أخبار عاجلةالرأي

السفير دكتور محمد حجازي يكتب : هل تنجح مباحثات كوشنر في كسر الجمود حول خطة غزة للسلام

جاءت مباحثات جاريد كوشنر في العلمين ولقاءاته الهامة في لحظة شديدة الحساسية من مسار المفاوضات حول تطبيق خطة الطريق المقترحة لتنفيذ اتفاق غزة، لتؤشر الي أن الجهود الدبلوماسية انتقلت من مرحلة التفاوض على المبادئ العامة إلى مرحلة أكثر تعقيداً تتمثل في اختبار مدى قابلية الاتفاق للتنفيذ على الأرض، وقد اكتسبت زيارة كوشنر إلى مصر أهمية خاصة في ضوء لقاءاته مع القيادة المصرية وقيادات حركة حماس والوسطاء ، ثم توجهه إلى إسرائيل للقاء رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، بما يعكس محاولة أميركية واضحة لتضييق المسافات بين مواقف الأطراف ونقل التفاهمات من غرفة المفاوضات إلى دائرة القرارات السياسية.

ولا شك أن القاهرة نجحت إلى حد ما في تضييق فجوات الخلاف، لكنها لم تتمكن بعد من إغلاقها بصورة نهائية، فالمسألة لم تعد تدور فقط حول قبول الخطة أو رفضها، وإنما أصبحت مرتبطة بتفاصيل الترتيبات التنفيذية وتسلسل الخطوات والضمانات التي ينبغي أن يحصل عليها كل طرف قبل الانتقال إلى المرحلة التالية، وهذا تطور مهم في حد ذاته، لأنه يعني أن المفاوضات أصبحت أكثر تركيزاً على كيفية تنفيذ الاتفاق وليس فقط على مبدأ الاتفاق.

ويبدو أن الاتصال الأميركي المباشر بحماس يمثل أحد عناصر التحرك الجديد، خصوصاً أن واشنطن تسعى إلى اختبار الموقف الحقيقي للحركة من القضايا الأكثر حساسية، وفي مقدمتها مستقبل السلاح، وترتيبات إدارة قطاع غزة، وطبيعة المرحلة الانتقالية، وفي المقابل، فإن حماس تسعى إلى الحصول على ضمانات بأن أي خطوات تتخذها في اتجاه نزع السلاح أو إعادة ترتيب وجودها في القطاع لن تتحول إلى غطاء لاستمرار العمليات العسكرية أو الاحتلال، وأن الانسحاب الإسرائيلي ووقف إطلاق النار سيكونان جزءاً من عملية متزامنة وليسا مجرد وعود مؤجلة.

ومن هنا تبدو زيارة كوشنر إلى إسرائيل الإثنين بعد مباحثاته في مصر ذات دلالة خاصة، فهي ليست مجرد زيارة للاستماع إلى الموقف الإسرائيلي، وإنما تبدو أقرب إلى محاولة لنقل ما تم التوصل إليه في القاهرة واختبار مدى استعداد الحكومة الإسرائيلية للانتقال إلى المرحلة التنفيذية، كما أن توقيت الزيارة بعد الاتصالات في القاهرة يوحي بأن كوشنر يحمل معه مجموعة من الأفكار والمقترحات التي تحتاج إلى إجابات إسرائيلية واضحة، خصوصاً في ما يتعلق بالانسحاب من مناطق في قطاع غزة، والجدول الزمني للخطوات الأمنية، وآلية التعامل مع سلاح حماس

وتقديري انة لا ينبغي النظر إلى كوشنر في هذة المرحلة باعتباره وسيطاً محايداً بالمعنى التقليدي، فهو يتحرك باعتباره شخصية قريبة من الرئيس الأميركي دونالد ترامب ويتمتع بعلاقة مباشرة مع دوائر صنع القرار في واشنطن، ولذلك فإن مهمته تتجاوز نقل الرسائل بين الأطراف إلى محاولة استخدام النفوذ الأميركي لدفعها نحو تسوية عملية، ومن ثم فإن نجاح زيارته إلى إسرائيل لن يقاس فقط بما سيصدر عنها من تصريحات، وإنما بمدى قدرته على انتزاع التزامات إسرائيلية يمكن أن تقابلها التزامات فلسطينية واضحة من حركة حماس.

