أخبار عاجلةالرأي

رامي زهدي يكتب : ممر برنيس ـ إنجامينا .. طريق إلي المستقبل الإفريقي

هناك مشروعات تبدأ من الطريق وتنتهي عند الاقتصاد، وهناك مشروعات تبدأ من الاقتصاد ثم تعيد تشكيل الطريق والجغرافيا وحركة المصالح، والممر اللوجستي الذي يجري العمل على تطويره لربط ميناء برنيس على ساحل البحر الأحمر بالعاصمة التشادية إنجامينا ، وامتداده نحو  ميناء دوالا في الكاميرون علي المحيط الأطلنطي، ينتمي بوضوح إلى النوع الثاني؛ في رأي هو ليس مجرد طريق جديد لنقل البضائع، ولا مجرد اختصار لمسافة بين نقطتين على خريطة القارة، وإنما محاولة لإعادة تعريف موقع مصر في شبكة التجارة الإفريقية، وتحويل الجغرافيا المصرية من ميزة طبيعية إلى قيمة اقتصادية قابلة للتشغيل والاستثمار والتوسع.

وفقا لما أعلنته وزارة النقل المصرية، يأتي ممر برنيس/أسوان/شرق العوينات/الكفرة/إنجامينا ضمن منظومة الممرات اللوجستية المتكاملة التي تعمل مصر على تطويرها، بهدف الربط بين الموانئ وشبكات الطرق والسكك الحديدية والمناطق الصناعية والزراعية ومراكز الإنتاج والاستهلاك، فيما يمتد التصور المعلن للممر حتى دوالا بالكاميرون بإجمالي طول يصل إلى نحو 4300 كيلومتر.

والأهمية الحقيقية هنا لا تكمن في رقم 4300 كيلومتر وحده، مهما بدا ضخما، وإنما في نوع الجغرافيا التي يخترقها الممر، ونوعية الاقتصادات التي يمكن أن يخدمها، وموقعه في شبكة أوسع من الممرات الإفريقية والدولية، فالمشروع ينقل النقاش من فكرة “طريق يربط بين مصر وتشاد” إلى فكرة أكثر اتساعا: وهو هل تستطيع مصر أن تصبح بوابة بحرية ولوجستية لجزء من دول وسط إفريقيا غير الساحلية، وأن تقدم لها منفذا أكثر تنوعا إلى البحر الأحمر والأسواق الآسيوية والخليجية، بالتوازي مع منافذها الحالية على الأطلسي؟.

هذا هو السؤال الاستراتيجي الذي يجب أن يقرأ من خلاله المشروع، فتشاد ليست مجرد دولة تقع في نهاية طريق طويل، وإنما دولة حبيسة تمتلك موارد طبيعية وزراعية وحيوانية وسوقا سكانية تجاوزت 21 مليون نسمة في 2025، بينما بلغ ناتجها المحلي الإجمالي نحو 21.47 مليار دولار وفقا لبيانات البنك الدولي، كما سجل الاقتصاد التشادي نموا قدره 5.6% في 2025 بحسب البيانات نفسها، مع استمرار تحديات الفقر والبنية الأساسية والاستقرار الإقليمي.

وهنا تظهر القيمة الاقتصادية للممر: الدول الحبيسة لا تعاني فقط من مشكلة البعد عن البحر، وإنما تدفع ثمن ذلك في كل حلقة من حلقات سلسلة الإمداد، من رسوم النقل والتأمين والتخزين وإعادة الشحن، إلى زمن الانتظار على الحدود، وتعدد الإجراءات الجمركية، ومخاطر عدم انتظام الطرق، وهي عوامل تتحول في النهاية إلى ضريبة غير مرئية على المنتج والمستهلك والمستثمر، وتشير بيانات بنك التنمية الإفريقي إلى أن تكاليف النقل على الطرق في الدول الحبيسة بوسط إفريقيا قد تصل إلى نحو 35% من قيمة الصادرات وأكثر من 45% من قيمة الواردات، وهي أرقام تكشف أن المشكلة الإفريقية ليست دائما نقص الإنتاج، وإنما العجز عن تحريك الإنتاج بكفاءة من مناطق إنتاجه إلى الأسواق، كما أن متوسط كثافة الطرق في إفريقيا لا يتجاوز نحو 12 كيلومترا لكل 100 كيلومتر مربع، مقابل 42.5 كيلومتر في الدول النامية ذات الأداء المرتفع و136 كيلومترا في الاقتصادات مرتفعة الدخل.

