إثيوبيا تشتعل .. قوات تيجراي تسيطر على مطار ميكيلي ومخاوف من تجدد الحرب الأهلية

شهدت الساعات الأخيرة اشتعال الأوضاع مجددًا في إثيوبيا، الأربعاء، وسط تصاعد المخاوف من تجدد الحرب الأهلية في إقليم تيجراي شمالي البلاد، بعد سيطرة قوات تابعة لجبهة تحرير تيجراي على مطار ألولا أبا نيغا في مدينة ميكيلي، عاصمة الإقليم، بالتزامن مع اندلاع اشتباكات بين قوات الجبهة والقوات الفيدرالية على طول الحدود مع إقليم عفر.
وأعلنت سلطات تيجراي أن قواتها المسلحة تلقت أوامر بالدخول في “قتال دفاعي”، بعدما وصفت ما يجري بأنه “غزو وهجوم مفتوح”، في وقت أفادت فيه مصادر متعددة باندلاع مواجهات في مناطق داخل إقليم عفر المجاور.
وأكدت مصادر محلية وأمنية، وفق ما نقلته وكالتا رويترز ووكالة الأنباء الفرنسية “AFP”، أن قوات تيجراي سيطرت على مطار ألولا أبا نيغا في ميكيلي، بينما أعلنت الخطوط الجوية الإثيوبية تعليق رحلاتها مؤقتًا إلى مطارات ميكيلي وأكسوم وشاير بسبب الوضع الأمني في الإقليم.
اشتباكات في عفر بين قوات تيجراي والقوات الفيدرالية
ونقلت وكالة الأنباء الفرنسية “AFP” عن مصادر إنسانية أن القتال اندلع منذ ليل الثلاثاء في منطقتي “أبالا” و”إيريبتي” بإقليم عفر بين قوات تيغراي والقوات الفيدرالية , وقالت المصادر إن العاملين في المجال الإنساني يتوقعون اتساع نطاق الاشتباكات، مشيرة إلى إرسال شاحنة محملة بالمواد الغذائية لمساعدة النازحين جراء القتال، كما أكدت وقوع اشتباكات في الموقعين المذكورين.
وبحسب تقارير إعلامية نقلت عن مصادر في المنطقة، فإن أبالا تقع بالقرب من الحدود مع تيجراي، بينما تقع إيريبتي داخل إقليم عفر، ما يثير مخاوف من امتداد المواجهات إلى مناطق جديدة.
وقال مسؤول سابق رفيع المستوى في “الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي” لوكالة فرانس برس إن قوات تيغراي سيطرت على بلدات “بيرهالي” و”إيريبتي” و”أبالا” و”ميجالي” و”دالول” و”كونوبا”، مشيرًا إلى أن القوات الفيدرالية “تتراجع بسرعة”.
السيطرة على مطار ميكيلي وتعليق الرحلات إلى تيغراي
وكانت قوات تيجراي قد سيطرت، في الساعات الأولى من الأربعاء، على مطار “ألولا أبا نيجا” في مدينة ميكيلي، عاصمة إقليم تيغراي، وفقًا لمصادر محلية وأمنية , حيث أكدت مصادر محلية أن قوات تيغراي سيطرت على المطار من الشرطة الفيدرالية، فيما أبلغ موظف في المطار وكالة فرانس برس أن المشرفين أبلغوا العاملين بعدم وجود رحلات وأن المطار أصبح تحت سيطرة قوات تيجراي.
وعلى خلفية التصعيد، أعلنت الخطوط الجوية الإثيوبية تعليق رحلاتها مؤقتًا إلى ثلاثة مطارات في إقليم تيغراي، هي ميكيلي وأكسوم وشاير، اعتبارًا من الأربعاء، بسبب “الوضع الراهن في إقليم تيجراي” , كما أظهرت بيانات تتبع الرحلات إلغاء الرحلة التي كانت مقررة الأربعاء بين ميكيلي والعاصمة الفيدرالية أديس أبابا.
وتأتي هذه التطورات في ظل تدهور حاد في العلاقات بين “الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي” والحكومة الفيدرالية الإثيوبية، عقب أشهر من التوترات السياسية والعسكرية , وخاضت “الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي” والقوات الفيدرالية حربًا مدمرة استمرت من نوفمبر 2020 وحتى توقيع اتفاقية بريتوريا لوقف الأعمال العدائية في نوفمبر 2022.
