الدكتور عبدالناصر سلم حامد يكتب : سد النهضة.. الاتفاق الذي لم يحكم التشغيل .. هل التزمت إثيوبيا بإعلان المبادئ ؟ (2)
في الجزء الأول خلصنا إلى أن الخلاف حول سد النهضة لم يكن يدور حول حق إثيوبيا في إنشاء السد، وإنما حول القواعد التي تحكم ملءه وتشغيله. ومن هنا يبرز السؤال الأهم: هل التزمت إثيوبيا بالالتزامات التي رتّبها عليها إعلان المبادئ الموقع في الخرطوم عام 2015؟
الإجابة عن هذا السؤال تقتضي النظر أولًا في الطبيعة القانونية لذلك الإعلان. فهو لم يكن مجرد بيان سياسي يعكس رغبة الأطراف في مواصلة الحوار، كما لم يكن اتفاقًا فنيًا يضع قواعد تفصيلية للملء والتشغيل، وإنما وضع إطارًا قانونيًا عامًا لتنظيم العلاقة بين الدول الثلاث بشأن سد النهضة، وحدد المبادئ التي يفترض أن تحكم سلوكها خلال المفاوضات وعند إدارة السد.
ويكتسب المبدأ الخامس أهمية خاصة، لأنه تناول الملء الأول والتشغيل السنوي، ونص على أن تتعاون الدول الثلاث في استخدام نتائج الدراسات المشتركة للاتفاق على المبادئ التوجيهية وقواعد الملء والتشغيل، بما يعكس إدراك الأطراف منذ البداية أن تشغيل السد لا يمكن أن ينفصل عن التشاور والتنسيق.
ومن هنا بدأ التباين في تفسير إعلان المبادئ. فقد رأت إثيوبيا أن الإعلان لم ينص صراحة على تعليق الملء إلى حين التوصل إلى اتفاق نهائي، وأن التزامها يتمثل في مواصلة التفاوض بحسن نية دون أن يفقدها حقها في استكمال مشروعها. وفي المقابل، تمسك السودان بأن الإعلان لا يجوز تفسيره بمعزل عن الغاية التي أُبرم من أجلها، وهي ضمان أن تتم إدارة السد بصورة تعاونية، بما يتيح تبادل المعلومات والتنسيق ويحول دون إلحاق ضرر ذي شأن بدولتي المصب.
وهكذا، لم يعد الخلاف متعلقًا بنصوص إعلان المبادئ في ذاتها، وإنما بكيفية تطبيقها. فالعبرة في القانون الدولي ليست بوجود الالتزام فحسب، وإنما بمدى احترامه عند التنفيذ، وهو ما تثيره الوقائع التي صاحبت عمليات الملء والتشغيل منذ عام 2020
لكن الاتفاقات لا تُختبر عند توقيعها، وإنما عند تنفيذها. ولهذا كانت عمليات ملء وتشغيل سد النهضة هي الاختبار الحقيقي لإعلان المبادئ، لأنها أظهرت كيف فهم كل طرف الالتزامات التي وافق عليها.
وكان الملء الأول في يوليو 2020 بداية هذا الاختبار. فقد احتجزت إثيوبيا نحو 4.9 مليارات متر مكعب من المياه، بينما أعلن السودان أن التصريف عند محطة الديم الحدودية انخفض من نحو 190 مليون متر مكعب يوميًا إلى نحو 90 مليونًا، وهو ما انعكس على تشغيل خزان الروصيرص، وأثر في إمدادات مياه الشرب بالخرطوم خلال تلك الفترة. ولم يكن جوهر الاعتراض السوداني هو كمية المياه التي جرى تخزينها، وإنما غياب التنسيق وتبادل البيانات في الوقت المناسب، بما يسمح للجهات المختصة بإدارة السدود والمنشآت المائية بكفاءة.