ومن هنا، فإن اختصار زمن الرحلة التجارية من أشهر إلى أيام، إذا تحقق عمليا على مسار متكامل ومستقر، لا يمثل مجرد توفير في الوقت؛ بل يمثل تغييرا في اقتصاديات القرار نفسه, فالمستثمر لا يسأل فقط: كم تبلغ تكلفة نقل السلعة؟ وإنما يسأل أيضا: كم يوما تحتاج السلعة للوصول؟ وما احتمالات التأخير؟ وما تكلفة رأس المال المجمد أثناء النقل؟ وما مدى انتظام سلسلة الإمداد؟ وما البدائل المتاحة إذا تعطلت إحدى حلقات الطريق؟

وفي الاقتصاد الحديث، الزمن أصبح جزءا من سعر المنتج، والانتظام أصبح جزءا من قيمة البنية التحتية، ولذلك فإن الممر المصري التشادي المقترح ينبغي ألا ينظر إليه باعتباره مشروعا للطرق، بل باعتباره “منصة تجارة عابرة للحدود” , وهذا التوصيف أكثر دقة وأقرب إلى جوهر الفكرة.

(مصر) تمتلك في هذه المعادلة نقطة قوة لا يمكن تجاهلها: البحر الأحمر، وبرنيس يمكن أن تتحول من مجرد نقطة جغرافية على الساحل إلى بوابة بحرية ضمن شبكة تصل إلى عمق القارة، وفي الاتجاه المقابل، تمتلك مصر شبكات طرق وموانئ ومناطق لوجستية ومراكز صناعية وزراعية، كما تعمل على تطوير منظومة من الممرات اللوجستية المتكاملة، ووزارة النقل المصرية وضعت ممر برنيس ـ أسوان ـ شرق العوينات ـ الكفرة ـ إنجامينا ضمن الممرات الاستراتيجية التي تستهدف ربط البحر الأحمر بعمق إفريقيا وتعزيز التجارة البينية مع ليبيا وتشاد ودول وسط القارة.

(الطريق) الذي يبدأ من برنيس وينتهي في إنجامينا لا يجب أن يتوقف اقتصاديا عند إنجامينا، فالامتداد الطبيعي نحو دوالا يفتح بابا على الكاميرون، كما يمكن أن يخلق فرصا للربط مع جمهورية إفريقيا الوسطى وغيرها من اقتصادات وسط إفريقيا، ويمنح الدول الحبيسة خيارات جديدة للوصول إلى موانئ متعددة بدلا من الارتهان لمسار واحد, فالاقتصاد لا يحب الاحتكار الجغرافي للممرات، وكلما تعددت المنافذ انخفضت المخاطر، وتحسنت القدرة التفاوضية للدول والشركات، وأصبح النقل أكثر مرونة أمام الأزمات السياسية أو الأمنية أو المناخية أو التشغيلية .

وتكمن إحدى أهم مزايا المشروع في أنه لا يدخل فراغا لوجستيا، وإنما يتعامل مع شبكة قائمة من العلاقات التجارية والممرات المتنافسة والمتكاملة في الوقت نفسه، فميناء دوالا يمثل حاليا بوابة رئيسية لتجارة تشاد، وتشير بوابة التجارة الكاميرونية إلى أن قرابة 80% من واردات تشاد تمر عبر الكاميرون، كما تعمل الكاميرون وتشاد بالفعل على تحديث ممر دوالا ـ إنجامينا من خلال إجراءات تتعلق بالربط الرقمي وتتبع الشحنات إلكترونيا وتيسير الإجراءات الجمركية.

وهذا يعني أن الممر المصري لا ينبغي أن يقدم باعتباره مشروعا لإقصاء دوالا أو إزاحة الكاميرون من معادلة تجارة تشاد، وإنما باعتباره إضافة إلى منظومة الممرات الإفريقية، تسمح بخلق منافسة صحية، وتعدد في الخيارات، وربط بين الشرق والوسط والغرب، وبالمعنى الاستراتيجي، فإن أفضل ممر تجاري ليس الذي يلغي الممرات الأخرى، وإنما الذي يجعل القارة أكثر ترابطا وأقل هشاشة أمام تعطل أي مسار منفرد، وتزداد أهمية ذلك إذا نظرنا إلى الصورة الأكبر للتجارة الإفريقية.

فقد بلغ إجمالي التجارة المصرية مع دول الاتحاد الإفريقي نحو 9.6 مليار دولار في 2025، منها 7.6 مليار دولار صادرات مصرية ونحو ملياري دولار واردات، وفقا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، والرقم، رغم أهميته، يكشف أيضا عن مساحة ضخمة لم تستثمر بعد، فإذا كانت صادرات مصر إلى إفريقيا بلغت 7.6 مليار دولار، بينما لا يزال حجم التجارة مع تشاد نفسها محدودا للغاية، حيث بلغت الصادرات المصرية إلى تشاد نحو 40.3 مليون دولار فقط في 2025، مقابل واردات مصرية من تشاد بنحو 813 ألف دولار وفقا لبيانات الأمم المتحدة للتجارة الدولية، فإن السؤال ليس لماذا نحتاج إلى ممر جديد، وإنما لماذا لم يتحول الموقع الجغرافي المصري حتى الآن إلى حصة أكبر بكثير من التجارة الإفريقية؟ المشكلة إذن ليست في غياب الإمكانات، وإنما في ضرورة تحويل الإمكانات إلى منظومة.

والذي يصنع التجارة هو تكامل الطريق والميناء والجمارك والتمويل والتأمين والتخزين والتتبع الرقمي والتسويق والاتفاقات التجارية ونظم الدفع، ثم وجود قطاع خاص قادر على استغلال هذه المنظومة.

إنشاء البنية الأساسية يمثل المرحلة الأولى فقط، بينما القيمة الاقتصادية الحقيقية تبدأ عندما يصبح للممر حجم شحنات منتظم، وشركات نقل تعمل عليه، ومراكز تجميع وتخزين، ومستودعات جمركية، ومناطق خدمات، ومحطات وقود وصيانة، وشركات تأمين، وخدمات مالية، ونظام إلكتروني لتتبع الشحنات، وربط جمركي بين الدول، وآلية واضحة لتسوية المنازعات، وضمانات لحماية الناقل والبضاعة والمستثمر، ولهذا فإن الإعلان عن تأسيس شركة “الممر العظيم” بمشاركة صندوق تحيا مصر والهيئة العامة للموانئ البرية والجافة وشركة لوبو جارديانو للاستثمار، كما أعلن وزير النقل الفريق مهندس كامل الوزير، يحمل دلالة تتجاوز الشكل القانوني للشركة؛ لأنه يفتح الباب أمام نموذج يمكن أن يتحول فيه الممر من أصل حكومي إلى منصة استثمارية متعددة الأنشطة.

وإذا أحسن تصميم هذا النموذج، فمن الممكن أن يصبح الممر نفسه منتجا استثماريا، وليس مجرد بنية تحتية، أي أن المستثمر لا يستثمر فقط في الطريق، بل في مراكز الخدمات على الطريق، والمناطق اللوجستية، والمخازن، والنقل المبرد، والصناعات الغذائية، وتعبئة المنتجات الزراعية، وسلاسل القيمة المرتبطة بالثروة الحيوانية، ومصانع الجلود والدباغة، ومنتجات الألبان، والأعلاف، والأسمدة العضوية، والتعبئة والتغليف، والخدمات الرقمية.

وهنا يصبح الحديث عن “ممر تنموي” أكثر دقة من وصفه بممر نقل، فالممر الاقتصادي الناجح لا ينقل الثروة فقط، وإنما يصنع ثروة جديدة على امتداد مساره، وهذا ما يمكن أن يفتح تحديدا أمام مصر فرصة لتعظيم حضور شركاتها في إفريقيا، ليس فقط في المقاولات، وإنما في الخدمات اللوجستية والتجارة والتصنيع والتمويل والاستشارات والهندسة وإدارة الموانئ والمناطق الصناعية والزراعة والصناعات الغذائية، ومشاركة شركة المقاولون العرب في الأعمال والدراسات المرتبطة بالمسار داخل تشاد، وفقا لما أعلنته هيئة الموانئ البرية والجافة، تكتسب في هذا السياق قيمة إضافية؛ لأن تصدير الخبرة المصرية في البنية الأساسية إلى إفريقيا يمكن أن يتحول إلى أحد روافد القوة الاقتصادية المصرية، وليس مجرد نشاط مقاولات منفصل، فمصر لا تحتاج فقط إلى تصدير المنتجات إلى إفريقيا، وإنما تحتاج أيضا إلى تصدير الخدمات والخبرة والمعرفة والنماذج الاستثمارية، وهذا هو الفرق بين التوسع التجاري التقليدي وبناء النفوذ الاقتصادي طويل الأجل.

كما أن الممر يحمل بعدا خاصا بالنسبة إلى ملف الأمن الغذائي، فوسط إفريقيا تمتلك موارد زراعية وحيوانية واسعة، بينما تمتلك مصر قاعدة صناعية وغذائية وأسواقا استهلاكية وقدرات في التصنيع والتعبئة والتخزين والنقل، وبالتالي فإن ربط مناطق الإنتاج بمراكز التصنيع والاستهلاك يمكن أن يخلق سلاسل قيمة عابرة للحدود بدلا من استمرار تصدير المواد الخام.

فبدلا من نقل الحيوان فقط، يمكن تطوير صناعة اللحوم ومنتجات الألبان والجلود والجيلاتين والأعلاف، وبدلا من نقل المحاصيل الخام، يمكن تطوير الفرز والتجفيف والتعبئة والتصنيع الأولي بالقرب من مناطق الإنتاج، وبدلا من أن تكون مصر مجرد سوق نهائية، يمكن أن تصبح مركزا لإعادة التصنيع والتوزيع نحو أسواق أخرى، وهذه هي النقلة التي تحتاجها التجارة المصرية الإفريقية: من تجارة السلع إلى تجارة سلاسل القيمة.

ويجب أيضا ألا نغفل البعد المتعلق بمنظومة اتفاقية منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، فالبنية التحتية تمثل أحد الشروط المادية لنجاح منطقة التجارة الحرة، لأن إزالة الرسوم الجمركية لا تكفي إذا بقيت تكلفة النقل مرتفعة أو ظلت الحدود بطيئة أو كانت الشحنات غير قابلة للتتبع، وتؤكد مؤشرات بنك التنمية الإفريقي أن إفريقيا ما زالت تعاني ضعفا في التكامل الإنتاجي والبنية التحتية، وأن متوسط مؤشر التكامل التجاري لا يزال عند 0.383 من 1، بما يعني أن المجال أمام تعميق التكامل القاري لا يزال واسعا، كما تشير بيانات البنك إلى أن الطرق تحمل نحو 80% من البضائع و90% من حركة الركاب في القارة، في حين لا تصل نسبة الطرق المعبدة إلى أكثر من 53% من إجمالي الطرق، ولا يحصل سوى نحو 43% من السكان على وصول إلى طريق صالح للاستخدام طوال العام، لهذا فإن الاستثمار في الممرات العابرة للحدود ليس ترفا تنمويا، وإنما هو أحد الشروط الضرورية لكي تتحول اتفاقية التجارة الحرة القارية إلى واقع اقتصادي يومي.

(لكن) هناك جانب آخر لا يقل أهمية عن الطريق نفسه، وهو الأمن، فالممر الذي يعبر مناطق صحراوية شاسعة ويمر عبر دول ومناطق ذات حساسية أمنية، يحتاج إلى منظومة أمن طرق متخصصة، وتكنولوجيا تتبع، ومراكز مراقبة، واستجابة سريعة للطوارئ، وتبادل للمعلومات، وتنسيق بين الأجهزة المعنية في الدول الواقعة على المسار.

وأي قراءة واقعية للمشروع لا يمكن أن تفصل الاقتصاد عن الأمن، فكلما زادت أهمية الممر، زادت أهميته بالنسبة إلى أمن الدول التي يمر بها، وكلما أصبح شريانا للتجارة، أصبح استقراره مصلحة مشتركة للدول، وليس مسؤولية دولة واحدة، وهنا يمكن أن يتحول الممر من مشروع بنية أساسية إلى أحد أدوات بناء المصالح المشتركة بين مصر وليبيا وتشاد والكاميرون، وربما دول أخرى لاحقا.

