أخبار عاجلةالرأي

 السفير الدكتور محمد حجازي يكتب : القناة الفضائية الأفريقية… صوت أفريقيا من القاهرة

لم تعد القوة في عالم اليوم تقاس فقط بحجم الاقتصاد أو القدرات العسكرية، وإنما أيضاً بامتلاك أدوات التأثير في الرأي العام، وصناعة المعرفة، ورواية القصة الوطنية والقارية للعالم, وفي هذا الإطار، أصبحت وسائل الإعلام العابرة للحدود إحدى أهم أدوات القوة الناعمة، ومكوناً رئيسياً في بناء النفوذ السياسي والاقتصادي والثقافي.

ورغم ما تمتلكه أفريقيا من ثروات وإمكانات وفرص استثمارية هائلة، فإن صورتها في الإعلام الدولي لا تزال في كثير من الأحيان أسيرة الحروب، والأزمات، والكوارث، والهجرة غير الشرعية، بينما تغيب قصص النجاح، ومشروعات التنمية، والفرص الاقتصادية، ورواد الأعمال، والابتكار، والتحول الرقمي، وهي الجوانب التي تمثل الوجه الحقيقي لقارة تتغير بسرعة.

ومن هنا، فإن النسخة الأولى من منتدى العلمين أفريقيا تمثل فرصة تاريخية لإطلاق “القناة الفضائية الأفريقية”، لتبث من القاهرة، باعتبارها أول منصة إعلامية قارية متخصصة في الاقتصاد والتنمية والاستثمار، تنقل نبض أفريقيا إلى العالم، وتنقل العالم إلى أفريقيا.

ولا تستهدف هذه القناة منافسة الفضائيات الإخبارية التقليدية، وإنما تقديم نموذج إعلامي جديد يواكب التحولات الاقتصادية التي تشهدها القارة، ويخدم أجندة الاتحاد الأفريقي 2063، ويواكب منطقة التجارة الحرة القارية، ويعزز فرص الاستثمار والتكامل الاقتصادي.

ويمكن أن تبث القناة باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية والسواحيلية، مع التوسع تدريجياً في لغات أفريقية أخرى، حتى تصبح منصة تعبر عن جميع أقاليم القارة، وتخاطب كذلك ملايين الأفارقة المقيمين في أوروبا والأمريكتين وآسيا، ليصبح الشتات الأفريقي شريكاً في التنمية وليس مجرد مراقب لها.

وتتضمن خريطة برامجها تغطية مستمرة لفرص الاستثمار، وحركة التجارة، وأسواق المال، والمشروعات القومية، ومبادرات التنمية، إلى جانب برامج عن الزراعة، والطاقة، والصحة، والتعليم، والاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي، وريادة الأعمال، والسياحة، والثقافة، بما يقدم صورة متكاملة عن أفريقيا الجديدة.

كما يمكن أن تصبح القناة منصة دائمة لتغطية أعمال الاتحاد الأفريقي، والتجمعات الاقتصادية الإقليمية، والبنك الأفريقي للتنمية، والبنك الأفريقي للتصدير والاستيراد، والغرف التجارية، ومجالس الأعمال، بحيث توفر للمستثمرين ورجال الأعمال نافذة موثوقة للحصول على المعلومات والبيانات والتحليلات.

ولا يقتصر دور القناة على البث الفضائي، بل ينبغي أن تقوم على نموذج إعلامي رقمي متكامل، يعتمد على المنصات الإلكترونية، والبث عبر الإنترنت، والتطبيقات الذكية، ومنصات التواصل الاجتماعي، حتى تصل إلى الأجيال الشابة التي أصبحت تعتمد على الإعلام الرقمي أكثر من الوسائل التقليدية.

ومن العناصر المهمة في هذه المبادرة إنشاء الأكاديمية الأفريقية للإعلام والتنمية، لتدريب الصحفيين والإعلاميين الأفارقة على الصحافة الاقتصادية، والإعلام الرقمي، وإنتاج المحتوى متعدد اللغات، واستخدام الذكاء الاصطناعي في الإعلام، بما يسهم في إعداد جيل جديد من الإعلاميين القادرين على تقديم صورة مهنية ومتوازنة عن القارة.

كما يمكن للقناة أن تكون منصة لتسويق المبادرات التي يطلقها منتدى العلمين، ومتابعة تنفيذها، وعرض قصص النجاح، واستضافة المستثمرين وصناع القرار، لتتحول إلى الذراع الإعلامية الدائمة للمنتدى، وليس مجرد وسيلة لنقل فعالياته.

واختيار القاهرة مقراً للقناة يحمل دلالات سياسية وثقافية وتاريخية مهمة. فمنها انطلقت إذاعة “صوت العرب” التي ساندت حركات التحرر الوطني في أفريقيا، ومنها تخرج آلاف الدبلوماسيين والطلاب والقادة الأفارقة، ومنها يمكن أن تنطلق اليوم رسالة جديدة، عنوانها التنمية والشراكة والازدهار المشترك.

إن أفريقيا بحاجة إلى أن تروي قصتها بنفسها، وأن تقدم للعالم صورتها الحقيقية، بعيداً عن الروايات التي يكتبها الآخرون. وهي بحاجة كذلك إلى وسيلة إعلام تربط المستثمر بالمشروع، والباحث بالمعلومة، والشباب بالفرصة، وصانع القرار بالرأي العام.

وإذا كان منتدى العلمين يسعى إلى أن يصبح “دافوس أفريقيا”، فإن القناة الفضائية الأفريقية ستكون صوته الدائم، وذاكرته المؤسسية، ومنصته الإعلامية التي تواصل العمل طوال العام، وتبني جسور التواصل بين دول القارة وشعوبها وشركائها الدوليين.

إن إطلاق القناة الفضائية الأفريقية من القاهرة لن يكون مشروعاً إعلامياً فحسب، بل سيكون استثماراً استراتيجياً في القوة الناعمة المصرية والأفريقية، ورسالة تؤكد أن مصر لا تكتفي بالمشاركة في صناعة مستقبل أفريقيا، بل تسهم أيضاً في صياغة الرواية التي تحكي هذا المستقبل للعالم.

وفي المقال المقبل من سلسلة “نحو العلمين”، نتناول مبادرة “الشراكة المصرية–المالية للتنمية المتكاملة”… وكيف يمكن أن تصبح مالي نموذجاً جديداً للتكامل الاقتصادي بين مصر ودول الساحل الأفريقي في مجالات الذهب، والثروة الحيوانية، والزراعة، والبنية الأساسية، والسدود

 

طالع أيضا :

السفير دكتور محمد حجازي يكتب : العلاج المؤسسي.. كيف تصبح مصر العاصمة الطبية لأفريقيا؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى