أخبار عاجلةالرأي

رامي زهدي يكتب : الحقيقة أولًا.. قراءة كاملة لدور مصر في سد جوليوس نيريري

دأبت بعض وسائل الإعلام الإثيوبية خلال الأيام القليلة الماضية، عقب افتتاح سد ومحطة «جوليوس نيريري» الكهرومائية علي نهر روفيجي في تنزانيا والذي يعد ثاني أكبر السدود الإفريقية من حيث توليد الطاقة الكهرومائية، على نشر أكاذيب وروايات ومعلومات غير حقيقية بشأن الدور المصري في تنفيذ المشروع، وكان أحدث هذه التقارير تقرير نشرته صحيفة «غازيتا بلاس» بشأن السد.

والرد على ما ورد في هذا التقرير وغيره من الأكاذيب الإثيوبية لا يأتي من باب الدفاع وتصحيح معلومة غير دقيقة، وإنما دفاعًا عن القراءة الكاملة للمعلومة ووضعها في سياقها الصحيح؛ لأن الفارق كبير بين تصحيح معلومة غير دقيقة وبين تقديم نصف الحقيقة باعتبارها الحقيقة كاملة.

وأبدأ من النقطة التي لا خلاف عليها: سد جوليوس نيريري مشروع تنزاني، وتمويله الأساسي تم من الجانب التنزاني، وليس من الصحيح وصفه بأنه مشروع قامت الحكومة المصرية بتمويل تكلفته بالكامل من الموازنة المصرية.

وهذا أمر لا يحتاج إلى جدل، بل تؤكده السجلات التنزانية، لكن من هنا تبدأ المشكلة في الأكاذيب الإثيوبية ، لأن الانتقال من حقيقة أن التمويل تنزاني إلى القول إن المشاركة المصرية لم تكن سوى مشاركة “شركات مقاولات تجارية” هو استنتاج غير دقيق، ولا يعكس طبيعة المشروع ولا مستوى الدور المصري فيه.

ولنعد إلى الوثائق الرسمية نفسها، فشركة الكهرباء التنزانية TANESCO تقول بوضوح إن الحكومة التنزانية، ممثلة في TANESCO، وقعت في 12 ديسمبر 2018 عقدا من نوع الهندسة والتوريد والإنشاء والتشغيل التجريبي EPCC مع ائتلاف يضم شركة المقاولون العرب وشركة السويدي إليكتريك، وأن أعمال الإنشاء بدأت رسميا في 15 يونيو 2019 إذن نعم، المشروع تنزاني، والجهة المالكة والمتعاقدة هي الجانب التنزاني..لكن هل هذا يعني أن الدور المصري كان مجرد دور مقاول تجاري عابر؟

هنا الإجابة: لا.

والدليل ليس تصريحات إعلامية مصرية، وإنما ما أعلنته مؤسسة الرئاسة المصرية نفسها، ففي أبريل 2023 أعلنت رئاسة الجمهورية أن الرئيس عبد الفتاح السيسي تابع تطورات العمل في سد جوليوس نيريري، ووصفته بأنه أكبر مشروع تنموي يتم تنفيذه في تنزانيا، وأكدت أن المشروع ينفذه تحالف المقاولون العرب والسويدي إليكتريك “بإشراف الحكومة المصرية”، ووصفته بأنه نموذج للتعاون المصري مع الدول الإفريقية.

وفي ديسمبر 2023 أعلنت الرئاسة المصرية أن الرئيس السيسي يتابع مراحل تنفيذ المشروع لضمان تحقيق أفضل مستويات الأداء وفقا لأعلى المعايير العالمية، وربطت ذلك صراحة بالاستفادة التنزانية من الخبرات المصرية في المشروعات العملاقة.

وفي نوفمبر 2021 كان الموقف المصري أكثر وضوحا، عندما أعلن الرئيس السيسي خلال لقائه الرئيسة التنزانية سامية حسن “الدعم الكامل” لتنفيذ مشروع سد جوليوس نيريري، وأن يصبح المشروع نموذجا ورمزا للتعاون والصداقة بين مصر وتنزانيا.

إذن نحن أمام ثلاثة مستويات مختلفة يجب عدم خلطها:

تمويل المشروع، وهو تنزاني.

تنفيذ المشروع، وهو من خلال تحالف مصري يضم المقاولون العرب والسويدي إليكتريك.

الدعم والمتابعة السياسية والفنية المصرية، وهو دور موثق رسميا ولا يمكن اختزاله في عبارة “شركات مقاولات حصلت على عقد”.

بل إن الرئاسة المصرية استخدمت في نوفمبر 2024 تعبير “الدعم المصري” للمشروع، بينما تحدث الرئيس السيسي عن حرص مصر على تقديم مختلف صور الدعم للجهود التنموية في الدول الإفريقية.

وهنا يجب أن نتوقف عند نقطة جوهرية في فهم العلاقات الإفريقية.

الدولة لا تقدم دورها في الخارج فقط من خلال دفع الأموال.

هناك القوة الاقتصادية، والخبرة الفنية، والشركات الوطنية، ونقل التكنولوجيا، والتدريب، وبناء القدرات، والدعم السياسي، والمتابعة الحكومية، وفتح الأسواق، وبناء الثقة بين الدول.

وفي حالة سد جوليوس نيريري، فإن مصر قدمت واحدة من أهم قدراتها التنفيذية والهندسية من خلال شركتين مصريتين شاركتا في بناء مشروع قومي ضخم داخل تنزانيا.

بل إن السجلات المالية التنزانية نفسها لا تقدم الصورة التي تحاول الادعاءات والأكاذيب الإثيوبية اختزالها في عبارة “الشركات حصلت على عقد وانتهى الأمر”، ففي تقرير المراجع العام التنزاني تظهر دفعات مقدمة مرتبطة بمشروع محطة جوليوس نيريري، ويظهر اسم الائتلاف المصري، المقاولون العرب والسويدي، باعتباره المقاول المنفذ، مع معالجة الدفعات وفقا لمراحل الإنجاز وشهادات إتمام الأعمال.

وهذا طبيعي في أي مشروع بهذا الحجم: المالك يمول، والمقاول ينفذ، والمدفوعات تتم وفقا للعقد ومراحل الإنجاز،(لكن) القيمة السياسية والاستراتيجية لا تختفي لمجرد أن الأموال خرجت من خزينة الدولة المالكة للمشروع.

ولو أخذنا هذا المنطق إلى نهايته، لاضطررنا إلى القول إن أي دولة تنفذ شركة وطنية تابعة لها مشروعا استراتيجيا في دولة أخرى لا علاقة لها بالمشروع إلا بوصفها “مقاولا”، وهو فهم قاصر لطبيعة القوة الاقتصادية والدبلوماسية في عالم اليوم.

هناك أيضا نقطة أخرى في التقرير الإثيوبي المنشور في ” غازيتا بلاس ” تتعلق بموعد الإنجاز.. نعم، من حق أي جهة تحقق أن تشير إلى أن الموعد الأصلي للتنفيذ لم يكن هو الموعد النهائي الفعلي، وأن المشروع شهد تمديدات زمنية، ولا أرى أي مشكلة في الاعتراف بذلك، فالمشروع العملاق ليس بحاجة إلى تجميل أرقامه أو مواعيده حتى نثبت نجاحه، لكن التأخير في التنفيذ لا يلغي حجم الإنجاز، كما أن الإقرار بوجود تمديدات زمنية لا يحول المشروع إلى فشل.

والأهم أن تقييم المشروع يجب أن يتم على أساس ما أنجز فعليا، وتأثيره على قطاع الطاقة في تنزانيا، وقدرة الشركات المصرية على تنفيذ مشروع بهذا الحجم والتعقيد، وليس من خلال انتقاء نقطة واحدة واستخدامها لإعادة تعريف المشروع كله.

والسؤال الأهم هنا:

لماذا تحاول وسائل الإعلام الإثيوبية أصلا تحويل قضية سد جوليوس نيريري إلى معركة حول “من دفع المال”؟ .. إذا كانت تنزانيا هي التي مولت مشروعها الوطني، فهذا ليس انتقاصا من مصر، بل العكس، إنه يعني أن مصر استطاعت أن تقدم لتنزانيا خبرة هندسية وتنفيذية على مستوى مشروع قومي ضخم، وأن شركات مصرية استطاعت المنافسة والفوز بتنفيذ أحد أهم مشروعات البنية الأساسية في دولة إفريقية.

