أخبار عاجلةالرأي

الدكتور حسين عبد البصير يكتب: عندما يصبح الكتاب شريكًا في التفكير

منذ أن عرف الإنسان الكتابة وهو يحاول أن يمنح أفكاره فرصة للنجاة من الزمن ، لم تكن الكتابة مجرد تسجيل للكلمات، ولم يكن الكتاب مجرد صفحات متراصة بين غلافين، وإنما كان دائمًا واحدة من أعظم الأدوات التي اخترعها الإنسان لكي يحفظ الذاكرة وينقل المعرفة ويصنع الخيال ويترك أثرًا بعد الرحيل.

ولهذا فإن السؤال عن مستقبل الكتاب في عصر الذكاء الاصطناعي ليس سؤالًا عن الورق فقط، وليس سؤالًا عن مصير دور النشر والمكتبات وحدها، بل هو سؤال عن مستقبل علاقتنا بالمعرفة نفسها.

هل سيظل الكتاب شيئًا نقرأه؟

أم سيصبح شيئًا نتحدث معه؟

هل سيظل النص مغلقًا ينتظر القارئ؟

أم يصبح النص عالمًا مفتوحًا يتغير بتغير القارئ؟

وهل سيظل المؤلف هو الشخص الذي يكتب الكلمات فقط؟

أم يتحول في المستقبل إلى صانع عوالم وتجارب وأسئلة؟

هذه الأسئلة تبدو اليوم وكأنها تنتمي إلى المستقبل لكنها في الحقيقة بدأت بالفعل.

الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد آلة تبحث عن معلومة أو ترتب البيانات. لقد أصبح قادرًا على إنتاج النصوص والصور والأصوات والفيديوهات والمساعدة في البحث والتحرير والترجمة وصناعة المحتوى. ولذلك لم يعد من الممكن أن نتعامل معه باعتباره أداة تقنية بعيدة عن الثقافة. لقد دخل إلى قلب العملية الإبداعية نفسها وأعاد طرح السؤال القديم بطريقة جديدة جدًا: من الذي يكتب؟ ومن الذي يبدع؟ وما معنى أن يكون الإنسان مؤلفًا في عالم تستطيع فيه الآلة أن تنتج نصًا مقنعًا خلال ثوان؟

وهنا تبدأ القصة.

تخيلوا قارئًا في عام 2043 يجلس في غرفة هادئة في إحدى مدن العالم. لا يحمل كتابًا ورقيًا ولا يفتح ملفًا إلكترونيًا بالمعنى الذي نعرفه اليوم. أمامه كتاب جديد.

يفتح الكتاب.

فيقول له الكتاب:

ماذا تريد أن تعرف؟

يتردد القارئ قليلًا ثم يسأل:

أريد أن أعرف لماذا يخاف الإنسان من الموت.

لا يعطيه الكتاب تعريفًا فلسفيًا سريعًا.

بل يفتح أمامه رحلة.

ينقله إلى نصوص المصريين القدماء عن العالم الآخر ثم إلى أفلاطون ثم إلى شكسبير ثم إلى دوستويفسكي ثم إلى أدب القرن العشرين ثم إلى الرواية المعاصرة.

ثم يسأله:

هل تريد أن ترى كيف تغيرت فكرة الموت عبر الحضارات؟

فيجيب:

نعم.

وفجأة يتحول الكتاب من مجموعة صفحات إلى خريطة للإنسان.

هذه ليست رواية خيالية بعيدة تمامًا عن المستقبل.

إنها صورة لما يمكن أن يحدث عندما يصبح الكتاب تفاعليًا وقادرًا على استخدام الذكاء الاصطناعي لفهم أسئلة القارئ وربط المعرفة ببعضها بعضًا.

لكن المفاجأة الأكبر ليست أن الكتاب يستطيع الإجابة.

المفاجأة أن الكتاب قد يصبح قادرًا على طرح الأسئلة.

وهنا تتغير العلاقة بالكامل.

في الماضي كان القارئ يسأل الكتاب.

في المستقبل قد يسأل الكتاب القارئ.

قد يقول له:

لماذا اخترت هذه الشخصية؟

لماذا توقفت عند هذا الفصل؟

هل ترفض ما يقوله المؤلف أم أنك تخشى أن يكون صحيحًا؟

عندها يصبح الكتاب مرآة.

