انحسار مياه النيل في السودان يثير المخاوف .. و خبير يربط الظاهرة بتشغيل سد النهضة

انخفاض في مناسيب النيل يؤثر على بعض محطات الشرب والري.. والخرطوم تؤكد أن تراجع تصريف سد النهضة وراء الظاهرة مع استمرار استقرار الإمدادات المائية
شهد السودان خلال الأيام الماضية ظاهرة غير معتادة في هذا التوقيت من العام، بعدما انكشفت مساحات واسعة من ضفاف نهر النيل وظهرت تكوينات رملية في قلب المجرى، في مشهد أثار قلق المواطنين، خاصة مع ابتعاد المياه عن مآخذ عدد من محطات مياه الشرب، لتتحول الظاهرة سريعاً من مشهد طبيعي لافت إلى قضية ترتبط بالأمن المائي والخدمي في البلاد.
وعلى خلاف ما اعتاده السودانيون مع اقتراب موسم الفيضان، والذي يشهد عادة بداية الارتفاع التدريجي في مناسيب النيل، سجلت عدة محطات هذا العام انخفاضاً ملحوظاً في المناسيب، الأمر الذي انعكس على تشغيل عدد من محطات مياه الشرب وبعض مشروعات الري، لا سيما في العاصمة الخرطوم.
وأعاد هذا الانخفاض المؤقت إلى الواجهة الجدل بشأن تأثيرات التشغيل المستمر لسد النهضة الإثيوبي على النظام الهيدرولوجي للنيل الأزرق، وسط مطالب متجددة بوجود تنسيق قانوني وفني بين دول حوض النيل الشرقي بشأن تشغيل السد.
خبير سوداني: تشغيل سد النهضة يغيّر طبيعة تدفقات النيل
وقال الدكتور أحمد المفتي، الخبير السوداني في القانون الدولي وعضو لجنة مفاوضات سد النهضة سابقاً، في تصريحات لـ”أفرو نيوز 24″، إن سد النهضة تسبب خلال مرحلة الملء في انحسار غير مسبوق للمياه، لأنه حال دون انسيابها بالشكل الطبيعي الذي كان سائداً قبل إنشاء السد.
وأوضح المفتي أن السد، بعد اكتمال ملئه، يجعل أي كميات من الأمطار لا تحتاجها إثيوبيا تنساب دفعة واحدة، وهو ما قد يؤدي إلى حدوث فيضانات، مشيراً إلى أن عمليات تشغيل السد وتوليد الكهرباء تؤثر أيضاً على كميات المياه المتدفقة إلى السودان، خاصة في حال غياب التنسيق المسبق مع الخرطوم.
وأضاف أن السودان كان يدير خزاناته وسدوده سابقاً اعتماداً على المتابعة الدقيقة للفيضان الطبيعي المعروف بمعدلات تدفقه، الأمر الذي مكّنه من التحكم في إدارة المياه، بحيث تكون الفيضانات أو فترات الانحسار ضمن الحدود الطبيعية والمقدور على التعامل معها.
وأشار إلى أن ملء وتشغيل خزان تتجاوز سعته 60 مليار متر مكعب، وهي سعة تفوق الإيراد السنوي للنيل الأزرق، دون تنسيق مسبق مع دولتي المصب، من شأنه أن يؤدي بصورة طبيعية إلى كوارث تتمثل في انحسارات أو فيضانات مفاجئة.
وأكد المفتي أن مطلب السودان ومصر بالتوصل إلى اتفاق قانوني ملزم بشأن ملء وتشغيل سد النهضة يظل مطلباً أساسياً لضمان استقرار الأوضاع المائية، موضحاً أن هناك مطالب أخرى لا تقل أهمية، في مقدمتها ضمان أمان السد وحماية الأمن المائي، وهو المبدأ الذي نصت عليه اتفاقية عنتيبي التي صادقت عليها إثيوبيا، بينما لم يتضمنه إعلان مبادئ سد النهضة الموقع عام 2015.
الري السودانية : تراجع تصريف سد النهضة وراء الانخفاض المؤقت
وفي المقابل، أكدت وزارة الزراعة والري السودانية، ممثلة في الإدارة العامة للخزانات، أن الانخفاض الذي شهدته مناسيب النيل خلال الأيام الماضية كان مؤقتاً، ويرتبط بانخفاض وارد النيل الأزرق نتيجة تراجع تصريف سد النهضة الإثيوبي، مشددة على أن الوضع المائي العام في البلاد لا يزال مستقراً ومطمئناً.
