السفير دكتور محمد حجازي يكتب :الصندوق المصري لتمويل الشركات المصرية في أفريقيا… من الدبلوماسية السياسية إلى الدبلوماسية الاقتصادية

إذا كان منتدى العلمين أفريقيا يطمح لأن يصبح “دافوس أفريقيا”، فإن النسخة الأولى منه يجب أن تشهد إطلاق مبادرات نوعية تعكس انتقال مصر من مرحلة الحوار إلى مرحلة التنفيذ, وفي مقدمة هذه المبادرات، تأتي فكرة إنشاء الصندوق المصري لتمويل نشاط الشركات المصرية في أفريقيا، باعتباره أداة استراتيجية لتعزيز الحضور الاقتصادي المصري في القارة، وترجمة التوجه السياسي للدولة إلى مشروعات واستثمارات ملموسة.
لقد نجحت الدبلوماسية المصرية خلال العقد الأخير في استعادة مكانة مصر داخل أفريقيا، وتعزيز علاقاتها مع دول القارة، والمشاركة بفاعلية في مؤسسات الاتحاد الأفريقي والتجمعات الاقتصادية الإقليمية , إلا أن هذا النجاح السياسي يحتاج اليوم إلى ذراع اقتصادية قادرة على تحويل العلاقات المتميزة إلى استثمارات، ومشروعات إنتاجية، وفرص عمل، وزيادة في حجم التجارة البينية.
ورغم ما تمتلكه الشركات المصرية من خبرات واسعة في مجالات المقاولات، والطاقة، والطرق، والكهرباء، والإسكان، والصناعات الدوائية، والزراعة، والاتصالات، فإن توسعها في الأسواق الأفريقية لا يزال يواجه تحديات تتعلق بارتفاع تكاليف التمويل، ومخاطر الاستثمار، وصعوبة الحصول على الضمانات، وضعف أدوات التأمين على المشروعات الخارجية.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى إنشاء صندوق وطني متخصص يتولى تمويل توسع الشركات المصرية في أفريقيا، ويقدم لها القروض الميسرة، وضمانات الاستثمار، والتأمين ضد المخاطر السياسية والتجارية، إلى جانب المساهمة في رؤوس أموال المشروعات الاستراتيجية التي تحقق مصالح مشتركة لمصر والدول الأفريقية.
ويمكن أن يشارك في تأسيس هذا الصندوق كل من الحكومة المصرية، والبنك المركزي، والبنوك الوطنية، وصندوق مصر السيادي، والمؤسسات المالية العربية والأفريقية، مع فتح الباب أمام مساهمة القطاع الخاص، بحيث يصبح الصندوق منصة مالية وطنية لدعم التوسع الاقتصادي المصري في القارة.
ولا يقتصر دور الصندوق على التمويل، بل يمتد إلى إعداد دراسات الجدوى، وتوفير المعلومات عن الأسواق الأفريقية، وبناء شراكات مع الحكومات والمؤسسات المحلية، ومساندة الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تمتلك فرصاً واعدة لكنها تفتقر إلى الموارد المالية الكافية لدخول الأسواق الخارجية.
ويمكن أن يمنح الصندوق الأولوية للمشروعات التي تحقق قيمة مضافة مشتركة، مثل البنية الأساسية، والطاقة المتجددة، والزراعة، والتصنيع الزراعي، والصناعات الدوائية، والتحول الرقمي، والمناطق اللوجستية، بما يسهم في دعم أهداف أجندة أفريقيا 2063، ويعزز التكامل الاقتصادي بين دول القارة.
كما يمكن أن يرتبط الصندوق بمنصة إلكترونية للمشروعات الأفريقية، تضم خريطة استثمارية متكاملة للمشروعات المتاحة في مختلف الدول، بما يسمح للشركات المصرية بالتعرف على الفرص الاستثمارية، والتواصل مع الشركاء المحليين، والحصول على التمويل في إطار مؤسسي واضح.
ولا ينبغي النظر إلى هذا الصندوق باعتباره مجرد آلية مالية، بل باعتباره أحد أدوات الأمن القومي الاقتصادي المصري, فكل مشروع تنفذه شركة مصرية في أفريقيا، وكل مصنع يتم إنشاؤه، وكل طريق أو محطة كهرباء أو مستشفى أو جامعة تقام بأيادٍ مصرية، يرسخ مكانة مصر، ويعمق روابطها مع شعوب القارة، ويخلق مصالح مشتركة طويلة الأجل يصعب التفريط فيها.
لقد أثبتت التجارب الدولية أن النفوذ الاقتصادي أصبح أحد أهم أدوات التأثير في العلاقات الدولية , فالصين تمتلك صناديق تمويل واستثمار مكنت شركاتها من الانتشار في مختلف أنحاء العالم، كما تعتمد دول عديدة على مؤسسات تمويل الصادرات والاستثمار الخارجي لدعم شركاتها الوطنية, وليس هناك ما يمنع مصر من امتلاك أداة مماثلة، تتناسب مع إمكاناتها وطموحاتها ودورها الإقليمي.
إن إطلاق الصندوق المصري لتمويل الشركات المصرية في أفريقيا من مدينة العلمين، خلال النسخة الأولى للمنتدى، سيبعث برسالة واضحة مفادها أن مصر لا تطرح شعارات للتعاون مع أفريقيا، وإنما تقدم أدوات عملية لتحقيق التنمية المشتركة، وأنها تنظر إلى القطاع الخاص باعتباره شريكاً أساسياً في تنفيذ سياستها الأفريقية.
وسيكون هذا الصندوق حجر الأساس لمرحلة جديدة من العلاقات المصرية الأفريقية، عنوانها “الاستثمار من أجل التنمية، والشراكة من أجل المستقبل”، بما يعزز مكانة مصر الاقتصادية في القارة، ويفتح أمام الشركات المصرية آفاقاً غير مسبوقة للنمو، ويجعل من منتدى العلمين منصة لإطلاق المبادرات التي تصنع مستقبل أفريقيا.
وفي المقال المقبل من سلسلة “نحو العلمين”، نتناول مبادرة “صندوق المقايضة الأفريقي”… وكيف يمكن لأفريقيا أن توسع تجارتها البينية بعيداً عن أزمات العملات الأجنبية، وبما يعزز التكامل الاقتصادي القاري.
طالع أيضا :
السفير دكتور محمد حجازي يكتب : قمة العلمين الاقتصادية .. لماذا تحتاج أفريقيا إلى “دافوس ” خاص بها؟