وهذه ربما تكون واحدة من أكثر التحولات إثارة في تاريخ القراءة.

فالكتاب الذي عرفناه كان نافذة نطل منها على العالم.

أما الكتاب القادم فقد يكون نافذة نطل منها على أنفسنا.

وهذا لا يعني أن الكتاب الورقي سيموت.

ربما يحدث العكس.

قد يصبح الكتاب الورقي أكثر قيمة لأنه سيحتفظ بوظيفة مختلفة. قد يصبح شيئًا نقتنيه ونلمسه ونضعه في مكتبتنا ونورثه لأبنائنا. وفي عالم شديد الرقمية قد تصبح المادة نفسها جزءًا من تجربة الكتاب.

قد يظل هناك قارئ يريد أن يلمس الورق ويشم رائحته ويضع علامة بين الصفحات ويكتب ملاحظة في الهامش.

وقد يظهر قارئ آخر لا يريد الورق على الإطلاق ويريد كتابًا صوتيًا يتحدث معه أثناء السير أو القيادة.

وقد يظهر قارئ ثالث يريد كتابًا تفاعليًا يستطيع أن يدخل إليه ويخرج منه كما يدخل إلى عالم افتراضي.

وهكذا لن يكون هناك كتاب واحد في المستقبل.

ستكون هناك عائلة كاملة من الكتب.

كتاب للعين.

وكتاب للأذن.

وكتاب للعقل.

وكتاب للتجربة.

وكتاب للحوار.

وربما كتاب يتغير كلما قرأناه.

لكن هنا علينا أن نتوقف.

لأن هناك خطرًا حقيقيًا.

يمكن للذكاء الاصطناعي أن يجعل كل شيء سريعًا.

وهذه ميزة عظيمة لكنها قد تكون أيضًا مشكلة عظيمة.

يمكن أن نقول للآلة:

اختصر لي الرواية.

فتختصرها.

ثم نقول:

اختصر الاختصار.

فتفعل.

ثم نقول:

أعطني الفكرة في سطر.

فتعطينا السطر.

لكن ماذا خسرنا في الطريق؟

خسرنا الرحلة.

والرحلة هي جوهر القراءة.

الرواية ليست مجموعة معلومات عن أحداث.

الرواية زمن نعيشه.

نحن نحتاج إلى أن نتوه داخلها.

نحتاج إلى أن ننتظر.

نحتاج إلى أن نشك.

نحتاج إلى أن نغير رأينا.

نحتاج إلى أن نتألم مع شخصية ثم نكتشف أنها كانت مخطئة.

نحتاج إلى أن نصل إلى النهاية ونشعر أن شيئًا في داخلنا تغير.

الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يقدم لنا الإجابة بسرعة.

لكن الأدب في كثير من الأحيان لا يريد منا الوصول السريع إلى الإجابة.

الأدب يريد أن يجعلنا نعيش السؤال.

وهنا تكمن قيمة الكتاب التي لا ينبغي أن تضيع.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث في عصر الذكاء الاصطناعي ليس أن الآلة تكتب رواية أفضل من الإنسان.

الأخطر أن الإنسان نفسه يتوقف عن القراءة الطويلة والتفكير الطويل والصبر على الأفكار المعقدة.

قد يصبح الإنسان قادرًا على معرفة كل شيء لكنه غير قادر على فهم أي شيء بعمق.

وهذا هو الفارق بين المعلومات والمعرفة.

وبين المعرفة والحكمة.

وبين الحكمة والإنسانية.

الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يجمع المعلومات بسرعة مذهلة.

لكنه لا ينبغي أن يصبح عذرًا لكي نتوقف عن التفكير.

بل يجب أن يصبح أداة تجعلنا نفكر أكثر.

وهنا تظهر قيمة الكاتب.

في عالم تستطيع فيه الآلة إنتاج ملايين الكلمات لن تكون المشكلة في إنتاج الكلمات.

ستكون المشكلة في إنتاج المعنى.

قد تستطيع الآلة أن تكتب ألف قصة.

لكن من يقرر أي قصة تستحق أن تُقرأ؟

من يقرر أي شخصية تستحق أن نتذكرها؟

من يقرر أي سؤال يجب أن يظل مفتوحًا؟

ومن يقرر متى يكون الصمت أكثر بلاغة من الكلام؟

هنا يظهر الإنسان.

وهنا تصبح التجربة الشخصية والخيال والذاكرة والضعف والخوف والحب والفقدان عناصر لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد بيانات.

الكاتب لا يكتب فقط لأنه يعرف الكلمات.

الكاتب يكتب لأنه عاش.

حتى لو كانت التجربة خيالية فإن الخيال نفسه نتاج حياة داخلية.

الكاتب يحمل معه طفولته وأحلامه وخساراته وأسئلته ومخاوفه وذكرياته وصداقاته وأعداءه ومدنه وشوارعه وروائح الأماكن التي عاش فيها.

كل ذلك يدخل إلى النص.

ولهذا فإن أعظم قيمة للكاتب في المستقبل لن تكون عدد الصفحات التي يستطيع إنتاجها.

ستكون قدرته على رؤية الإنسان.

وقد يصبح الكاتب في المستقبل أشبه بالمهندس الذي يبني عالمًا لا مجرد مؤلف يكتب نصًا.

قد يكتب العالم الروائي قواعده وشخصياته وتاريخه ولغته وأماكنه.

ثم يأتي الذكاء الاصطناعي ليجعل هذا العالم قابلًا للتوسع والتفاعل.

وهنا يمكن أن تتغير صناعة الرواية جذريًا.

في الماضي يكتب الكاتب رواية ويقرأها ملايين الأشخاص.

في المستقبل قد يصنع الكاتب عالمًا روائيًا يدخله ملايين القراء.

كل قارئ يرى زاوية مختلفة.

كل قارئ يطرح أسئلة مختلفة.

كل قارئ قد يعيش مسارًا مختلفًا.

وهنا يتحول القارئ من متلقٍ إلى مشارك.

لكن لا ينبغي أن نبالغ في الاحتفال بهذه الثورة.

فالمشاركة ليست دائمًا أفضل من التأمل.

والتفاعل ليس دائمًا أعمق من الصمت.

هناك قيمة عظيمة في أن يقرأ الإنسان نصًا لا يستطيع تغييره.

أن يقبل قواعد اللعبة التي وضعها الكاتب.

أن يعيش النهاية التي اختارها المؤلف.

أن يشعر بالعجز أمام مصير شخصية يحبها.

هذه الحدود نفسها جزء من جمال الأدب.

لذلك فإن مستقبل الكتاب لن يكون في إلغاء الكتاب القديم.

سيكون في توسيع إمكاناته.

مثلما لم تقتل السينما المسرح ولم يقتل التلفزيون السينما ولم يقتل الإنترنت الكتاب.

كل وسيلة جديدة أعادت توزيع الأدوار.

والذكاء الاصطناعي سيفعل الشيء نفسه.

سوف يقتل بعض أشكال الكتابة التي تعتمد على جمع المعلومات وإعادة ترتيبها فقط.

وسوف يجعل بعض الكتب التقليدية أقل ضرورة.

لكن الكتب التي تمتلك رؤية وصوتًا وتجربة إنسانية ستظل قادرة على الحياة.

بل ربما تصبح أكثر قيمة.

لأننا في عالم الوفرة سنبحث عن الندرة.

والندرة القادمة لن تكون المعلومات.

المعلومة أصبحت وفيرة.

الندرة ستكون الوقت.

والانتباه.

والثقة.

والصوت الإنساني الحقيقي.

سيصبح السؤال:

هل يستحق هذا الكتاب ساعتين من حياتي؟

هل يستحق هذا الكاتب أن أتبعه؟

هل هذا النص يغير شيئًا في طريقة رؤيتي للعالم؟

وهذه أسئلة ثقيلة جدًا على صناعة النشر.

لكنها في الوقت نفسه فرصة عظيمة.

فالمستقبل قد يعيد للكتاب مكانته باعتباره تجربة وليس سلعة فقط.

وقد يصبح الكتاب الذي نحتفظ به هو الكتاب الذي ترك شيئًا في داخلنا.

وهنا أرى فرصة ضخمة لمصر.

مصر لا تملك فقط آلاف الكتب التي يمكن رقمنتها.

مصر تملك حضارة كاملة يمكن إعادة تقديمها للأجيال الجديدة بطرق لم تكن ممكنة من قبل.

يمكن للكتاب عن الحضارة المصرية القديمة أن يتحول إلى رحلة.

يمكن للطفل أن يدخل إلى مدينة مصرية قديمة.

يمكنه أن يرى كيف كان الناس يعيشون.

كيف كانوا يأكلون.

كيف كانوا يكتبون.

كيف كانوا يعبدون آلهتهم.

كيف كانوا يدفنون موتاهم.

كيف كانت الأسرة المصرية تعيش.

كيف كان العامل يعمل.

كيف كانت المرأة تدير بيتها.

كيف كان الكاهن يفكر.

كيف كان الملك يرى العالم.

وهنا تصبح الآثار حية مرة أخرى.

ليس بمعنى اختراع تاريخ جديد.

بل بمعنى إعادة تقديم التاريخ الموثق بطريقة تجعل الإنسان المعاصر قادرًا على التفاعل معه.

يمكن أن يصبح المتحف كتابًا.

ويمكن أن يصبح الكتاب متحفًا.

يمكن أن تصبح القطعة الأثرية بداية لقصة.

يمكن أن تتحول القصة إلى رحلة داخل الموقع الأثري.

ويمكن أن يعود القارئ من الرحلة إلى الكتاب وهو يرى القطعة بعين مختلفة.

هذه هي قوة التكنولوجيا عندما تُستخدم لخدمة الثقافة.

لكن هناك شرطًا لا يمكن التنازل عنه.

الحقيقة.

كلما أصبح الذكاء الاصطناعي قادرًا على إنتاج نصوص مقنعة أصبح واجب التحقق أكبر.

في التاريخ والآثار تحديدًا لا يمكن أن نسمح بأن تتحول الخوارزمية إلى مؤلف للتاريخ.

يجب أن يكون هناك فرق واضح بين ما نعرفه وما نعتقده وما نختلف عليه وما لا نعرفه.

الذكاء الحقيقي ليس أن يقدم النظام إجابة عن كل سؤال.

الذكاء الحقيقي أن يعرف متى يقول لا نعرف.

وهذه الجملة الصغيرة قد تصبح واحدة من أهم جمل المستقبل.

لأن العالم القادم سيكون عالمًا تتجاور فيه الحقيقة مع المعلومات الكاذبة والتفسير مع الاختلاق والبحث العلمي مع المحتوى المصنوع من أجل المشاهدة فقط.

ولهذا سيحتاج الإنسان إلى مهارة جديدة.

لن يكون كافيًا أن يعرف كيف يستخدم الذكاء الاصطناعي.

سيحتاج إلى أن يعرف كيف يشك فيه.

أن يسأله.

أن يراجعه.

أن يقارن.

أن يتحقق.

أن يقول له أحيانًا:

أثبت لي ذلك.

وهنا يصبح التعليم مختلفًا.

لن يكون الهدف أن نحفظ المعلومات فقط.

سيصبح الهدف أن نتعلم كيف نستخدم المعلومات وكيف نختبرها وكيف نفكر فيها.

وقد يصبح الكتاب أفضل معلم لهذه المهارة إذا أعيد تعريفه بطريقة صحيحة.

أتخيل كتابًا مستقبليًا في التاريخ يقول للطالب:

هذه حقيقة مؤكدة.

وهذه نظرية.

وهذا رأي مختلف.

وهذا سؤال لم يحسمه العلماء.

ثم يسأل الطالب:

أي تفسير تراه أكثر إقناعًا ولماذا؟

هنا لا يكون الكتاب قد أعطى الطالب إجابة فقط.

لقد علمه كيف يفكر.

وهذه هي المهمة التي لا ينبغي أن نتخلى عنها.

في النهاية قد يصبح الكتاب أكثر ذكاءً.

لكن يجب ألا يصبح القارئ أقل ذكاءً.

قد يصبح الكتاب أكثر سرعة.

لكن يجب ألا يصبح الإنسان أكثر استعجالًا.

قد يصبح الكتاب أكثر تفاعلية.

لكن يجب ألا نفقد قدرتنا على التأمل.

قد يصبح الكتاب قادرًا على التحدث.

لكن يجب ألا ننسى قيمة الصمت الذي يحدث داخلنا عندما نقرأ جملة عظيمة.

وهنا أصل إلى الفكرة التي أراها الأهم.

الكتاب لن يموت بسبب الذكاء الاصطناعي.

الكتاب سيمر بتحول تاريخي جديد.

مثلما تغيرت أدوات الكتابة عبر آلاف السنين سيتغير شكل الكتاب مرة أخرى.

لكن جوهره سيبقى.

إنسان يريد أن يقول شيئًا.

وإنسان آخر يريد أن يسمع.

إنسان يريد أن يحكي.

وإنسان آخر يريد أن يعيش الحكاية.

إنسان يريد أن يفهم العالم.

وإنسان آخر يريد أن يفهم نفسه.

وربما تكون المفارقة الكبرى أن الذكاء الاصطناعي الذي نخشاه اليوم على مستقبل الكتاب قد يعيد اكتشاف قيمة الكتاب لنا.

عندما تصبح الإجابات سهلة ستصبح الأسئلة أكثر قيمة.

عندما تصبح المعلومات مجانية أو شبه مجانية ستصبح الرؤية أكثر قيمة.

عندما تصبح الكتابة متاحة للجميع ستصبح الأصالة أكثر قيمة.

وعندما تستطيع الآلة أن تحاكي اللغة سيصبح صوت الإنسان الحقيقي أكثر ندرة.

وهنا ربما لا يكون مستقبل الكتاب في أن يصبح آلة.

بل في أن يجعل الإنسان أكثر إنسانية.

تخيلوا ذلك القارئ في عام 2043 وقد أنهى كتابًا تفاعليًا ضخمًا.

يستطيع الكتاب أن يجيبه عن آلاف الأسئلة.

يستطيع أن يغير طريقة السرد.

يستطيع أن يعيد بناء الأحداث.

يستطيع أن يشرح التاريخ.

يستطيع أن يترجم.

يستطيع أن يتذكر ما قرأه القارئ.

ثم يغلق القارئ الكتاب.

يجلس في الظلام.

ولا يسأل الكتاب شيئًا.

لأنه للمرة الأولى فهم أن هناك سؤالًا لا يمكن أن يجيب عنه الذكاء الاصطناعي.

سؤال لا يتعلق بما يعرفه الإنسان.

بل بما يريد أن يكونه.

وهنا تبدأ مهمة الكتاب الحقيقية.

أن يترك الإنسان أمام نفسه.

أن يجعله أكثر قدرة على الحب.

وأكثر شجاعة في مواجهة الخوف.

وأكثر قدرة على فهم الآخر.

وأكثر استعدادًا للشك.

وأكثر رغبة في المعرفة.

فربما لا يكون أعظم كتاب في المستقبل هو الكتاب الذي يعرف كل شيء.

بل الكتاب الذي يجعلنا نرغب في أن نعرف أكثر.

وربما لا تكون أعظم ثورة في تاريخ الكتاب هي أن يصبح قادرًا على الحديث معنا.

بل أن يجعلنا نحن أكثر قدرة على الحديث مع أنفسنا.

وعندها فقط سندرك أن مستقبل الكتاب لم يكن يومًا متعلقًا بالورق.

ولا بالحبر.

ولا بالشاشة.

ولا بالآلة.

مستقبل الكتاب كان دائمًا متعلقًا بالإنسان.

فالوسيلة تتغير.

والصفحة تتغير.

والقارئ يتغير.

لكن الحاجة إلى الحكاية تبقى.

والحاجة إلى المعنى تبقى.

والحاجة إلى أن يترك الإنسان أثرًا وراءه تبقى.

من هنا لن يكون عصر الذكاء الاصطناعي نهاية الكتاب.

سيكون بداية مرحلة جديدة في تاريخه.

مرحلة يصبح فيها الكتاب أكثر من شيء نقرأه.

قد يصبح شيئًا نحاوره.

ونكتشف من خلاله العالم.

ونعيد من خلاله بناء الماضي.

ونختبر من خلاله المستقبل.

لكن أهم وظيفة ستظل له هي الوظيفة القديمة نفسها.

أن يمسك الإنسان بيد إنسان آخر عبر الزمن ويقول له

لقد عشت هذا.

لقد فكرت في هذا.

لقد خفت من هذا.

لقد حلمت بهذا.

وربما تجد أنت أيضًا نفسك هنا.

وهكذا سيظل الكتاب حيًا.

ليس لأنه يستطيع أن ينافس الذكاء الاصطناعي.

بل لأنه يحمل شيئًا لا يمكن اختزاله في خوارزمية.

يحمل الإنسان.

 

طالع أيضاً

الدكتور حسين عبد البصير يكتب: فاروق حسني… فارس الجمال الذي أعاد للفن مكانته في ذاكرة مصر

زر الذهاب إلى الأعلى