف جماعي في غزة في رسالة أن غزة ترفض الموت و تقبل على الحياة و تتمسك بحقها في الوجود رغم الظلم و العدوان ,و العمل أيضا عنوان للم الشمل فنيا كرفض للتهجير و التقسيم الجغرافي بين لنساء المهجرات و الاجئات بسبب القصف , و بذلك تحول التطريز من حرفة الى ويلة للتعبير لنقل تجربة انسانية نضالية مستمرة .
كما تستعد مدينة البندقية الإيطالية لاستضافة عمل فني فلسطيني استثنائي يحمل عنوان ‘جدارية حرب الإبادة في غزة’، وذلك ضمن فعاليات البينالي العالمي لهذا العام. يهدف المشروع إلى كسر حاجز الصمت والعجز اللغوي أمام هول الدمار، محولاً المأساة إلى لغة بصرية تنسجها خيوط التطريز الفلسطيني العريق. وتأتي هذه المشاركة لتضع العالم أمام مسؤولياته الأخلاقية من خلال الفن الذي يوثق ما تعجز الكلمات عن وصفه.
تتألف الجدارية من مئة لوحة مطرزة بدقة متناهية، حيث استهلكت كل لوحة ما يقارب 55 ألف غرزة يدوية، نفذتها نساء فلسطينيات من مختلف أماكن التواجد الفلسطيني. يجمع هذا الجهد الجماعي بين مطرزات في الضفة الغربية المحتلة ومخيمات اللاجئين في لبنان والأردن، ليرسمن معاً خارطة للألم والصمود. ويعد هذا العمل بمثابة شهادة حية تأبى النسيان، وتوثق تدمير غزة في لحظة حدوثه عبر وسيلة الإبرة والخيط.
تجسد اللوحات مشاهد قاسية حُفرت في الذاكرة الجمعية، من بينها صورة الصحفي الذي يبكي طفله المسجى، وفتيات صغيرات ينتظرن في طوابير الطعام قبل أن يباغتهن القصف. كما تخلد الجدارية قصصاً بعينها، مثل قصة خالد نبهان وهو يحتضن حفيدته ‘روح الروح’، والدكتور حسام أبو صفية في مواجهته للدبابات. هذه الصور التي قد تمر سريعاً في شريط الأخبار، تجد في التطريز مستقراً يمنحها الخلود والسياق الإنساني.
يعتبر هذا المشروع فصلاً جديداً ومتطوراً من ‘مشروع جدارية تاريخ فلسطين’ الذي انطلق في عام 2011 بمدينة أوكسفورد البريطانية. وقد أسست هذا الجهد ‘جان تشالمرز’، وهي ممرضة بريطانية عملت في غزة سابقاً، وآمنت بأن التطريز الفلاحي الفلسطيني يستحق أن يكون وعاءً لتاريخ الشعب. اليوم، يشرف على هذا العمل الصحفية جيهان الفرا والمصمم إبراهيم مهتدي، ليكون أكبر عمل تطريز يروي حكاية الأرض والإنسان.
لقد اكتسب التطريز الفلسطيني، المعترف به من قبل اليونسكو منذ عام 2021، أبعاداً جديدة تتجاوز الهوية والانتماء لتصل إلى مرحلة ‘الشهادة’. فبعد نكبة عام 1948، كان التطريز وسيلة للحفاظ على الثقافة من المحو، أما اليوم فهو أداة لتوثيق الإبادة الجماعية. ومن خلال التعاون مع ‘متحف فلسطين بالولايات المتحدة’، تحول المشروع إلى قوة توثيقية هائلة تسابق الزمن لرصد الجرائم المستمرة.
واجه القائمون على المشروع تحديات لوجستية وأخلاقية كبيرة، خاصة مع انقطاع الاتصال بالنساء داخل قطاع غزة بسبب اشتداد القصف العنيف. تحولت العديد من المشاركات من ‘راويات’ للقصة إلى ‘موضوعات’ لها بعد استشهادهن أو نزوحهن، مما أضفى صبغة مأساوية على العمل. ومع ذلك، استمرت النساء في مخيمات الشتات، مثل مخيم ‘عين الحلوة’ في لبنان، في إكمال المهمة بروح من التحدي والإصرار.
بالنسبة للاجئات في لبنان، لم يكن التطريز مجرد مصدر للرزق، بل كان مساحة لاستعادة الكرامة المهدورة والتعبير عن وحدة المصير مع أهل غزة. وقد عبرت المشاركات عن أن كل غرزة كانت تمثل نبضاً للتراث ودمجاً لآلامهن وآمالهن في نسيج واحد. هذا التلاحم الفني يعكس وحدة التجربة الفلسطينية رغم الحواجز الجغرافية والحدود المصطنعة التي تفرضها سلطات الاحتلال.
إذا كان لا بد أن أموت.. فعليك أن تعيش لتروي حكايتي
لم يقتصر الإسهام في الجدارية على المطرزات فقط، بل امتد ليشمل فنانين وحقوقيين ساهموا في رسم المخططات الأولية للوحات, فإحدى اللوحات استندت إلى رسم للشهيدة الطفلة هند رجب، بينما وثقت لوحة أخرى معاناة المعتقلين معصوبي الأعين في مراكز الاحتجاز, هذه التقاطعات بين الفن والقانون والإعلام جعلت من الجدارية أرشيفاً وطنياً شاملاً يتجاوز كونه مجرد عمل فني جمالي.
ابتداءً من التاسع من مايو، ستُعرض الجدارية في ‘قصر مورا’ التاريخي بالبندقية، تحت عنوان رمزي يشير إلى غياب الكلمات أمام هول المشهد. ويستمر المعرض حتى شهر نوفمبر، فاتحاً نافذة لجمهور الفن العالمي للاطلاع على الرواية الفلسطينية بلسان أصحابها. إن اختيار هذا المنبر الثقافي الرفيع يعكس رغبة في إيصال صوت الضحايا إلى مراكز التأثير العالمي.
تعبر جيهان الفرا، المشاركة في تنسيق المشروع، عن مشاعر مختلطة تجاه هذا العرض؛ فهو شرف مهني ومفارقة إنسانية في آن واحد. فبينما يزداد العالم استعداداً لتسمية ما يحدث في غزة بـ ‘الإبادة الجماعية’، يظل عاجزاً عن إيقاف آلة القتل. ويطرح المعرض سؤالاً جوهرياً حول دور الفن عندما تفشل الأنظمة السياسية في حماية البشرية من الفناء.
إن عملية تحويل المعاناة الإنسانية إلى أنماط من الغرز كانت عملية مضنية تطلبت اجتماعات أسبوعية وبحثاً دقيقاً في الصور والمواقف. كان على المصمم إبراهيم مهتدي تحويل الصور الفوتوغرافية والرسومات إلى قوالب تقنية قابلة للتطريز اليدوي. هذا الجهد التقني والفني يضمن دقة التوثيق ويحافظ على قدسية اللحظة التي يتم تخليدها في كل لوحة من لوحات الجدارية.
تأتي هذه الجدارية كاستجابة جماعية لوصية الأكاديمي الراحل رفعت العرعير، الذي دعا إلى الاستمرار في رواية الحكاية كفعل من أفعال البقاء. فالفلسطينيون اليوم يستخدمون كل ما يملكون من أدوات، بما في ذلك الإبرة والخيط، لضمان عدم ضياع الحقيقة في ركام النسيان الدولي. إنها رسالة من غزة إلى العالم، مفادها أن الضحايا ليسوا مجرد أرقام، بل هم أصحاب أحلام وقصص تستحق أن تُروى.
من المتوقع أن يحظى المعرض باهتمام واسع من النقاد والزوار، نظراً لفرادة الأسلوب وجسامة الموضوع المطروح في قلب أوروبا. فالجدارية لا تقدم فناً للمتعة البصرية فحسب، بل تقدم ‘وثيقة إدانة’ مطرزة بالصبر والألم. وهي دعوة لكل من يزور البندقية لينظر خلف الغرز، ويرى الوجوه والأسماء التي حاول الاحتلال طمسها وتغييبها عن الوعي العالمي.
في نهاية المطاف، تظل جدارية ‘حرب الإبادة في غزة’ رمزاً للمقاومة الثقافية التي لا تنكسر أمام آلات الحرب والدمار. إنها تأكيد على أن الذاكرة الفلسطينية حية ومتجددة، وأن الفن قادر على اختراق الحصون الدبلوماسية والسياسية ليصل إلى قلب الضمير الإنساني. ومع كل غرزة تضاف، يترسخ حق الفلسطيني في رواية قصته والمطالبة بالعدالة والمساءلة الدولية.


إقرأ المزيد :