وأوضحت الإدارة أنها رصدت انخفاضاً مؤقتاً في الوارد اليومي إلى بحيرة خزان الروصيرص خلال الفترة من 7 إلى 9 يوليو 2026، حيث تراجع الوارد من 207 ملايين متر مكعب يومياً إلى 129 مليون متر مكعب يومياً، بانخفاض بلغ 76 مليون متر مكعب يومياً.
وأضافت أن هذا التراجع انعكس مباشرة على التصريف خلف خزان الروصيرص، الذي انخفض بنحو 100 مليون متر مكعب يومياً، كما تراجع التصريف خلف خزان سنار بحوالي 82 مليون متر مكعب يومياً خلال الفترة من 7 إلى 10 يوليو 2026.
انخفاض مناسيب النيل بعدد من محطات القياس
وأشارت الوزارة إلى أن تراجع الوارد أدى إلى انخفاض مؤقت في مناسيب النيل بعدد من محطات القياس الرئيسية، حيث سجلت محطة الروصيرص انخفاضاً بلغ 1.50 متر، بينما انخفض المنسوب في محطة ود العيس بمقدار 1.70 متر، وفي ود مدني بنحو 1.60 متر، وفي الخرطوم بحوالي 1.08 متر، كما سجلت محطة الحلفايا انخفاضاً قدره 94 سنتيمتراً، فيما بلغ الانخفاض في محطة شندي 54 سنتيمتراً.
وفي الوقت نفسه، أوضحت الإدارة العامة للخزانات أن مناسيب النيل في المناطق الواقعة شمال العاصمة الخرطوم لا تزال أعلى من المستويات المسجلة خلال الفترة نفسها من العام الماضي حتى 15 يوليو 2026، وهو ما يعكس استمرار استقرار الوضع المائي بصورة عامة.
تغييرات هيدرولوجية تتطلب إدارة تشغيلية دقيقة
وأكدت وزارة الزراعة والري السودانية أن ظاهرتي انخفاض وارتفاع مناسيب النيل وفروعه تعدان من الظواهر الطبيعية، إلا أن تشغيل سد النهضة أدى إلى تغييرات في الهيدرولوجيا الطبيعية للنهر، وهو ما يستدعي إدارة تشغيلية دقيقة للخزانات السودانية لضمان استقرار الإمدادات المائية والمحافظة على المناسيب المطلوبة.
وكشفت الوزارة عن تشكيل لجنة عليا دائمة لمتابعة تطورات الموقف المائي، تعمل تحت الإشراف المباشر لوزير الزراعة والري البروفيسور عصمت قرشي، ووكيل الوزارة المهندس ضو البيت عبد الرحمن، وبرئاسة رئيس الجهاز الفني للموارد المائية.
وتضم اللجنة مدير عام الخزانات، ومدير عام مياه النيل، ومدير عام التخطيط، ومديري الخزانات السودانية، إلى جانب خبراء التشغيل والنمذجة الهيدرولوجية والجهات الأمنية ذات الصلة، حيث تتولى متابعة تطورات الوضع المائي على مدار الساعة، وإجراء التقييمات الفنية واتخاذ القرارات التشغيلية اللازمة استناداً إلى القراءات والبيانات اليومية.
السودان يؤكد استقرار الإمدادات المائية ودعم الموسم الزراعي
وطمأنت وزارة الزراعة والري السودانية المواطنين والمزارعين بأن الموقف المائي يخضع لعمليات رصد ومراقبة مستمرة، مؤكدة أن تشغيل الخزانات يتم وفق أسس علمية وتشغيلية دقيقة تضمن سلامة المنشآت المائية، وتأمين احتياجات المواطنين والقطاع الزراعي من المياه، بما يدعم استقرار الإمدادات المائية ويعزز نجاح الموسم الزراعي.
وفي ختام بيانها، أوضحت الإدارة العامة للخزانات أن أحدث القراءات والتحليلات الفنية حتى منتصف يوليو 2026 تشير إلى أن إيراد النيل الأبيض ومناسيبه لا تزال أعلى من المتوسط العام ومن مستويات العام الماضي، كما أن مناسيب وتصريف خزان جبل أولياء تعكس استقراراً إيجابياً يتجاوز متوسطات السنوات السابقة.
وأضافت الإدارة أن إجمالي إيراد النيل الأزرق لا يزال يسجل مستويات مائية جيدة تتجاوز المتوسط العام ومعدلات العام الماضي، مؤكدة أن الوضع المائي في السودان يظل مستقراً ومطمئناً، رغم الانخفاض المؤقت الذي شهدته بعض محطات القياس خلال الأيام الماضية.
اقرأ المزيد
الدكتور حسين عبد البصير يكتب : العلاقات التجارية لمصر القديمة مع العالم الخارجي .. رؤية حضارية