وتظل قضية نزع سلاح حماس هي العقدة المركزية في المفاوضات، إذ تعتبرها إسرائيل شرطاً أساسياً للانتقال إلى أي ترتيبات سياسية أو أمنية جديدة، بينما ترى حماس أن التخلي عن سلاحها لا يمكن أن يكون خطوة منفردة أو مجانية، بل يجب أن يأتي في إطار صفقة متكاملة تضمن وقف الحرب، والانسحاب الإسرائيلي، وإعادة إعمار غزة، وترتيبات سياسية وأمنية جديدة للقطاع، ولذلك فإن الخلاف الحقيقي لا يتعلق فقط بمبدأ نزع السلاح، وإنما بتوقيته وتسلسله والضمانات التي تحيط به.

وتأتي قضية الانسحاب الإسرائيلي في نفس المرتبة من حيث الأهمية، إذ لا يكفي أن يكون هناك اتفاق سياسي على الانسحاب، وإنما ينبغي تحديد المناطق التي ستنسحب منها القوات الإسرائيلية، والجدول الزمني للانسحاب، والجهة التي ستتولى مسؤولية الأمن في المناطق التي يتم إخلاؤها، وكيفية منع حدوث فراغ أمني يمكن أن يؤدي إلى تجدد القتال، وهنا تبرز الحاجة إلى آلية رقابة وضمان دولية أو إقليمية تستطيع التحقق من التزام جميع الأطراف بما يتم الاتفاق عليه

أما القضية الثالثة فتتعلق بمستقبل إدارة قطاع غزة، وهي مسألة لا تقل أهمية عن وقف إطلاق النار نفسه، لأن أي اتفاق لن يكون قابلاً للاستمرار إذا لم يترافق مع تصور واضح لإدارة القطاع وتقديم الخدمات وإعادة الإعمار وضمان الأمن، ويحتاج ذلك إلى ترتيبات فلسطينية تحظى بالقبول، وإلى دعم عربي ودولي، مع تجنب إعادة إنتاج حالة الانقسام التي كانت أحد أسباب تعقيد المشهد الفلسطيني خلال السنوات الماضية وهنا يبرز دور القاهرة كاساس ضامن ويتبعة دور باقي الوسطاء.

أما العقدة الرابعة والأكثر حساسية فهي مسألة الضمانات وآلية التنفيذ، إذ أثبتت التجارب السابقة أن الاتفاقات السياسية يمكن أن تنهار عندما لا توجد آلية واضحة للتحقق من الالتزامات ومعالجة الخروقات، ولذلك فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى ما يمكن تسميته هندسة التنفيذ، أي تحويل المبادئ السياسية إلى جدول زمني محدد، وخطوات متبادلة، وآليات تحقق، وضمانات واضحة، بحيث لا يكون المطلوب من طرف أن يقدم تنازلاته بالكامل قبل أن يحصل على المقابل من الطرف الآخر، والاهم وجود الية رقابة وتحقق جاري الاتفاق علي آلياتها والجهات التي ستكونها وتديرها،

وهنا تحديداً يمكن لمصر والوسطاء أن يلعبوا دوراً محورياً، فالقاهرة تتمتع بميزة لا تتوافر بسهولة لأي طرف آخر، إذ تستطيع التعامل في الوقت نفسه مع البعد الفلسطيني والأمني والإنساني والحدودي، كما تمتلك قنوات اتصال مع مختلف الأطراف، ومن ثم فإن الدور المصري لا ينبغي أن يقتصر على استضافة المفاوضات، وإنما يمكن أن يتطور إلى المشاركة في صياغة آلية التنفيذ وضمان استمرار الاتصال بين الأطراف في اللحظات التي يمكن أن تؤدي فيها أي خطوة غير محسوبة إلى انهيار الاتفاق

والصيغة الأكثر واقعية في المرحلة المقبلة هي صيغة الخطوات المتزامنة، بحيث يرتبط كل التزام فلسطيني بالتزام إسرائيلي مقابل، ويكون وقف إطلاق النار والانسحاب التدريجي وإدخال المساعدات وبدء ترتيبات الإدارة الانتقالية ونزع السلاح التدريجي جزءاً من مسار واحد، وليس سلسلة من المطالب التي يتعين على طرف تنفيذها أولاً ثم انتظار الطرف الآخر

وقد يكون من المفيد في هذا السياق التفكير في دور أكثر تنظيماً للوسطاء، بحيث تتولى مصر وقطر وتركيا والولايات المتحدة، بالتنسيق مع الأطراف العربية والدولية المعنية، مهمة توفير ضمانات سياسية وأمنية للاتفاق، إلى جانب آلية مراقبة واضحة للتحقق من تنفيذ الالتزامات، فالهدف ليس فقط الوصول إلى اتفاق، وإنما حماية الاتفاق من الانهيار عند أول اختبار

ومن هنا يمكن القول إن التحركات الدبلوماسية الأخيرة تمثل فرصة حقيقية، لكنها لا ترقى بعد إلى مستوى الاختراق النهائي، فلقاء كوشنر مع القيادة المصرية وقيادات حماس، ثم انتقاله إلى إسرائيل للقاء نتنياهو، يعكس محاولة أميركية لاختبار المعادلة بكاملها، أي معرفة ما الذي تستطيع حماس أن تقدمه، وما الذي تستطيع إسرائيل أن تقدمه في المقابل

والسؤال الحاسم لم يعد، في تقديري، هل يوجد اتفاق من حيث المبدأ، وإنما هل يمكن بناء تسلسل تنفيذي يجعل التزامات حماس وإسرائيل متبادلة ومتزامنة وقابلة للتحقق، فإذا نجحت القاهرة والوسطاء في الوصول إلى هذه الصيغة، فقد تتحول التحركات الحالية من مجرد إدارة للأزمة إلى اختراق فعلي يمهد لإنهاء الحرب وبدء مرحلة جديدة في غزة

أما إذا بقيت المفاوضات أسيرة لمنطق من يبدأ أولاً، بحيث تطالب إسرائيل بنزع سلاح حماس قبل تقديم ضمانات الانسحاب، وتطالب حماس بضمانات الانسحاب قبل اتخاذ خطوات جوهرية بشأن السلاح، فإن الاتفاق سيظل يدور في الحلقة ذاتها، محكوماً بغياب الثقة والحسابات السياسية الداخلية الإسرائيلية ومخاوف حماس من فقدان أوراق القوة وغياب آلية تنفيذ ملزمة

وفي هذا السياق، فإن أهمية التحرك المصري الحالي تتجاوز مجرد استضافة جولة جديدة من المفاوضات، فالقاهرة تمتلك فرصة لتحويل موقعها من ساحة للتفاوض إلى مركز لصياغة آلية التنفيذ نفسها، بما يجمع بين وقف إطلاق النار، والانسحاب، والترتيبات الأمنية، وإدارة القطاع، وإعادة الإعمار، والضمانات الدولية والإقليمية، وإذا أمكن بناء هذه المعادلة، فإن مباحثات كوشنر في القاهرة قد تمثل بالفعل بداية انتقال اتفاق غزة من مرحلة التفاوض السياسي إلى مرحلة التنفيذ العملي، أما إذا تعذر ذلك، فسوف تظل الأزمة رهينة التوازنات العسكرية والسياسية، وسيبقى الاتفاق معلقاً بين إرادة الوسطاء وحسابات الأطراف المتصارعة.

 

طالع ايضا :

السفير دكتور محمد حجازي يكتب : يوسف السباعي… الأديب الذي جعل الثقافة المصرية جسرًا للتحرر الإفريقي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى