الدكتور رمضان قرني يكتب : “تهافت” السردية الإعلامية الإثيوبية ( 2 )
تناولنا في مقال سابق بعنوان “تهافت السردية الإعلامية الإثيوبية” نماذج من الحملات الإعلامية الإثيوبية ضد السياسة المصرية في أفريقيا، خاصة في منطقتي حوض النيل والقرن الأفريقي، وأكد المقال أن تلك الحملات ارتكزت على آليات عدة تنوعت بين تصريحات للمسؤولين الإثيوبيين في مناسبات عدة، للنيل من الجهد المصري، ومقالات على مواقع وشبكات ووكالات رسمية “اينا وفانا ” تتهم السياسة المصرية بالسعي لاحتواء إثيوبيا، وثالثة عبر خبراء وبرلمانيين إثيوبيين، يجيدون العربية، من خلال منابر إعلامية وقنوات فضائية، بزعم الدفاع عن السياسة الإثيوبية وشرح توجهاتها للرأي العام العربي.
بيد أن اللافت للنظر أن الأيام الماضية شهدت تكثيفا للحملات الإثيوبية خاصة بعد إطلاق وزير المياه والطاقة الإثيوبي، هابتامو إيتيفا تصريحات قال فيها إن «تدفق مياه النيل باتجاه دول المصبّ سيكون تحت سيطرة بلاده», وأنها “تعتزم المضي قدماً في بناء سدود إضافية على النيل” ، وهو ما يمكن وصفه بأنه “بالون اختبار” للسياسات الإثيوبية و”مناكفة سياسية” إثيوبية، بالنظر إلى المعرفة المسبقة بالتعليقات والمواقف المصرية التي تؤكد على “وجودية ” قضية المياه وعدم التفريط في حقوق مصر التاريخية، وأن مصر لن تقبل ولن تسمح بسيطرة أي أطراف على تدفقات المياه لدول المصبّ.
السرديات الإعلامية الإثيوبية الجديدة
وبالعودة إلى السرديات الإعلامية الإثيوبية الجديدة بعد هذه التصريحات يمكن الوقوف عند القضايا التالية:
أولا: الزعم بتوظيف “القاهرة” الجامعة العربية لخدمة المصالح المصرية.
ثانيا: اتهام مصر بتغذية التوترات في شرق إفريقيا والبحر الأحمر.
ثالثا: سعي مصر إلى إضعاف إثيوبيا والحد من نفوذها الإقليمي. عبر دعم انفصال إريتريا عن إثيوبيا.
رابعا: وصف سياسات مصر بأنها تسعى إلى زعزعة استقرار حوض جنوب البحر الأحمر ، وتمثل تهديدًا مباشرًا للتجارة البحرية العالمية والأمن الإقليمي، والزعم بتحويل مصر الممرات البحرية الحيوية إلى ساحات للمواجهة الجيوسياسية.
خامسا: الدعوة إلى انضمام إثيوبيا إلى جامعة الدول العربية، بزعم أنها تمتلك النهج الدبلوماسي والرؤية الشاملة اللازمين لتوحيد العالم العربي.
بعيدا عن المساجلات السياسية والدعاية “الموجهة” فإن كافة الحجج الإثيوبية السابقة لا تصمد كثيرا أمام المنطق العلمي، ولا الرصد المنهجي والأمين لتوجهات السياسة المصرية على مختلف الصعد، حيث يمكن للباحث المتعقل، وللسياسي الأمين، وللمتابع الدقيق الوقوف عند الحقائق التالية:
تمثل الدعوة الإثيوبية للانضمام إلى جامعة الدول العربية، رغم طابعها البراق وأنها نسق حضاري بين العرب وأفريقيا، ذريعة إثيوبية للوصول إلى البحر الأحمر، في مخالفة صريحة لقواعد القانون الدولي ومواثيق الاتحاد الأفريقي، ولاعجب في ذلك بالنظر إلى سياسات دولة تضرب دائما بقواعد القانون الدولي، في مخالفة قواعد الأنهار الدولية، أو انتهاكها جرائم ضد حقوق الإنسان في بعض أقاليمها مثل تيجراي وأوروميا وأمهرة وأوجادين.
تتنافى الدعوة للانضمام للجامعة العربية مع توجهات سياسة “أديس أبابا” تجاه بعض القضايا العربية الجوهرية، حيث تكشف الوقائع التاريخية والممارسات عن التصاق إثيوبي بسياسات إسرائيل في مواجهة الحقوق العربية المشروعة، ودعم سياسي ودبلوماسي لإقليم أرض الصومال الانفصالي في مواجهة الحكومة الفيدرالية الصومالية، وتقديم دعم عسكري ولوجيستي لميليشيا الدعم السريع في مواجهة الجيش الوطني السوداني.
تنتهج السياسة الخارجية المصرية منذ عشرات السنين على مختلف المستويات مبدأ “المكسب للجميع” وهو مبدأ حاكم لتوجهاتها تجاه مختلف القضايا، وهو الأمر الذي جعل من القاهرة بوابة القوى الدولية للقارة الأفريقية، خاصة الصين واليابان والهند وروسيا، ولعل أبرز الأدلة على ذلك استضافة مصر القمم التمهيدية لشراكات أفريقيا مع الصين وروسيا واليابان وبريطانيا.
تعد فرية توظيف “القاهرة” الجامعة العربية لخدمة المصالح المصرية، فرية لا تصمد أمام حقائق الجغرافيا والتاريخ على الأقل في سياقها الأفريقي، حيث كانت مصر – عبدالناصر- صاحبت الفضل في استضافة إثيوبيا مقر منظمة الوحدة الأفريقية، كما أن “القاهرة” استضافت أول قمة عربية أفريقية عام 1977، في دفع حقيقي للتعاون والتكامل الأفريقي –العربي، ولا تزال تقوم بهذه الأدوار التنموية.
تكشف التقديرات الاقتصادية الدولية وبيانات المؤسسات الدولية عن الخلل الهيكلي الذي يعتري الاقتصاد الإثيوبي بالرغم من تحقيق معدلات نمو مرتفعة، نتيجة سوء التوزيع لمعدلات النمو، وهو الأمر الذي يجعل من قضية “الفقر” قضية محورية في الداخل الإثيوبي، وأنها أبرز تهديدات الدولة الإثيوبية، وفق ما كشفت عن أحد الوثائق الاستراتيجية الحكومية الإثيوبية، كذلك ما نشر مؤخرا بشأن فشل سياسات البنك المركزي في إنقاذ العملة الإثيوبية، ( بحسب وكالة بلومبيرج)، ومن ثم فإن كل هذه المؤشرات تتناقض مع دعوى أديس أبابا بأن دمجها في جامعة الدول العربية سيحوّل البحر الأحمر إلى منطقة اقتصادية مزدهرة.
تتناقض مقولة إن إثيوبيا تؤدي دور ركيزة الاستقرار الأساسية للقرن الإفريقي وحوض البحر الأحمر مع العديد من الوقائع الراهنة ومن أبرزها: الاتهامات بتورط إثيوبي في الصراع السوداني، والحرب الإعلامية الإثيوبية – الإريترية، والتعاون السياسي والأمني مع إقليم “أرض الصومال” الانفصالي، والخلافات مع جيبوتي بشأن منفذ تجاري لأديس أبابا.
يمثل الحديث عن دعم مصر انفصال إريتريا عن إثيوبيا مخالفة تاريخية فجة، حيث كان الاستفتاء على استقلال إريتريا عن إثيوبيا تحت إشراف أممي وأفريقي، كما أن الاستفتاء تم باتفاق الحكومة الإثيوبية وقادة إريتريا برعاية دولية وإشراف مراقبين من الأمم المتحدة ومنظمة الوحدة الأفريقية، والأهم أن هذا الاستفتاء كشف عن الإرادة الحقيقية لشعب إريتريا ( بعد كفاح دام 30 عاما) الذي أيد الانفصال عن إثيوبيا بنسبة بلغت 99.83% في إبريل عام 1993، بل إن الحكومة الإثيوبية كانت من أوائل الدول التي اعترفت بالدولة الجديدة بعد أيام من نتائج الاستفتاء.
وختاما فإن اتهام مصر بأنها تسعى إلى زعزعة استقرار البحر الأحمر ، وتهديد التجارة البحرية العالمية والأمن الإقليمي، محض اتهامات باطلة لا تستند إلى أي حجج ، وربما يكون الرد عليها في مقال جديد يستعرض الأدوار التنموية والأمنية المصرية في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر.
اقرأ المزيد
خبير سوداني يرد على وزير المياه الإثيوبي: «السيطرة على مياه النيل» تكشف الهدف الحقيقي لسد النهضة