لكن النجاح لن يكون تلقائيا، أمام المشروع مجموعة من التحديات التي يجب التعامل معها منذ البداية، وليس بعد تشغيل الممر، أولها هو البنية الأساسية العابرة للحدود، لأن كفاءة الطريق في دولة واحدة لا تعني شيئا إذا تحولت الحدود إلى نقطة اختناق، وثانيها هو توحيد وتبسيط الإجراءات الجمركية، لأن الشاحنة التي تقطع آلاف الكيلومترات بكفاءة يمكن أن تفقد كل مكاسبها في ساعات أو أيام من الانتظار عند منفذ حدودي، وثالثها هو الأمن، ورابعها هو التمويل المستدام والصيانة، وخامسها هو توفير حجم شحن تجاري كاف يضمن الجدوى الاقتصادية للممر، وسادسها هو التوافق السياسي والمؤسسي طويل الأجل بين الدول المشاركة، وسابعها هو بناء منظومة رقمية موحدة تتعامل مع الشحنة قبل وصولها إلى الحدود، وليس بعد توقفها عند الحدود، ومن المهم هنا الاستفادة من الخبرة الجارية في ممر دوالا ـ إنجامينا، حيث يجري العمل على الربط الإلكتروني وتتبع البضائع وتيسير الإجراءات الجمركية، كما يجري تنفيذ برنامج إقليمي لتحسين أداء الممر، بدعم من مؤسسات دولية، يتضمن تطوير البنية الحديدية والربط بين النقل البري والسككي وتسهيل التجارة.

وهذا يعني أن مصر أمام فرصة حقيقية لبناء تكامل بين ممر جديد وممر قائم، بدلا من إنشاء منظومتين منفصلتين تتنافسان على الشحنات نفسها، والأفضل أن تتحول الممرات الإفريقية إلى شبكة مترابطة، يكون لكل دولة فيها أكثر من منفذ وأكثر من شريك وأكثر من خيار، في هذه النقطة تحديدا تظهر أهمية الرؤية المصرية للممرات اللوجستية بوصفها شبكة وليست مشروعات منفردة، فالممر الجديد يمكن أن يتكامل مع محاور البحر الأحمر، ومع شبكات النقل إلى السودان، ومع الممرات الممتدة جنوبا، ومع منظومة الموانئ المصرية، ومع السكك الحديدية والقطارات السريعة، ومع المناطق الصناعية والزراعية واللوجستية.

وهنا تصبح قيمة الممر أكبر من مجموع أطوال طرقه، إنها قيمة الشبكة، والشبكات الاقتصادية لا تقاس بعدد الكيلومترات فقط، وإنما بعدد الأسواق التي تصل إليها، وحجم السلع التي يمكن تحريكها، وعدد الشركات التي تستخدمها، وعدد الاستثمارات التي تجتذبها، والزمن الذي تختصره، والمخاطر التي تقللها.

ومن هذا المنظور، فإن ممر برنيس ـ إنجامينا ـ دوالا يمكن أن يصبح أحد الاختبارات المهمة لقدرة مصر على الانتقال من مفهوم “الوجود في إفريقيا” إلى مفهوم “الاندماج في الاقتصاد الإفريقي”، وهناك فارق كبير بين الاثنين، الوجود السياسي والدبلوماسي مهم، لكنه لا يكفي، المساعدات مهمة، لكنها لا تكفي.

المعارض والبعثات التجارية مهمة، لكنها لا تكفي.

ما يصنع الاستدامة هو أن تصبح المصالح الاقتصادية نفسها عاملا في حماية العلاقات السياسية.

عندما تصبح شاحنة مصرية مرتبطة بسوق تشادي، ومصنع مصري مرتبطا بمواد خام إفريقية، ومصرف مصري ممولا لتجارة عابرة للحدود، وشركة تأمين مصرية تغطي الشحنات، وشركة تكنولوجيا مصرية تدير التتبع، وشركة لوجستية مصرية تدير المخازن، يصبح التعاون المصري الإفريقي شبكة مصالح يصعب اختزالها في العلاقات الرسمية وحدها.