وأدى اتفاق بريتوريا إلى إنهاء القتال واسع النطاق بين الطرفين، لكنه لم ينهِ جميع الخلافات السياسية والإقليمية والأمنية، فيما ظلت قضايا مرتبطة بتنفيذ الاتفاق ووضع بعض المناطق المتنازع عليها ومصير النازحين من الملفات العالقة.
وقد خلفت حرب تيجراي بين عامي 2020 و2022 أعدادًا ضخمة من القتلى والنازحين، فيما قدرت تقديرات للاتحاد الأفريقي عدد الوفيات بنحو 600 ألف شخص.
وكانت التوترات قد تجددت سابقًا على طول الحدود بين إقليمي تيغراي وعفر , ففي نوفمبر 2025، اتهمت حكومة إقليم عفر قوات تيجراي والقوات المتحالفة معها بالتوغل داخل أراضي عفر والاستيلاء على ست قرى وقصف مناطق مدنية , وفي المقابل، نفت الإدارة المؤقتة في تيجراي حدوث أي توغل في عفر، واتهمت جماعات مسلحة في عفر بشن هجمات متكررة ضد تيغراي، لا سيما في محيط منطقتي “كونيبا” و”أبالا”.
جيتاشو ريدا يتهم جبهة تيجراي بشن هجوم واسع
وفي رواية مغايرة لما أعلنته سلطات إقليم تيجراي، اتهم جيتاشو ردا، المستشار الوزاري لشؤون شرق أفريقيا في الحكومة الفيدرالية الإثيوبية والرئيس السابق لحزب “سيمريت الديمقراطي لتيجراي”، قيادة “الجبهة الشعبية ” بشن هجوم واسع على مواقع حكومية في عفر وأمهرا , وقال ريدا، في منشور على صفحته الرسمية بموقع “إكس”، : “إن من المؤلم معرفة أن قيادة الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي شنت، في الساعات الأولى من الأربعاء، هجومًا شاملًا على مواقع الحكومة في عفر وأمهرا، رغم الجهود التي بذلها كثيرون، بمن فيهم المجتمع الدولي، لتجنب جولة جديدة من الحرب في تيجراي.
وأضاف أن قوات الجبهة سيطرت على مطارات اتحادية خاضعة للسيطرة الفيدرالية في الإقليم، ما أدى إلى تعليق الرحلات الجوية من وإلى تيغراي , واتهم ريدا القيادة السياسية والعسكرية للجبهة الشعبية لتحرير تيغراي بـ”اللامسؤولية”، معتبرًا أن ما حدث يمثل تصعيدًا جديدًا في المواجهة.
تحالف جديد يضم 7 جماعات مسلحة ومعارضة
ويأتي التصعيد العسكري بعد ثلاثة أيام فقط من الإعلان الرسمي عن انضمام “جبهة تحرير شعب تيغراي” إلى “تحالف قوى الشعب الإثيوبي من أجل البقاء”، وهو ائتلاف يضم سبع جماعات مسلحة ومعارضة أعلنت هدفها الإطاحة بالحكومة الفيدرالية التي يقودها حزب الازدهار.
ويضم التحالف جماعات من تيغراي وأمهرا وأوروميا وعفر والصومال وبني شنقول-جوموز، ومن بين أبرز مكوناته جبهة تحرير شعب تيغراي وحركة فانو في أمهرا وجيش تحرير أورومو.
وكانت الجماعات السبع قد أعلنت تشكيل التحالف في 20 سبتمبر، في خطوة قالت إنها تستهدف تحدي حكومة رئيس الوزراء آبي أحمد.
ويأتي التحالف في ظل خلافات سياسية وأمنية متصاعدة بين الحكومة الفيدرالية وعدد من القوى المسلحة في أقاليم مختلفة، بينما لا تزال طبيعة ومستوى التنسيق العسكري الفعلي بين الجماعات السبع غير واضحة بصورة كاملة.
الأمم المتحدة تحذر من تصعيد جديد في إثيوبيا
وكانت الأمم المتحدة قد أعربت عن قلق بالغ إزاء تدهور الوضع الأمني والتطورات الأخيرة في إثيوبيا، بما في ذلك تشكيل تحالف جديد يضم جماعات معارضة ومسلحة، إلى جانب التقارير المتعلقة باستمرار انعدام الأمن ووقوع هجمات باستخدام الطائرات المسيرة.
وقال المتحدث باسم الأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك، خلال مؤتمره الصحفي اليومي، إن المنظمة الدولية، في ظل اشتداد التوترات، تحث الأطراف المعنية على الامتناع عن الأعمال أو الخطاب الذي يمكن أن يؤدي إلى تصعيد الوضع.
وحث دوجاريك الأطراف المعنية على إعادة الالتزام بالحوار، مؤكدًا أن الأعمال العسكرية لن تحل الخلافات السياسية أو تعالج المظالم الكامنة.
كما أكد أن الأمم المتحدة تواصل دعم الجهود التي يقودها الاتحاد الأفريقي لتهدئة التوترات وتعزيز تنفيذ اتفاق بريتوريا.
الولايات المتحدة تدين هجومًا بطائرة مسيرة على قافلة مساعدات
وفي تطور مرتبط بالوضع الإنساني في تيجراي، أدانت الحكومة الأمريكية هجومًا بطائرة مسيرة استهدف قافلة مساعدات إنسانية تابعة لمنظمة “خدمات الإغاثة الكاثوليكية” (Catholic Relief Services) في الإقليم.
وقالت الإدارة الأمريكية إنها تحث السلطات على إجراء تحقيق شامل في الحادث ومشاركة النتائج، بهدف منع تكرار مثل هذه الحوادث , كما دعت الولايات المتحدة الأطراف المعنية إلى الانخراط الفوري في حوار لتسوية الخلافات السياسية بصورة سلمية، مؤكدة ضرورة حماية العاملين في المجال الإنساني والمدنيين وضمان وصول المساعدات إلى المحتاجين.
وكانت مصادر إنسانية قد أفادت بأن شاحنة مساعدات كانت تنقل أكثر من 41 طنًا متريًا من المواد الغذائية إلى نازحين في شمال غربي تيغراي تعرضت لضربة بطائرة مسيرة في 20 سبتمبر، ما أدى إلى تدمير الشحنة، فيما لم تحدد الولايات المتحدة الجهة المسؤولة عن الهجوم.
محلل سوداني: السيطرة على مطار ميكيلي أول اختبار لتحالف الجبهات السبع
وفي قراءة لتداعيات التطورات الأخيرة، قال الكاتب والمحلل السياسي السوداني عمار العركي إنه لم يمضِ أسبوع على إعلان تحالف الجبهات الإثيوبية السبع حتى دشنت جبهة تحرير تيغراي الميدان بالسيطرة على مطار عاصمة الإقليم، في تطور يضع التحالف أمام أول اختبار عملي.
واعتبر العركي أن أهمية الخطوة لا تقتصر على السيطرة على المطار وحدها، وإنما تكمن أيضًا في توقيتها، باعتبارها أول تحرك ميداني بارز يأتي بعد إعلان تحالف جمع قوى مسلحة من أقاليم مختلفة في مواجهة حكومة آبي أحمد.
وقال العركي: “هنا ينتقل التحالف من الإعلان والقول إلى التحرك وإثبات القدرة على الفعل، فهل تتحرك الجبهات كلٌّ وفق حساباتها، أم يبدأ التنسيق بينها على الأرض؟ هذا ما ستفصح عنه الأيام القادمة”.
وأكد الكاتب الصحفي السوداني أن تيغراي دشنت ميدان التحالف بسيطرتها على مطار الإقليم، مشيرًا إلى أن ما ستفعله الجبهات الأخرى في الجغرافيا الإثيوبية الداخلية خلال الأيام المقبلة سيكون مؤشرًا مهمًا على مدى قدرة “تحالف البقاء” على التحرك المشترك.
وأضاف أن تطورات الأيام المقبلة ستكشف طبيعة العلاقة بين مكونات التحالف ومدى قدرتها على الانتقال من الإعلان السياسي إلى التنسيق الميداني، في ظل اتساع رقعة التوترات الأمنية في عدد من الأقاليم الإثيوبية.
طالع أيضا :
الأمم المتحدة تدق ناقوس الخطر في إثيوبيا بعد تشكيل تحالف يضم 7 جماعات مسلحة




