اخبار افريقيا

الدكتور عبد الناصر سلم حامد يكتب : تحالف الخصوم في إثيوبيا.. من تمرد الأطراف إلى استنزاف الدولة

قبل سنوات قليلة، كان بعض الذين يقفون اليوم في تحالف واحد يتبادلون إطلاق النار, قوات تيغراي وفانو الأمهرية خرجت من حرب دامية على طرفي نقيض، ولا تزال بينهما ملفات شائكة لم تُحسم، وفي مقدمتها غرب تيغراي والأراضي المتنازع عليها, وفي أوروميا أيضاً، تبدو العلاقات بين الجماعات المسلحة على الأرض في إثيوبيا أكثر تعقيداً بكثير مما قد توحي به بيانات التحالفات التي تصدر عن القيادات.

مع ذلك، أعلنت سبع قوى مسلحة ومعارضة، في العشرين من سبتمبر الجاري، تشكيل «تحالف قوى الشعوب الإثيوبية من أجل البقاء»، واضعة أمامها هدفاً يتجاوز الضغط على حكومة رئيس الوزراء أبي أحمد إلى تغييرها وإقامة إدارة انتقالية شاملة.

ويضم التحالف الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، وحركة فانو الوطنية الأمهرية، وجيش تحرير أورومو، وجبهة تحرير أوغادين الوطنية، والجبهة الثورية الديمقراطية للوحدة العفرية المعروفة باسم «أوغوغومو»، وحركة تحرير شعب بني شنقول، والحركة الديمقراطية لشعب القمز.

هذه القوى ليست متساوية في الحجم أو التسليح أو النفوذ, بعضها يمتلك خبرة قتالية وقاعدة محلية وقدرة على تعبئة المقاتلين تفوق غيره بكثير, لذلك لا تكمن أهمية التحالف في عدد أعضائه بقدر ما تكمن في الخريطة التي يحاول أن يغطيها، من تيغراي وأمهرة وأوروميا إلى عفار والإقليم الصومالي وبني شنقول-قمز.

خلال السنوات الماضية واجهت الحكومة الإثيوبية خصوماً كثيرين، لكنهم لم يكونوا جبهة واحدة. حرب تيغراي كانت لها ظروفها، وتمرد فانو في أمهرة له حساباته الخاصة، والصراع مع جيش تحرير أورومو تحكمه بيئة مختلفة. هذا التشتت أفاد الحكومة، لأنه سمح لها في أوقات مختلفة بتركيز قواتها على جبهة ثم نقل جزء منها إلى جبهة أخرى.

التحالف الجديد يحاول تغيير هذه المعادلة

المسألة هنا لا تتعلق بالضرورة بقدرة سبع جماعات على الزحف نحو أديس أبابا, الأهم هو ما إذا كانت قادرة على حرمان الحكومة من خوض حرب واحدة في كل مرة, فالدولة قد تكون أقوى من كل خصومها إذا واجهتهم منفردين، لكن القوة نفسها لا يمكن استخدامها في عدة أماكن في اللحظة ذاتها, ومع تعدد الجبهات، تزداد الحاجة إلى الجنود والإمدادات والاستخبارات وحماية الطرق والمنشآت، ويصبح التفوق العسكري أصعب في الاستخدام حتى لو ظل قائماً من حيث العدد والسلاح.

التطورات الأخيرة في الشمال أعطت هذه الفرضية وزناً أكبر , ففي الثالث والعشرين من سبتمبر تجدد القتال، وقالت قيادة تيغراي إنها دخلت ما وصفته بـ«حرب دفاعية» جديدة مع الحكومة الفيدرالية، بينما امتدت المواجهات إلى محاور في عفار وأمهرة.

وظهرت كذلك مؤشرات أولية على تحرك قوات تيغرانية إلى جانب فانو في أمهرة وقوة محلية في عفار, لا يكفي ذلك للقول إن التحالف أصبح يملك قيادة عسكرية مشتركة، لكنه يجعل احتمال انتقال بعض التنسيق من المستوى السياسي إلى الميدان أكثر جدية.

وفي مقلي، سيطرت قوات تيغرانية على مطار ألولا أبا نيغا بعد انتزاعه من الشرطة الفيدرالية، وفق مصادر محلية وأمنية نقلت عنها تقارير صحفية، فيما عُلقت الرحلات إلى مقلي وأكسوم وشاير مع تدهور الوضع الأمني , السيطرة على المطار لا تقلب ميزان القوة , الحكومة ما تزال تمتلك الطيران والمسيّرات والأسلحة الثقيلة وموارد الدولة ,لكن أهمية ما حدث تكمن في شيء آخر: كلما اتسعت الحرب، أصبحت حماية المواقع والمنشآت الحيوية أكثر كلفة حتى على الطرف الأقوى عسكرياً.

فالمطار ليس مجرد مدرج , إنه جزء من شبكة تربط الإقليم ببقية البلاد , والأمر نفسه ينطبق على الطرق والكهرباء والاتصالات ومؤسسات الإدارة , لذلك لا تقاس سيطرة الدولة فقط بالمدن التي تحتفظ بها، وإنما أيضاً بقدرتها على إبقاء هذه الشبكات مفتوحة وعاملة وآمنة.

حين تحتاج الطرق والمطارات والإدارات المحلية إلى مزيد من القوات كي تستمر في العمل، ترتفع تكلفة الحكم نفسه , وهذه ربما تكون القيمة العسكرية الأهم للتحالف. فخصوم الحكومة لا يحتاجون بالضرورة إلى احتلال مساحات واسعة حتى يضغطوا عليها؛ قد يكون كافياً أن يجعلوا الاحتفاظ بتلك المساحات وإدارتها أكثر كلفة.

الجغرافيا الإثيوبية تجعل هذا الاحتمال أكثر أهمية , تيغراي تقع في الشمال، لكن جبهتها مرتبطة بأمهرة وعفار وبطرق الإمداد التي تمر عبرهما , وفي أمهرة تواجه الحكومة تمرد فانو , أما أوروميا فتحيط بالعاصمة من اتجاهات عدة، وتضم طرقاً ومراكز سكانية واقتصادية لا يمكن التعامل معها كجبهة بعيدة عن قلب الدولة.

إذا اشتعلت هذه المناطق في توقيت متقارب، تصبح المشكلة أمام القيادة الفيدرالية عملية جداً: أين ترسل قواتها؟

كل وحدة تُنقل إلى جبهة تعني قوة أقل في جبهة أخرى، وكل طريق يحتاج إلى حماية يستهلك جنوداً وآليات ووقتاً. ومن هنا قد تكون قدرة التحالف على تشتيت الجيش الفيدرالي أهم من قدرته على هزيمته في مواجهة مباشرة.

وفي مثل هذه الحروب يصبح التوقيت سلاحاً.

إذا تعرضت قوات تيغراي لضغط وتحركت فانو في الوقت نفسه، ستصبح إعادة نشر القوات بين الجبهتين أكثر صعوبة , وإذا ترافق ذلك مع تصعيد في أوروميا، يزداد الضغط , ليس لأن كل جبهة قادرة وحدها على حسم الحرب، وإنما لأن كل جبهة تستهلك جزءاً من الموارد التي تحتاجها الحكومة في مكان آخر.

لهذا لا يحتاج التحالف بالضرورة إلى جيش واحد كي يصبح مؤثراً , يكفي، في مرحلة أولى، أن ينجح في تنسيق الضغط , وإذا تحولت المؤشرات الميدانية الحالية إلى نمط مستمر، فقد نكون أمام انتقال تدريجي من تحالف سياسي إلى شكل من أشكال التنسيق العملياتي.

لكن هذه النقطة تحديداً تقود إلى مشكلة التحالف الأكبر.

فالخريطة التي تمنحه القدرة على تشتيت الحكومة تحمل أيضاً تناقضاته الداخلية.

غرب تيغراي هو المثال الأوضح, التقارب الحالي بين القوى التيغرانية وفانو لا يمحو حقيقة أن المنطقة كانت واحدة من أكثر ملفات الحرب السابقة حساسية, وجود خصم مشترك قد يسمح بتأجيل الخلاف، لكنه لا يحله, وإذا تغير ميزان القوة، يمكن أن يعود الملف سريعاً إلى الواجهة.

الأمر نفسه، وإن كان بصورة مختلفة، ينطبق على العلاقة بين القوى الأمهرية والأورومية, فهناك حسابات محلية وقومية لا تختفي بمجرد اتفاق القيادات, وقد أظهرت وقائع في غرب أوروميا أن ما يحدث على الأرض قد يسير أحياناً في اتجاه مختلف عن التحالفات التي تعلن في الأعلى.

وهنا يواجه التحالف سؤالاً لا يقل صعوبة عن مواجهة الحكومة: هل يستطيع توحيد الحرب من دون أن يوحّد رؤيته للدولة؟

الاتفاق على الخصم أسهل كثيراً من الاتفاق على اليوم التالي.

إذا تراجعت قوة الحكومة، ستظهر الأسئلة التي يمكن تأجيلها الآن: من يسيطر على غرب تيغراي؟ كيف تُحل النزاعات على الحدود بين الأقاليم؟ ما مستقبل النظام الفيدرالي القائم على القوميات؟ كيف توزع السلطة بين المركز والأقاليم؟ ومن يسيطر على الجيش والأجهزة الأمنية في أي مرحلة انتقالية محتملة؟

هذه الأسئلة ليست تفصيلاً مؤجلاً إلى ما بعد الصراع, قد تكون هي التي تحدد قدرة التحالف على البقاء.