ولم ينته هذا الجدل عند الملء الأول. ففي 17 يوليو 2026 أعلنت وزارة الزراعة والري السودانية أن الوارد اليومي إلى بحيرة خزان الروصيرص انخفض، خلال الفترة من 7 إلى 9 يوليو، من 207 ملايين متر مكعب إلى 129 مليونًا. وأرجعت الوزارة ذلك إلى انخفاض تصريفات سد النهضة، مشيرة إلى أن الأمر انعكس على تشغيل خزاني الروصيرص وسنار، وعلى مناسيب النيل في عدد من المحطات، كما أوضحت أن تشغيل السد أحدث تغيرات في النظام الهيدرولوجي للنيل الأزرق تستدعي تنسيقًا وتشغيلًا أكثر إحكامًا، مع تأكيدها في الوقت نفسه أن إدارة الخزانات السودانية حافظت على استقرار الوضع المائي.
ولا تبدو هذه الوقائع، من منظور السودان، مجرد أحداث فنية عابرة، بل تعكس واقعًا جديدًا فرضه تشغيل سد النهضة على إدارة النيل الأزرق. فكلما أصبحت تصريفات النهر أكثر ارتباطًا بقرارات التشغيل اليومية، ازدادت الحاجة إلى تبادل المعلومات والتنسيق المسبق، حتى تتمكن السلطات السودانية من إدارة سدودها وتشغيلها بكفاءة، وتجنب أي آثار قد تنجم عن تغيرات مفاجئة في الواردات المائية.
وفي المقابل، تؤكد إثيوبيا باستمرار أن تشغيل السد يأتي في إطار حقها في التنمية وتوليد الكهرباء، وأنها لم تتسبب في ضرر ذي شأن لدولتي المصب، كما ترى أن إعلان المبادئ لم يشترط إبرام اتفاق نهائي قبل الملء أو التشغيل.
وهنا يكمن جوهر الخلاف. فالسودان لم يعترض على قيام السد في حد ذاته، ولم ينكر حق إثيوبيا في الاستفادة من موارده، وإنما ظل يطالب بأن يتم تشغيله وفق قواعد متفق عليها، تضمن تبادل المعلومات والتنسيق المسبق، حتى تتمكن الجهات المختصة من إدارة السدود السودانية بصورة آمنة، وتفادي الآثار التي قد تترتب على أي تغيير مفاجئ في التصريفات.
وبناءً على ما تقدم، فإن تقييم مدى التزام إثيوبيا بإعلان المبادئ لا يتوقف عند مسألة وقوع ضرر ذي شأن، بل يمتد إلى مدى احترام الالتزامات الإجرائية التي قبلتها عند توقيع الإعلان، وفي مقدمتها التعاون والتنسيق وتبادل البيانات. ومن منظور السودان، فإن الوقائع التي صاحبت عمليات الملء والتشغيل منذ عام 2020، وما تبعها من مواقف وبيانات رسمية، تشير إلى أن هذه الالتزامات لم تُنفذ بالصورة التي نص عليها إعلان المبادئ.
ولذلك، ظل الخلاف قائمًا رغم اكتمال بناء السد وبدء تشغيله، لأن جوهره لا يتعلق بحق إثيوبيا في التنمية، وإنما بمدى التزامها بالقواعد التي وافقت عليها لتنظيم هذا الحق. وستظل هذه القضية مطروحة ما لم تُترجم مبادئ الإعلان إلى آليات عملية واضحة تضمن التنسيق وتبادل البيانات، وتوفر قدرًا من الثقة بين الدول الثلاث في إدارة هذا المورد المشترك .
* الدكتور عبدالناصر سلم حامد .. كبير الباحثين ومدير برنامج شرق أفريقيا والسودان في فوكس – السويد، وباحث أول في إدارة الأزمات ومكافحة الإرهاب .
الجزء الأول من المقال عبر الرابط التالي:
https://www.afronews24.com/%d8%a3%d8%ae%d8%a8%d8%a7%d8%b1-%d8%b9%d8%a7%d8%ac%d9%84%d8%a9/80960/
طالع أيضاً:
