الرأيأخبار عاجلة
السفير دكتور محمد حجازي يكتب : جواكيم تشيسانو… من خنادق التحرير إلى صناعة السلام ” 19 “
في تاريخ إفريقيا الحديث، ارتبطت أسماء كثيرة بالكفاح من أجل الاستقلال، لكن قليلين هم الذين نجحوا في الانتقال من قيادة معركة التحرير إلى بناء السلام وإعادة إعمار أوطانهم, ومن بين هؤلاء يبرز اسم جواكيم تشيسانو، أحد أبرز قادة موزمبيق، وأحد الرجال الذين ساهموا في تحويل بلد مزقته الحروب إلى نموذج للمصالحة والاستقرار في القارة الإفريقية.
ولد جواكيم تشيسانو عام 1939 في موزمبيق التي كانت تخضع آنذاك للاستعمار البرتغالي , وفي مرحلة شبابه المبكرة شهد التمييز والاستغلال اللذين تعرض لهما أبناء بلاده، مما دفعه إلى الانضمام إلى الحركة الوطنية المطالبة بالاستقلال.
وخلال ستينيات القرن العشرين التحق بجبهة تحرير موزمبيق (فريليمو)، التي قادت الكفاح ضد الاستعمار البرتغالي, وقد عمل إلى جانب إدواردو موندلاني، الأب المؤسس للحركة الوطنية الموزمبيقية، ثم إلى جانب سامورا ماشيل الذي أصبح لاحقًا رمزًا لتحرير البلاد.
وفي تلك المرحلة كانت القاهرة بقيادة جمال عبد الناصر تمثل إحدى أهم عواصم دعم حركات التحرر الإفريقية, وقد استفادت فريليمو، شأنها شأن العديد من الحركات الوطنية الإفريقية، من الدعم السياسي والدبلوماسي الذي وفرته مصر لقضايا التحرر في القارة. وكانت إذاعة القاهرة ومنابرها السياسية صوتًا داعمًا لنضال الشعوب الإفريقية ضد الاستعمار.
ومع تصاعد الكفاح المسلح وتراجع الإمبراطورية البرتغالية، تحقق الاستقلال في 25 يونيو 1975، لتولد جمهورية موزمبيق المستقلة بقيادة سامورا ماشيل. وشغل تشيسانو في تلك المرحلة مناصب قيادية بارزة، وكان من أبرز مهندسي السياسة الخارجية للدولة الجديدة.
غير أن الاستقلال لم يجلب السلام, فقد دخلت موزمبيق في حرب أهلية طويلة استنزفت مواردها وألحقت أضرارًا جسيمة بمؤسساتها واقتصادها, وعندما توفي سامورا ماشيل عام 1986 في حادث الطائرة المأساوي، وجد تشيسانو نفسه أمام مسؤولية قيادة البلاد في واحدة من أصعب مراحل تاريخها.
أدرك تشيسانو أن استمرار الحرب سيقود إلى تدمير الدولة، ولذلك اختار طريق الحوار والمصالحة الوطنية. وبعد سنوات من الجهود السياسية والدبلوماسية، نجح في التوصل إلى اتفاق السلام التاريخي عام 1992، الذي أنهى الحرب الأهلية وفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الاستقرار وإعادة البناء.
وقد اعتبر كثير من المراقبين أن هذا الإنجاز يمثل أحد أهم نجاحات الدبلوماسية الإفريقية في نهاية القرن العشرين, فبدلًا من الانزلاق إلى دوامة الانتقام، اختارت موزمبيق بقيادة تشيسانو المصالحة والتعايش الوطني.
كما لعب دورًا مهمًا في تعزيز التعاون الإفريقي والإقليمي، وأسهم في جهود التنمية وإعادة الإعمار، حتى أصبحت موزمبيق واحدة من قصص التحول الإيجابي في القارة بعد عقود من الصراع.
وعندما غادر السلطة عام 2005، فعل ذلك بصورة سلمية ومنظمة، مؤكدًا التزامه بمبدأ تداول السلطة واحترام المؤسسات الدستورية، وهي خطوة عززت مكانته كأحد رجال الدولة البارزين في إفريقيا المعاصرة.
لقد جسد جواكيم تشيسانو مرحلة مختلفة من تاريخ النضال الإفريقي, فإذا كان جيل نكروما وناصر ولومومبا ونجوما قد خاض معركة التحرير، فإن تشيسانو خاض معركة بناء السلام, وإذا كان الاستقلال هو التحدي الأكبر في ستينيات القرن الماضي، فإن المصالحة الوطنية كانت التحدي الأكبر في نهاية القرن العشرين.
ولهذا يبقى اسمه حاضرًا في الذاكرة الإفريقية باعتباره أحد القادة الذين أثبتوا أن النصر الحقيقي لا يتحقق فقط بطرد المستعمر، بل أيضًا بقدرة الشعوب على تجاوز جراح الماضي وبناء مستقبل مشترك يسوده السلام والاستقرار والتنمية.


إقرأ المزيد :