وهذا في تقديري هو المعنى الأعمق للممر.

إنه لا يختصر المسافة بين برنيس وإنجامينا فقط، وإنما يمكن أن يختصر المسافة بين القرار السياسي والمصلحة الاقتصادية.

ومصر، إذا أرادت تعظيم العائد من المشروع، تحتاج إلى إعداد استراتيجية تجارية موازية لمسار الممر، تتضمن قائمة واضحة بالسلع المصرية القابلة للتصدير إلى تشاد والكاميرون وإفريقيا الوسطى، وقائمة مقابلة بالسلع والمواد الخام التي يمكن استيرادها، وحصر الشركات القادرة على استخدام الطريق، وتصميم حوافز لتشغيله في السنوات الأولى، وربط الممر بخطوط تمويل وضمانات ائتمانية، وتفعيل أدوات التأمين على الصادرات، وتطوير خدمات النقل متعدد الوسائط.

كما يجب أن يكون للقطاع الخاص دور مبكر، لا أن ينتظر حتى انتهاء الإنشاءات.

فالقطاع الخاص هو الذي سيحول الطريق إلى حركة اقتصادية.

وإذا كان الهدف هو تخفيض زمن النقل من نحو ثلاثة أشهر إلى أسبوع واحد، فإن المؤشر الحقيقي للنجاح يجب ألا يكون افتتاح الطريق، وإنما عدد الشحنات التي تصل فعليا خلال أسبوع، ومتوسط تكلفة الطن، ومتوسط زمن الإفراج الجمركي، ومعدل انتظام الرحلات، ونسبة الحوادث، وحجم التجارة السنوي عبر الممر.

هذه هي مؤشرات الأداء التي يجب أن تقاس أمام الرأي العام وصناع القرار والمستثمرين.

وفي رأيي، فإن أهم ما يجب تجنبه هو التعامل مع الرقم 4300 كأنه غاية في حد ذاته.

4300 كيلومتر ليست إنجازا إذا كانت الشاحنات تتحرك ببطء.

وليست قيمة إذا ظلت الحدود مزدحمة.

وليست فرصة استثمارية إذا لم توجد شحنات عائدة.

وليست منصة تجارة إذا بقيت حركة النقل في اتجاه واحد.

الممر الناجح هو الذي يحمل البضائع في الاتجاهين.

وهنا تحديدا يجب أن تبنى استراتيجية “الشحنة العكسية”، بحيث لا تعود الشاحنات المصرية فارغة من إفريقيا، وإنما تحمل منتجات تشادية وكاميرونية ووسط إفريقية إلى الأسواق المصرية أو إلى الموانئ المصرية لإعادة تصديرها إلى الخليج وآسيا وأوروبا.

هذه النقطة قد تكون مفتاح الجدوى الاقتصادية للمشروع.

فكلما ارتفعت نسبة الرحلات المحملة في الاتجاهين، انخفضت تكلفة النقل، وارتفعت قدرة الشركات على المنافسة، وتحسنت اقتصاديات الممر.

وفي هذا الإطار يمكن لمصر أن تقدم نفسها ليس فقط كسوق، وإنما كمنصة لإعادة التصدير والتصنيع والتوزيع.

وهنا يصبح البحر الأحمر امتدادا اقتصاديا لوسط إفريقيا، وتصبح إفريقيا الوسطى امتدادا تجاريا للموانئ المصرية.

هذه ليست مجرد صياغة جغرافية جديدة، وإنما تصور مختلف للعلاقات الاقتصادية.

وإذا نجحت مصر في بناء هذا النموذج، فإنها ستكون قد أضافت بعدا جديدا إلى مفهوم الأمن القومي الاقتصادي؛ لأن تأمين طرق التجارة، وتنويع مصادر السلع، وفتح أسواق جديدة أمام الصادرات، وربط الاقتصاد المصري بأسواق إفريقية صاعدة، كلها عناصر تدخل في صميم بناء القدرة الاقتصادية للدولة.

ومن الخطأ اختزال الأمن القومي الإفريقي لمصر في ملفات المياه أو الإرهاب أو الحدود أو الأمن البحري فقط، فهناك أمن تجاري، وأمن غذائي، وأمن للطاقة، وأمن لسلاسل الإمداد، وأمن للممرات، والدول التي تتحكم في شبكات الحركة التجارية لا تحتاج دائما إلى امتلاك الأسواق؛ يكفي أحيانا أن تكون جزءا لا يمكن تجاوزه من مسار الوصول إليها.

لهذا أرى أن مشروع ممر برنيس ـ إنجامينا ـ دوالا يستحق أن يقرأ باعتباره مشروعا استراتيجيا طويل الأجل، لا مجرد مشروع نقل، وإذا أحسن التخطيط له، وأدير بعقلية اقتصادية عابرة للحدود، وتم إشراك القطاع الخاص، وربط التمويل بالتجارة، والإنشاء بالتشغيل، والطريق بالتصنيع، والميناء بالمخزن، والجمارك بالمنصة الرقمية، فإن المشروع يمكن أن يتحول إلى إحدى الأدوات العملية لإعادة تموضع مصر داخل الاقتصاد الإفريقي.

وإذا أنشأنا حول الطريق شبكة من الأسواق والاستثمارات والخدمات والصناعات، فسوف نكون قد أنشأنا ممر نمو، وهذا هو الفارق بين طريق يمر عبر إفريقيا، وطريق يعيد تشكيل إفريقيا، فالمطلوب في المرحلة المقبلة ليس فقط أن نعرف أين يبدأ الممر وأين ينتهي، وإنما أن نحدد بدقة ماذا سيحمل، ومن سيستخدمه، ومن سيموله، ومن سيؤمنه، ومن سيستثمر على جانبيه، وما الأسواق التي سيصل إليها، وكيف ستتوزع القيمة الاقتصادية على الدول الواقعة في مساره.

مصر تملك اليوم فرصة نادرة لكي تجعل من البحر الأحمر نقطة انطلاق نحو قلب إفريقيا، لا مجرد نهاية جغرافية لحدودها البحرية، وإذا تحولت هذه الرؤية إلى شبكة مترابطة من الموانئ والطرق والمناطق اللوجستية والمراكز الصناعية والتجارية، فإن برنيس لن تكون مجرد ميناء على الخريطة، وإن إنجامينا لن تكون مجرد نقطة نهاية لمسار بري، وإن دوالا لن تكون مجرد بوابة غربية؛ بل يمكن أن تصبح المدن الثلاث عقدا في شبكة اقتصادية جديدة، تعيد وصل شرق القارة بوسطها وغربها، وتمنح مصر موقعا أكثر تأثيرا في واحدة من أهم معارك إفريقيا المقبلة: معركة خفض تكلفة المسافة، وتحرير التجارة من أسر الجغرافيا، وتحويل التكامل الإفريقي من شعار سياسي إلى حركة فعلية للبضائع ورؤوس الأموال والخبرات.

فالقارة الإفريقية لا ينقصها ما يمكن أن تنتجه، بقدر ما ينقصها ما يمكن أن يربط ما تنتجه بما تحتاجه أسواقها وأسواق العالم، ومصر، بحكم موقعها وقدراتها اللوجستية وخبرتها في البنية الأساسية، تستطيع أن تكون جزءا مركزيا من هذا الربط.

الممر الجديد، إذا اكتملت حلقاته، قد يكون أكثر من طريق بين البحر الأحمر ووسط إفريقيا.. قد يكون بداية طريق جديد للدور المصري في إفريقيا.

الفريق كامل الوزير وزير النقل المصري خلال لقاءاته في العاصمة التشادية إنجامينا رامي زهدي يكتب : ممر برنيس ـ إنجامينا .. طريق إلي المستقبل الإفريقي

وزير النقل المصري وعدد من المسؤولين المصريين والتشاديين خلال مناقشة تفاصيل مشروع الممر اللوجستي رامي زهدي يكتب : ممر برنيس ـ إنجامينا .. طريق إلي المستقبل الإفريقي

طالع أيضا :

المحلل السياسي التشادي الدكتور محمد شريف جاكو يكتب : العلاقات المصرية التشادية.. جذور تاريخية وآفاق واعدة للتعاون في المستقبل

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى