رامي زهدي يكتب: من عبد الناصر إلى السيسي.. كيف أعادت مصر صياغة دورها في إفريقيا وانتقلت من قيادة حركات التحرر إلى شراكة التنمية؟ ” 2 – 2 “

بعد أن استعرضنا في الجزء الجزء الأول كيف أرست مصر، بعد ثورة الثالث والعشرين من يوليو 1952، حضورها التاريخي في إفريقيا عبر دعم حركات التحرر الوطني، والمساهمة في تأسيس منظمة الوحدة الإفريقية، وبناء جسور الثقة من خلال التعليم والدبلوماسية والقوة الناعمة، إلى جانب تطور دورها لاحقًا نحو دعم بناء المؤسسات والتنمية، يتناول هذا الجزء الكيفية التي أعادت بها الجمهورية الجديدة، بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي، توظيف ذلك الإرث التاريخي وتحويله إلى شراكات استراتيجية قائمة على التنمية والاستثمار والتكامل الاقتصادي، بما يعزز مكانة مصر كقوة إفريقية فاعلة.
مرحلة استثمار الرصيد التاريخي

مع قيام ثورة الثلاثين من يونيو 2013، ثم تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي مسؤولية قيادة الدولة في عام 2014، دخلت العلاقات المصرية الإفريقية مرحلة يمكن وصفها بأنها مرحلة استثمار الرصيد التاريخي، فلم يكن التحدي الرئيسي أمام صانع القرار المصري هو استعادة العلاقات مع إفريقيا، لأن هذه العلاقات لم تنقطع في جوهرها، وإنما كان التحدي يتمثل في إعادة صياغة أدوات الحضور المصري بما يتوافق مع طبيعة القارة في القرن الحادي والعشرين، حيث أصبحت التنمية، والاستثمار، والتكنولوجيا، والبنية التحتية، والتكامل الاقتصادي، هي اللغة الجديدة للعلاقات الدولية.
وانطلقت الدولة المصرية من إدراك واضح بأن إفريقيا تغيرت جذريا، فالقارة التي كانت خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي تبحث عن التحرر من الاستعمار، أصبحت اليوم تبحث عن التصنيع، والتحول الرقمي، والأمن الغذائي، والطاقة، والتمويل، ونقل التكنولوجيا، وتوطين الصناعة، والاندماج في الاقتصاد العالمي، ومن ثم، فإن الدولة التي تريد الحفاظ على نفوذها داخل إفريقيا لم يعد يكفيها أن تستند إلى تاريخها، وإنما عليها أن تقدم حلولا عملية لتحديات الحاضر والمستقبل.
وفي هذا السياق، أعادت مصر ترتيب أولوياتها الإفريقية على أسس جديدة، كان أولها تكثيف الدبلوماسية الرئاسية، فمنذ عام 2014 شهدت العلاقات المصرية الإفريقية زخما غير مسبوق في الزيارات المتبادلة، حيث حرص الرئيس عبد الفتاح السيسي على المشاركة المنتظمة في القمم الإفريقية، وإجراء زيارات ثنائية إلى عدد كبير من الدول الإفريقية، واستقبال قادة القارة في القاهرة، وهو ما أعاد التواصل المباشر مع دوائر صنع القرار الإفريقية، ورسخ رسالة سياسية مفادها أن إفريقيا عادت إلى قلب أولويات السياسة الخارجية المصرية.
ولم يكن هذا الحراك الدبلوماسي هدفا في حد ذاته، بل كان مدخلا لإطلاق مرحلة جديدة من التعاون الاقتصادي والتنموي، فالدولة المصرية أدركت أن النفوذ السياسي في القرن الحادي والعشرين لا يقاس بعدد البيانات أو القمم، وإنما بقدرة الدولة على أن تصبح شريكا في التنمية، وموردا للتكنولوجيا، ومصدرا للخبرات، ومركزا للتجارة والاستثمار.
رئاسة مصر للاتحاد الإفريقي محطة فارقة في مسار السياسة الإفريقية المصرية

ومن هنا، جاءت رئاسة مصر للاتحاد الإفريقي عام 2019 باعتبارها محطة فارقة في مسار السياسة الإفريقية المصرية، فقد طرحت القاهرة خلال رئاستها رؤية متكاملة تربط بين السلم والتنمية، وتؤكد أن إنهاء النزاعات لا يتحقق بالحلول الأمنية وحدها، وإنما ببناء المؤسسات، وتحفيز الاستثمار، وخلق فرص العمل، وتعزيز التكامل الاقتصادي بين دول القارة، كما أولت اهتماما خاصا بملف إعادة الإعمار والتنمية بعد النزاعات، وهو الملف الذي اعتمد الاتحاد الإفريقي لاحقا السياسة المصرية بشأنه، في اعتراف واضح بالدور الفكري والمؤسسي الذي لعبته القاهرة.
وعلى الصعيد الاقتصادي، بدأت نتائج هذا التوجه تظهر بصورة ملموسة، فقد شهدت التجارة المصرية الإفريقية نموا متواصلا خلال السنوات الأخيرة، حتى بلغ حجم التبادل التجاري مع دول الاتحاد الإفريقي نحو 9.6 مليار دولار في عام 2025، منها 7.6 مليار دولار صادرات مصرية، وهو ما يعكس تطورا كبيرا مقارنة بما كان عليه الوضع قبل عام 2014، وإن ظل أقل من الإمكانات الحقيقية التي تتيحها سوق إفريقية تضم أكثر من 1.5 مليار نسمة وناتجا محليا إجماليا يتجاوز 3.4 تريليون دولار.
ولم يعد التوسع المصري مقتصرا على تصدير السلع، بل امتد إلى تصدير الخبرة، فقد أصبحت الشركات المصرية من أبرز المنفذين لمشروعات البنية التحتية في عدد من الدول الإفريقية، خاصة في مجالات الطرق، والكباري، والإسكان، والكهرباء، والمياه، والسدود، والموانئ، والمنشآت الحكومية، مستفيدة من الخبرات التي اكتسبتها الدولة المصرية في تنفيذ المشروعات القومية الكبرى داخل الجمهورية الجديدة.
وفي الوقت نفسه، عملت القاهرة على معالجة أحد أبرز التحديات التاريخية التي أعاقت التجارة مع إفريقيا، وهو ضعف الربط اللوجستي، ولذلك دعمت مشروعات الربط البري ضمن محور القاهرة–كيب تاون، ووسعت شبكات الربط البحري مع دول شرق إفريقيا، وفي مقدمتها خط سفاجا–دار السلام، كما عززت التعاون في مجالات النقل متعدد الوسائط، والربط الكهربائي، بما يهدف إلى تقليل تكلفة النقل، ورفع تنافسية الصادرات المصرية، وتحويل مصر إلى بوابة رئيسية للتجارة بين إفريقيا وأوروبا والشرق الأوسط.
وفي موازاة ذلك، شهدت أدوات القوة الناعمة المصرية تطورا نوعيا، حيث توسع دور الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية في تدريب آلاف الكوادر الإفريقية، وتقديم المنح الدراسية، وتنظيم البرامج الفنية، ونقل الخبرات في مجالات الإدارة، والدبلوماسية، والقضاء، والري، والصحة، والتحول الرقمي، وريادة الأعمال، ولم يكن هذا النشاط منفصلا عن الاستراتيجية العامة للدولة، بل جاء امتدادا لفلسفة مصرية راسخة ترى أن الاستثمار في الإنسان هو الضمان الحقيقي لبناء علاقات طويلة الأمد.
ملف الأمن المائي المصري

وفي ملف الأمن المائي، تبنت مصر مقاربة متوازنة تجمع بين الدفاع عن حقوقها المائية التاريخية، وبين توسيع التعاون مع الدول الإفريقية في إدارة الموارد المائية، وحفر الآبار، وإنشاء محطات مياه الشرب، وتبادل الخبرات الفنية، وقد عكست هذه السياسة قناعة بأن الأمن المائي في إفريقيا لا يمكن أن يقوم على منطق الصراع، وإنما على منطق التنمية المشتركة، واحترام القانون الدولي، وتحقيق المصالح المتبادلة.
لكن الأهمية الحقيقية لهذه المرحلة لا تكمن فقط في حجم المشروعات أو أرقام التجارة، وإنما في التحول الفكري الذي طرأ على مفهوم الدور المصري نفسه، فإذا كانت مصر في عهد الرئيس جمال عبد الناصر قد قادت معركة تحرير القارة من الاستعمار، فإنها في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي تسعى إلى أن تكون شريكا رئيسيا في تحرير القارة من الفقر، وضعف البنية التحتية، والفجوات التنموية، والتبعية الاقتصادية، وهذا التحول لا يمثل قطيعة مع الماضي، بل يعد امتدادا طبيعيا له، لأن جوهر السياسة المصرية ظل قائما على دعم قدرة الدول الإفريقية على امتلاك قرارها الوطني، وإن اختلفت أدوات هذا الدعم باختلاف طبيعة المرحلة.
وفي هذا الإطار، يمكن القول إن الجمهورية الجديدة لم تعُد إلى إفريقيا، لأن مصر لم تغادرها أصلا، وإنما أعادت تعريف حضورها فيها، وانتقلت من مرحلة النفوذ السياسي إلى مرحلة الشراكة الاستراتيجية الشاملة، ومن الاعتماد على الرصيد التاريخي إلى العمل على تعظيم عوائده الاقتصادية والتنموية، في عالم أصبحت فيه المنافسة على إفريقيا تقاس بحجم المشروعات، ونقل التكنولوجيا، وتوفير التمويل، وبناء سلاسل القيمة، أكثر مما تقاس بالشعارات أو المواقف السياسية وحدها.
غير أن السؤال الأكثر أهمية لم يعد يتعلق بما قدمته مصر لإفريقيا خلال العقود السبعة الماضية، وإنما بما يجب أن تقدمه خلال العقود المقبلة، فالقارة الإفريقية لم تعد كما كانت قبل نصف قرن، والعالم نفسه لم يعد يتعامل مع إفريقيا باعتبارها هامشا في النظام الدولي، بل باعتبارها أحد أهم مراكز الثقل الاقتصادي والجيوسياسي في القرن الحادي والعشرين، وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن عدد سكان القارة سيتجاوز 2.5 مليار نسمة بحلول عام 2050، بما يمثل نحو ربع سكان العالم، كما تمتلك إفريقيا ما يقرب من 30% من الاحتياطيات المعدنية العالمية، وأكثر من 60% من الأراضي الصالحة للزراعة غير المستغلة، إضافة إلى احتياطيات ضخمة من المعادن الاستراتيجية مثل الكوبالت والليثيوم والمنجنيز والجرافيت والعناصر الأرضية النادرة، وهي جميعها معادن أصبحت تمثل العمود الفقري لصناعات المستقبل، من السيارات الكهربائية إلى الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والطاقة النظيفة.
هذه التحولات جعلت إفريقيا مسرحا لتنافس غير مسبوق بين القوى الدولية والإقليمية، فالصين عززت حضورها عبر التمويل والبنية التحتية، والولايات المتحدة أعادت صياغة استراتيجيتها تجاه القارة، والاتحاد الأوروبي يسعى إلى بناء شراكات أكثر توازنا، بينما توسعت أدوار تركيا والهند وروسيا ودول الخليج في مجالات الاستثمار والطاقة والزراعة والموانئ والخدمات اللوجستية، وفي خضم هذا المشهد، فإن مصر لا تدخل سباقا جديدا من نقطة البداية، بل تمتلك ميزة تنافسية لا تتوافر لكثير من المنافسين، تتمثل في رصيد تاريخي وسياسي وإنساني تراكم عبر أكثر من سبعين عاما.
لكن هذا الرصيد، مهما بلغت قيمته، لا يكفي وحده لضمان استمرار المكانة المصرية، فالدول لا تحافظ على نفوذها بالذاكرة، وإنما بتجديد أدواتها، واستباق المتغيرات، وتحويل العلاقات السياسية إلى مصالح اقتصادية متبادلة، ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة تفرض على مصر الانتقال من سياسة الحضور في إفريقيا إلى سياسة التمركز داخل إفريقيا، عبر توسيع استثمارات القطاع الخاص، وإنشاء مناطق صناعية مشتركة، وزيادة خطوط النقل البحري والبري والجوي، وتطوير أدوات التمويل والتأمين، وتعزيز دور البنوك المصرية، ودعم الشركات الصغيرة والمتوسطة الراغبة في دخول الأسواق الإفريقية.
كما أن المستقبل يفرض تعميق التكامل في قطاعات التكنولوجيا والتحول الرقمي، والتعليم الفني، والصناعات الدوائية، والأمن الغذائي، والطاقة الجديدة والمتجددة، وهي المجالات التي تمتلك فيها مصر خبرات متراكمة يمكن أن تتحول إلى أدوات تأثير حقيقية داخل القارة. فإفريقيا لم تعد تبحث فقط عن ممولين، بل عن شركاء ينقلون المعرفة، ويبنون القدرات، ويساهمون في خلق القيمة المضافة داخل اقتصاداتها الوطنية.
وفي هذا السياق، تبدو منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية واحدة من أهم الفرص الاستراتيجية أمام الاقتصاد المصري، فهي لا تمثل مجرد اتفاقية تجارية، بل مشروعا لإعادة تشكيل الاقتصاد الإفريقي، وخلق أكبر منطقة تجارة حرة في العالم من حيث عدد الدول المشاركة، وإذا نجحت مصر في استثمار موقعها الجغرافي، وقدراتها الصناعية، وشبكة موانئها، واتفاقياتها التجارية، فإنها تستطيع أن تتحول إلى مركز رئيسي للتصنيع وإعادة التصدير والخدمات اللوجستية، يربط بين إفريقيا وأوروبا وآسيا والشرق الأوسط.
استمرار الاستثمار في القوة الناعمة المصرية

ولا يقل عن ذلك أهمية استمرار الاستثمار في القوة الناعمة المصرية، فالأزهر الشريف، والجامعات المصرية، والكنيسة المصرية، والوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية، والمؤسسات الثقافية والإعلامية، تمثل جميعها أدوات نفوذ لا تقل تأثيرا عن الاستثمارات والمشروعات، فالتاريخ أثبت أن النفوذ الأكثر استدامة هو ذلك الذي يبنى في العقول قبل الأسواق، وفي الإنسان قبل البنية التحتية.
ومن هنا، فإن قراءة التجربة المصرية في إفريقيا تكشف أن الدولة المصرية لم تتخل عن استراتيجيتها، بل أعادت تطويرها بما يتناسب مع تغير الزمن، ففي عهد الرئيس جمال عبد الناصر كان التحدي هو تحرير القارة من الاستعمار، فكانت مصر صوتا للاستقلال، وملاذا لحركات التحرر، وشريكا في تأسيس منظمة الوحدة الإفريقية، وفي المراحل التالية حافظت على جسور التعاون والمؤسسات، رغم تفاوت مستويات الحضور، أما في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي، فقد أصبح التحدي هو التنمية والتكامل الاقتصادي، فتحولت الأولوية إلى الاستثمار، والبنية التحتية، والطاقة، والربط اللوجستي، وبناء الشراكات الاستراتيجية.
وهكذا، لم تنتقل مصر من سياسة إلى أخرى، بل انتقلت من مرحلة إلى مرحلة داخل مشروع استراتيجي واحد، فجوهر الرؤية المصرية ظل ثابتا منذ ثورة يوليو، وهو أن إفريقيا ليست مجالا للنفوذ التقليدي، وإنما شريك في الأمن والمصير والمستقبل، وما تغير هو أدوات تنفيذ هذه الرؤية؛ إذ تحولت من دعم حركات التحرر إلى دعم بناء الدولة، ثم إلى دعم التنمية المستدامة والتكامل الاقتصادي.
ولعل الدرس الأهم الذي تقدمه التجربة المصرية هو أن الدول التي تصنع التاريخ هي وحدها القادرة على صناعة المستقبل، شريطة ألا تكتفي بالاعتزاز بإرثها، بل أن تحسن استثماره وتطويره، وقد نجحت مصر خلال العقود الماضية في بناء أحد أكبر أرصدة الثقة داخل إفريقيا، واليوم تقف أمام فرصة تاريخية لتحويل هذا الرصيد إلى شراكات اقتصادية وتنموية أكثر عمقا، بما يعزز مكانتها كدولة إفريقية محورية، وقوة إقليمية مسؤولة، وشريك موثوق في بناء مستقبل القارة.
نعم لقد بدأت الرحلة في الثالث والعشرين من يوليو عام 1952، عندما آمنت مصر بأن حرية إفريقيا جزء من حريتها، واستمرت في الثلاثين من يونيو والجمهورية الجديدة عندما آمنت بأن تنمية إفريقيا جزء من أمنها القومي وازدهارها، وبين المحطتين لم تتغير البوصلة، وإنما اتسعت الرؤية، وتطورت الأدوات، وتعاظمت الطموحات، وإذا كان القرن العشرون قد منح مصر مكانتها في إفريقيا لأنها وقفت إلى جانب الشعوب في معركة الاستقلال، فإن القرن الحادي والعشرين سيحافظ على هذه المكانة بقدر ما تنجح القاهرة في أن تكون شريكا رئيسيا في التصنيع، والابتكار، والاستثمار، والتكامل القاري، فالتاريخ يمنح الشرعية، لكن المستقبل لا يصنعه إلا العمل، وهذه هي الرسالة الأعمق التي تربط بين ثورة يوليو والجمهورية الجديدة، وتجعل من التجربة المصرية في إفريقيا نموذجا لدولة استطاعت أن تحول إرثها التاريخي إلى مشروع مستمر لبناء المستقبل.
طالع أيضا :