وهنا تكمن مفارقته: كلما ظل المركز قوياً، ازدادت حاجة خصومه إلى بعضهم؛ وكلما ضعف، أصبحت خلافاتهم أكثر أهمية.

فوجود خصم مشترك يجعل تأجيل النزاعات ممكناً , لكن إذا ضعفت سلطة المركز بدرجة كبيرة، سيتغير السؤال من كيفية مواجهة أبي أحمد إلى من يملك الأرض، ومن يحصل على السلطة، وكيف سيعاد ترتيب الدولة.

لهذا قد يكون التحالف أكثر قدرة على الاتفاق على ما يعارضه من الاتفاق على ما يريد بناءه بعد ذلك.

الحكومة، من جهتها، لا تعتمد على القوة العسكرية وحدها, يمكنها محاولة الاستفادة من الخلافات بين خصومها، أو الوصول إلى تفاهمات منفصلة مع بعضهم، أو تقديم ترتيبات محلية تغير حسابات القوى المشاركة في التحالف.

إذا نجحت في ذلك، ستعيد الصراع إلى صورته السابقة: أزمات منفصلة، لكل واحدة منها قيادتها وجغرافيتها وحساباتها, أما إذا اقتنع خصومها بأنهم يواجهون تهديداً واحداً لا يستطيع أي منهم التعامل معه منفرداً، فقد يصبح التحالف أكثر تماسكاً.

وهكذا تدور معركة أخرى إلى جانب المعارك العسكرية: خصوم الحكومة يحاولون ربط أزمات الأطراف بعضها ببعض، فيما تحاول الحكومة إبقاء كل أزمة داخل حدودها المحلية.

لكن نتيجة هذه المواجهة لن يحسمها الميدان وحده, هناك اقتصاد يجب أن يمول الحرب، ومؤسسات يفترض أن تستمر في العمل.

تعدد الجبهات يعني مزيداً من الإنفاق على الوقود والنقل والرواتب والذخيرة وحماية الطرق والمنشآت , وفي الاتجاه الآخر، يؤدي اضطراب الطرق إلى رفع تكلفة التجارة، ويؤثر القتال في المناطق الزراعية على الإنتاج والأسواق، ويزيد النزوح الأعباء الاجتماعية، بينما يرفع استمرار عدم الاستقرار مخاطر الاستثمار.

وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في أمهرة وأوروميا بسبب ثقلهما في الإنتاج الزراعي, وقد حذرت تقديرات اقتصادية دولية خلال العام الجاري من أن تجدد الصراع في تيغراي أو اتساعه في أمهرة وأوروميا يمكن أن يزيد الاضطراب الاقتصادي والنزوح ويرفع أسعار المواد الأساسية.

المشكلة أن الحرب والأزمة الاقتصادية يمكن أن تغذيا بعضهما. تحتاج الدولة إلى مزيد من الموارد لاستعادة الأمن، بينما يؤدي تراجع الأمن إلى إضعاف النشاط الاقتصادي وتقليص قدرتها على توفير تلك الموارد.

ومع استمرار هذه الدائرة، يصبح السؤال أقل ارتباطاً بحجم الأموال التي تستطيع الحكومة إنفاقها على الحرب، وأكثر ارتباطاً بما يتبقى لديها لإدارة البلاد.

فالطريق الذي يحتاج إلى حماية عسكرية دائمة، والإدارة المحلية التي يصعب عليها العمل خارج المدينة، والمنطقة التي تتراجع فيها القدرة على جمع الإيرادات، والخدمات التي تتدهور لأن الموارد تحولت إلى الأمن، كلها تعني أن الاستنزاف لم يعد عسكرياً فقط.

إنه يصل تدريجياً إلى قدرة الدولة على الحكم.

وهذا لا يعني أن إثيوبيا تتجه بالضرورة إلى انهيار سريع, قد تبقى الحكومة في أديس أبابا، وتستمر الوزارات، ويظل الجيش القوة العسكرية الأكبر، وتبقى الدولة موحدة رسمياً، بينما تتفاوت قدرة المركز على فرض سلطته وتقديم الخدمات من منطقة إلى أخرى.

أي أن الخطر قد لا يكون انهيار الدولة، وإنما تحولها إلى دولة أكثر كلفة في إدارتها وأقل قدرة على الحكم , وتزداد صعوبة المعادلة لأن إثيوبيا لا تواجه أزماتها الداخلية في محيط إقليمي هادئ.

إريتريا هي العامل الأكثر حساسية , العلاقة التي وصلت خلال حرب تيغراي السابقة إلى مستوى التعاون العسكري بين أديس أبابا وأسمرة شهدت لاحقاً توترات متزايدة، فيما اتهمت الحكومة الإثيوبية إريتريا بدعم جماعات مسلحة مناوئة لها, وهذه الاتهامات لا تثبت في ذاتها أن أسمرة تقف خلف التحالف الجديد.

لكن حتى من دون حرب مباشرة، يترك التوتر أثره , فإذا نظرت أديس أبابا إلى حدودها الشمالية باعتبارها مصدراً محتملاً للخطر، فستحتاج إلى الاحتفاظ بقوات واحتياطيات كان يمكن استخدامها في الداخل.

أما السودان، فيضيف ضغطاً من نوع آخر بسبب الحرب داخله وهشاشة الحدود وحساسية ملف الفشقة, ولا يعني ذلك أن الصراع الإثيوبي أصبح امتداداً لصراعات الجوار؛ فجذوره داخلية في الأساس، لكن البيئة الإقليمية تستطيع زيادة كلفته وتعقيد حساباته.

في النهاية، تعود كل هذه المسارات إلى المشكلة نفسها: كيف توزع الدولة مواردها المحدودة بين جبهات داخلية متعددة، وحدود مضطربة، واقتصاد يحتاج إلى الاستقرار؟

لهذا سيكون من المبكر التعامل مع تشكيل التحالف باعتباره دليلاً على سقوط وشيك للحكومة, هناك فارق كبير بين إعلان تحالف سياسي وبين بناء تعاون عسكري قادر على الاستمرار، كما أن الخلافات بين أعضائه لم تختف.

وسيظهر الاختبار الحقيقي عندما تتعرض إحدى الجبهات لضغط كبير, إذا تعرضت تيغراي لضغط، هل تتحرك جبهات أخرى لتخفيفه؟ وإذا كثفت الحكومة عملياتها في أمهرة، هل يرتفع النشاط في أوروميا؟ وهل تستطيع القيادات منع الخلافات المحلية من تقويض التفاهم السياسي في القمة؟

هذه الأسئلة أهم من عدد التنظيمات الموقعة على البيان.

إذا استمرت كل جبهة في العمل وفق حساباتها الخاصة، فسيظل التحالف واسعاً على الورق ومحدود الأثر في الميدان, أما إذا بدأت الجبهات تتحرك بطريقة تجعل الضغط على واحدة منها يتزامن مع ضغط في أخرى، فستكون طبيعة المواجهة قد تغيرت.

وعندها يصبح الزمن جزءاً من ميزان القوة.

الدولة تحتاج كل يوم إلى دفع الرواتب، وتأمين الطرق، وتشغيل المؤسسات، وتمويل القوات والحفاظ على النشاط الاقتصادي. أما الجماعات المسلحة، إذا احتفظت بقواعد محلية وممرات للحركة وقدرة على اختيار توقيت المواجهة، فقد تراهن على إطالة الصراع ورفع تكلفته بدلاً من البحث عن انتصار سريع.

لذلك فإن السؤال الأهم بشأن التحالف ليس ما إذا كان يستطيع هزيمة الجيش الإثيوبي في معركة فاصلة، بل ما إذا كان يستطيع منع الحكومة من تركيز قوتها، وإجبارها على توزيع الجنود والمال والاهتمام السياسي على جبهات متعددة لفترة طويلة.

إذا فشل في ذلك وعادت الخلافات القديمة بين أعضائه، فقد يبقى تحالفاً صنعته لحظة سياسية أكثر مما صنعه مشروع مشترك للدولة.

أما إذا نجح في تحويل التنسيق السياسي إلى ضغط ميداني مستمر، فقد لا تكون أهم خسارة تواجهها الحكومة مدينة أو إقليماً بعينه، وإنما قدرتها على تحديد أين ومتى وكيف تخوض الحرب.

وهنا يظهر المعنى الحقيقي للانتقال من تمرد الأطراف إلى استنزاف الدولة.

فالدولة لا تفقد قدرتها فقط عندما تخسر العاصمة أو تنهزم في معركة كبرى. قد تبدأ الخسارة بصورة أبطأ: عندما يصبح تأمين الطريق أكثر صعوبة، وتشغيل المطار أكثر كلفة، وحماية الإدارة المحلية أكثر اعتماداً على الجيش، وجمع الإيرادات أكثر تعقيداً، وتقديم الخدمات أقل انتظاماً.

قد تبقى الخريطة كما هي، وتبقى الحكومة في مكانها، ويبقى الجيش القوة الأكبر.

طالع أيضا :

إثيوبيا تشتعل .. قوات تيجراي تسيطر على مطار ميكيلي ومخاوف من تجدد الحرب الأهلية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى