الرأي

الدكتور حمدي عبد الرحمن حسن يكتب : دروس إفريقية .. علمانية سنغور وفضاء المريد

اكتسب مفهوم العلمانية في تراثنا العربي والمصري على وجه التحديد معان مختلفة ارتبطت في معظمها بالعداء للدين , وربما كان ذلك مرتبطا بجهود الأوائل من رواد التحديث بمعناه الغربي, لقد حاول هؤلاء نقل تقاليد العلمانية في تقاليدها الفرنسية بشكل حرفي, وهنا يمكن الاستفادة من الخبرة الأفريقية التي حاولت إضفاء الطابع الأفريقي على كل ما هو قادم من الخارج  وهو الأمر الذي وصفه أحمد سيكوتوري بعملية أفرقة المفاهيم.

وهنا يحضرني نمط الحاكم الفيلسوف الذي قدمه ليوبولد سيدار سنغور مؤسس جمهورية السنغال الحديثة والذي أطلق اسمه على جامعة مصرية أفتتح مقرها مؤخرا في برج العرب,  وُلد سنغور في مدينة جوال الساحلية جنوب العاصمة السنغالية داكار، في أسرة تنتمي إلى قومية السيرير، بينما تعود جذور والدته إلى الفولاني , أي أنه يجمع بين ثقافتين، و إذا أضفنا تعليمه الغربي فإنه يعد مثالا يمشي على قدمين للميراث الثلاثي الذي تحدث عنه مواليمو على مزروعي.

وقد انعكس هذا التنوع الثقافي في فكره وأدبه، حيث كان يؤكد على التعددية الثقافية داخل إفريقيا، ويرى أن الهوية الإفريقية ليست هوية أحادية، بل هي نتاج تفاعل شعوب وثقافات متعددة , تلقى تعليمه الأول في المدارس الكاثوليكية بالسنغال قبل أن ينتقل إلى فرنسا بمنحة دراسية، حيث درس في أرقى المؤسسات التعليمية الفرنسية , وهناك تعرّف إلى نخبة من المفكرين والأدباء، من بينهم الشاعر المارتينيكي إيمي سيزير، الذي شاركه تأسيس مفهوم “الزنوجة”، والذي أصبح لاحقًا أحد أهم التيارات الفكرية والثقافية في إفريقيا والشتات الإفريقي. يقول سنغور:

“أجبرنا الفرنسيون على أن نبحث عن جوهر الزنوجة حين فرضوا سياسة الاستيعاب، فعمّقوا بذلك شعورنا باليأس؛ إذ أدركنا في أعماقنا أن الاستيعاب قد فشل , كان بإمكاننا أن نستوعب الرياضيات أو اللغة الفرنسية، لكننا لم نكن قادرين أبدًا على تغيير جلودنا السوداء، ولا أن نقتلع أرواحنا السوداء.”

 وعلى أي الأحوال تقدم التجربة السنغالية، التي أسسها الرئيس ليوبولد سيدار سنغور بعد الاستقلال، نموذجًا مختلفًا يستحق التأمل، خاصة في ظل الجدل المستمر حول العلاقة بين الدين والسياسة في المجتمعات الإفريقية والعربية.

كان بمقدور سنغور وهو  مسيحي كاثوليكي قاد دولة تزيد نسبة المسلمين فيها على 90% أن يتبنى النموذج الفرنسي بحكم تكوينه الثقافي وتعليمه في باريس، لكنه اختار طريقًا آخر أكثر انسجامًا مع الواقع الإفريقي.

فقد أدرك سنغور مبكرًا أن الطرق الصوفية، وعلى رأسها الطريقة المريدية، ليست مجرد مؤسسات دينية، بل هي أيضًا شبكات اجتماعية واقتصادية وثقافية عميقة الجذور في المجتمع السنغالي, لذلك لم يتعامل معها بوصفها منافسًا للدولة، بل باعتبارها شريكًا في بناء الأمة الجديدة.

في عام 1963، وخلال افتتاح المسجد الكبير في مدينة طوبى، العاصمة الروحية للمريدية، قدم سنغور تعريفًا مختلفًا للعلمانية السنغالية , قال يومها  “في يوم الاثنين الماضي، حضرت بصفتي رئيساً للدولة الحج الوطني الكبير في بوبنغين (بها كنيسة نوتردام دو لا ديليفرانس ), واليوم، حضرت افتتاح المسجد الكبير في طوبى. إن حضور هاتين المناسبتين لن يدهش إلا أولئك الذين يتجاهلون حقائق إفريقيا .. بالنسبة لنا، السنغاليين، يشكل هذا أساس سياستنا الوطنية… لقد وجدت دائماً الدعم والمشورة والراحة بينكم… إن العلمانية بالنسبة لنا ليست إلحاداً ولا دعاية معادية للدين ..وأقدم لكم دليلا واحدا فقط يتمثل في المواد التي ينص عليها الدستور والتي تضمن استقلالية الطوائف الدينية.. ويذهب دستورنا إلى أبعد من ذلك؛ فهو يحول هذه الطوائف الدينية إلى جهات اسناد للدولة في مهمتها التعليمية، ومهمتها الثقافية.. فالدين جزء أساسي من الثقافة”. 

كان هذا الموقف سابقًا لعصره. فبدلًا من إقصاء الدين عن المجال العام، تبنى سنغور ما يمكن تسميته بالعلمانية التشاركية ، حيث تؤدي الدولة والمؤسسات الدينية أدوارًا متكاملة في خدمة المجتمع. وقد تحولت الطرق الصوفية إلى حليف مهم للدولة في مجالات التعليم والتماسك الاجتماعي والاستقرار السياسي.

لكن هذه العلاقة لم تكن قائمة فقط على المجاملات الرمزية. فقد كان هناك تبادل واضح للمصالح. حصلت الطرق الصوفية على الاعتراف الرسمي والدعم السياسي والاقتصادي، بينما وفرت للدولة الشرعية الاجتماعية والدعم الشعبي، خصوصًا في الأرياف. وخلال الأزمات السياسية التي واجهت نظام سنغور، سواء في محاولة الانقلاب التي قادها رئيس الوزراء مامادو ضيا عام 1962 أو خلال احتجاجات عام 1968، وقفت قيادة المريدية إلى جانب الدولة وأسهمت في حماية النظام السياسي.

وقد رأى بعض الباحثين في هذه العلاقة نموذجًا لما يسمى “التسامح المزدوج”، أي اعتراف الدولة بالدور العام للدين، مقابل اعتراف المؤسسات الدينية بشرعية الدولة المدنية, وهو نموذج يختلف جذريًا عن الفكرة الشائعة التي تفترض أن الديمقراطية والعلمانية لا يمكن أن تنجحا إلا عبر استبعاد الدين من الفضاء العام.

ومع ذلك، فإن العلاقة بين الدولة والمريدية لم تكن دائمًا علاقة تبعية من جانب واحد, فالمريدية لم تكن مجرد أداة في يد السلطة السياسية, بل احتفظت بهامش واسع من الاستقلالية، وأحيانًا مارست ضغوطًا على الدولة دفاعًا عن مصالح أتباعها , فعندما ضربت الأزمات الاقتصادية والجفاف السنغال في سبعينيات القرن الماضي، تحول الخليفة العام للمريدية سيرين عبد الأحد إلى أحد أبرز منتقدي سياسات الحكومة، مطالبًا بتحسين أوضاع المزارعين , واضطرت الدولة في النهاية إلى رفع أسعار المحاصيل الزراعية وإلغاء بعض الديون استجابة لهذه الضغوط.

ومن هنا تكمن خصوصية التجربة السنغالية, فالمريدية لم تكن “دولة داخل الدولة” بالمعنى التقليدي فحسب، بل كانت أيضًا وسيطًا بين الدولة والمجتمع ,وقد فرضت عليها مكانتها الاجتماعية أن توازن باستمرار بين الحفاظ على علاقتها بالسلطة وبين الدفاع عن مصالح قواعدها الشعبية.

غير أن هذا النموذج لم يخلُ من الانتقادات, فقد رأى بعض المثقفين السنغاليين أن التحالف بين الحزب الاشتراكي الحاكم أيام سنغور والطرق الصوفية أسهم في ترسيخ شبكات المحسوبية وإضعاف التنافس الديمقراطي ,كما اعتبر آخرون أن النفوذ السياسي الواسع للمشايخ الدينيين حدّ من تطور مؤسسات الدولة الحديثة.

لكن رغم هذه الانتقادات، تبقى التجربة السنغالية واحدة من أكثر التجارب نجاحًا في إفريقيا في إدارة العلاقة بين الدين والدولة, فبينما شهدت دول إفريقية عديدة صراعات حادة بين السلطة السياسية والحركات الإسلامية أو بين النخب العلمانية والمؤسسات الدينية، استطاعت السنغال الحفاظ على قدر ملحوظ من الاستقرار السياسي والتعايش الديني.

إن أهم درس يقدمه سنغور للعالم العربي اليوم هو أن العلمانية ليست نموذجًا واحدًا جامدًا , فقد تكون العلمانية إطارًا للتعايش والاحترام المتبادل بين الدولة والدين، بدلًا من أن تكون مشروعًا للصراع أو الإقصاء , كما أن المؤسسات الدينية التقليدية ليست بالضرورة عائقًا أمام الدولة المدنية الحديثة، بل يمكن أن تتحول إلى شريك في الاستقرار والتنمية إذا أُديرت العلاقة معها بحكمة وتوازن.

لقد فهم سنغور ما عجز كثيرون عن فهمه: أن الدولة الإفريقية الحديثة لا يمكن أن تُبنى ضد المجتمع، وأن الدين في إفريقيا ليس مجرد عقيدة شخصية، بل مؤسسة اجتماعية وثقافية وسياسية لا يمكن تجاهلها, وربما لهذا السبب ظل إرثه السياسي حاضرًا في السنغال حتى اليوم، بوصفه مؤسسًا لنموذج فريد من التعايش بين الدولة المدنية والتدين المجتمعي , لعلهم يتفكرون! .

 

طالع أيضا :

الدكتور رمضان قرني يكتب : “تهافت ” السردية الإعلامية الإثيوبية ( 2 )

زر الذهاب إلى الأعلى