وهذا في حد ذاته إنجاز مصري اقتصادي واستراتيجي، كما أن نجاح المشروع لا يعني أن مصر بنت سدا في دولة أخرى بأموالها، وإنما يعني أن مصر استطاعت أن تكون شريكا تنفيذيا وفنيا واستراتيجيا في مشروع تنموي تنزاني، مع احترام كامل لملكية تنزانيا لمشروعها وتمويلها له.

وهذا النموذج تحديدا هو الذي يجب أن نتحدث عنه عندما نتحدث عن العلاقات المصرية الإفريقية الحديثة، نحن لا نريد علاقة تقوم على المنح فقط، ولا نريد أن تكون إفريقيا سوقا للمساعدات، نريد علاقة تقوم على الشراكة، والاستثمار، ونقل الخبرة، والشركات الوطنية، والتجارة، والتصنيع، والبنية الأساسية، والتدريب، وبناء القدرات، وسد جوليوس نيريري يقدم نموذجا مهما لهذا النوع من العلاقات.

لذلك، إذا كانت “غازيتا بلاس” تريد تصحيح معلومة، فأنا أتفق معها في ضرورة عدم القول إن مصر مولت تكلفة إنشاء السد بالكامل، أما إذا كان الهدف من التصحيح هو الوصول إلى نتيجة مفادها أن “مصر لم يكن لها في المشروع سوى دور مقاول تجاري”، فهذه نتيجة لا تتفق مع الوثائق الرسمية، والفارق بين الأمرين كبير، التمويل تنزاني، نعم، والملكية تنزانية، نعم، والعقد أبرمته TANESCO باسم الحكومة التنزانية، نعم، لكن التنفيذ مصري، والتحالف المنفذ مصري، والمتابعة المصرية رسمية وعلى أعلى مستوى، والدعم السياسي والفني المصري للمشروع موثق، والرئاسة المصرية نفسها ربطت المشروع بنموذج التعاون والصداقة بين البلدين.

ومن هنا فإن التوصيف الأدق ليس “سد مصري”، فهذا غير صحيح، وليس أيضا “مشروعا تنزانيا لا علاقة لمصر به إلا كمقاول”، فهذا أيضا غير صحيح.. التوصيف الأدق هو، سد جوليوس نيريري مشروع وطني تنزاني ممول من الجانب التنزاني، نفذه تحالف مصري من المقاولون العرب والسويدي إليكتريك، وحظي بدعم ومتابعة سياسية وفنية مصرية رفيعة المستوى، ليصبح أحد أبرز نماذج التعاون المصري التنزاني في مجال البنية الأساسية والطاقة.

وهذا ليس دفاعا عن مصر لمجرد الدفاع، هذه هي الحقيقة عندما نضع كل عناصرها أمام القارئ، وفي قضايا العلاقات المصرية الإفريقية، خصوصا في حوض النيل، لا ينبغي أن نمارس انتقائية في عرض المعلومات، لا نضخم الدور المصري فنقول إن مصر مولت ما لم تموله، ولا نقلل من الدور المصري فنقول إن الدولة لم تفعل شيئا سوى أن شركة مصرية حصلت على عقد مشروع وقامت بتنفيذه .

القراءة المهنية تقتضي أن نقول الحقيقة كاملة، حتى لو كانت أكثر تعقيدا من العناوين السريعة، وتلك هي القاعدة التي ألتزم بها دائما في تناول الشأن الإفريقي: لا ندافع عن مصر بمعلومة غير صحيحة، ولا ننتقص من دور مصر بمعلومة ناقصة.

الحقيقة أولا ..

  • رامي زهدي .. خبير مصري في الشؤون الإفريقية .

 

طالع أيضا :

رامي زهدي يكتب : ممر برنيس ـ إنجامينا .. طريق إلي المستقبل الإفريقي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى