العميد دكتور محمد حجاب يكتب : تيجراي بعد استعادة القوات الفيدرالية لميكيلي.. هل انتهت الحرب أم بدأت المواجهة الأخطر؟
لماذا تعود الحرب إلى تيجراي بعد نحو أربع سنوات من اتفاق بريتوريا؟ وهل استعادة القوات الفيدرالية الإثيوبية لمطار ميكيلي تعني أن حكومة آبي أحمد نجحت في حسم المواجهة، أم أن ما حدث ليس سوى بداية مرحلة جديدة من الصراع؟ وهل نحن أمام تكرار لحرب 2020، أم أمام حرب مختلفة يمكن أن تتجاوز حدود تيجراي نفسها؟
هذه الأسئلة أصبحت أكثر إلحاحًا بعد التطورات العسكرية المتسارعة في شمال إثيوبيا، حيث تمكنت القوات الفيدرالية والقوات المتحالفة معها من استعادة مطار ألولا أبا نيجا في ميكيلي، بعد أن كانت قوات مرتبطة بجبهة تحرير شعب تيجراي قد سيطرت في بداية الجولة الجديدة على عدد من المطارات والمواقع الاستراتيجية. وتأتي استعادة المطار بعد تقدم القوات الحكومية إلى ألاماتا ثم تحركها شمالًا باتجاه العاصمة الإقليمية. وتؤكد التقارير المتاحة أن القوات الفيدرالية استعادت المطار، بينما لا تزال التفاصيل المتعلقة بالسيطرة الكاملة على المدينة نفسها غير مكتملة بسبب انقطاع الاتصالات وصعوبة الوصول الميداني.
لكن المشكلة أن تاريخ تيجراي نفسه يقول إن السيطرة على ميكيلي لا تعني بالضرورة انتهاء الحرب. ففي الحرب التي اندلعت عام 2020، دخلت القوات الفيدرالية والقوات المتحالفة معها ميكيلي وسيطرت عليها، لكن الحرب لم تنتهِ. فقد تمكنت قوات تيجراي من إعادة تنظيم نفسها واستعادة المبادرة العسكرية، وتحولت المواجهة لاحقًا إلى حرب واسعة النطاق انتهت باتفاق بريتوريا في نوفمبر 2022. ولذلك فإن السؤال الحقيقي اليوم ليس من يسيطر على ميكيلي، وإنما هل تستطيع الحكومة الإثيوبية أن تفعل ما هو أصعب بكثير من السيطرة العسكرية، أي إنهاء الصراع سياسيًا.
من بريتوريا إلى الحرب من جديد
كان اتفاق بريتوريا الذي وقع في نوفمبر 2022 نقطة التحول الرئيسية التي أوقفت الحرب المفتوحة بين الحكومة الإثيوبية وجبهة تحرير شعب تيجراي. وقد تضمن الاتفاق وقفًا دائمًا للأعمال العدائية، وترتيبات لنزع السلاح، وإعادة تنظيم الوضع الأمني، ومعالجة عدد من الملفات السياسية والإنسانية المرتبطة بالحرب, لكن الاتفاق أوقف القتال أكثر مما أنهى أسباب الصراع.
فملفات الأراضي المتنازع عليها، وعودة النازحين، وترتيبات الإدارة المحلية، ومستقبل القوات التيجرانية، والعلاقة بين الحكومة المركزية والإقليم، ظلت جميعها ملفات حساسة وقابلة لإعادة إنتاج التوتر. ومع تراجع الثقة بين الأطراف خلال السنوات التالية، بدأت الهدنة تفقد تدريجيًا قدرتها على احتواء الخلافات السياسية والأمنية.
وهنا تكمن إحدى أهم مشكلات الأزمة الحالية؛ فقد تم التعامل مع اتفاق بريتوريا باعتباره نهاية للحرب، بينما ظلت جذور الصراع قائمة تحت سطح الهدوء. ومن هنا نستطيع أن نقول إن ما يحدث اليوم ليس حربًا ظهرت من فراغ، وإنما عودة لصراع لم تتم تسويته بصورة نهائية.
سقوط المطار.. هل يعني سقوط قوات تيجراي؟
استعادة مطار ميكيلي تمثل بالتأكيد ضربة عسكرية مهمة لقوات تيجراي، خصوصًا أن المطارات لعبت دورًا أساسيًا في التحركات العسكرية واللوجستية خلال الجولة الحالية. كما أن فقدان المطار يحد من قدرة قوات تيجراي على استخدام ميكيلي باعتبارها مركزًا لوجستيًا وسياسيًا.
لكن هناك فارقًا بين فقدان موقع استراتيجي وفقدان القدرة على القتال, فالقوات التي تخسر مدينة يمكنها الانسحاب إلى مناطق أخرى وإعادة تنظيم صفوفها، خصوصًا في بيئة جغرافية مثل تيجراي التي توفر مساحات جبلية وريفية واسعة يمكن أن تجعل السيطرة العسكرية الكاملة مهمة شديدة الصعوبة.
وهذا تحديدًا ما يجعل السؤال حول المرحلة التالية أكثر أهمية من السؤال حول المعركة الحالية, فإذا انتهت المواجهة بدخول القوات الفيدرالية إلى ميكيلي، ثم بدأت قوات تيجراي في شن هجمات متفرقة من المناطق الريفية، فإن الحرب ستكون قد انتقلت من حرب للسيطرة على المدن إلى حرب استنزاف, وفي هذه الحالة قد تبدو الحكومة منتصرة على الخريطة، بينما يستمر الصراع على الأرض.
تيجراي لم تعد وحدها في المشهد
الأخطر في الجولة الحالية أن الصراع لم يعد محصورًا في تيجراي, فإثيوبيا خلال السنوات الماضية شهدت أزمات مسلحة وسياسية في أكثر من إقليم، وبرزت جماعات مسلحة في أمهرا وأوروميا، بينما أصبحت عفار جزءًا من الحسابات الأمنية المرتبطة بالتطورات في الشمال, وتشير التقارير الأخيرة إلى ظهور تنسيق وتحالفات بين عدد من القوى المناوئة للحكومة الفيدرالية، وهو تطور مهم لأنه يغير طبيعة المعادلة من مواجهة بين أديس أبابا وتيجراي إلى احتمال نشوء شبكة أوسع من الخصوم.
وهنا يجب التوقف. فإذا بقي الصراع داخل حدود تيجراي، تستطيع الحكومة الفيدرالية تركيز الجزء الأكبر من قوتها على جبهة واحدة, أما إذا تزامنت المواجهات في تيجراي مع تصعيد في أمهرا أو أوروميا أو عفار، فإن الجيش الإثيوبي سيواجه مشكلة مختلفة تمامًا: كيف يدير حربًا متعددة الجبهات؟
وهذه ليست مجرد مسألة عسكرية، وإنما مسألة تتعلق بقدرة الدولة على توزيع مواردها وقواتها وحماية المدن والطرق والمنشآت الحيوية في الوقت نفسه.
إريتريا.. الحلقة الأخطر
إذا كانت تيجراي تمثل قلب الصراع الداخلي، فإن إريتريا تمثل أخطر متغير إقليمي , فالعلاقة بين أديس أبابا وأسمرا شهدت تدهورًا كبيرًا، ووصلت في الأول من أكتوبر إلى قطع العلاقات الدبلوماسية، في تطور يعكس حجم التوتر بين البلدين. وتبادلت الحكومتان الاتهامات بشأن التدخل في الشؤون الداخلية ودعم الخصوم، بينما نفت أسمرا الاتهامات الإثيوبية المتعلقة بدعم المعارضة المسلحة.
وهذا التطور شديد الحساسية لأن إريتريا ليست دولة بعيدة عن الصراع , فهي تشترك في حدود مباشرة مع تيجراي، وكانت طرفًا عسكريًا في الحرب السابقة، كما أن أي توتر بينها وبين الحكومة الإثيوبية يمكن أن ينعكس بصورة مباشرة على الوضع العسكري داخل الإقليم.
إضافة إلى ذلك، فإن الخلاف بين إثيوبيا وإريتريا لم يعد مرتبطًا بتيجراي وحدها، وإنما أصبح مرتبطًا أيضًا بطموحات إثيوبيا في الوصول إلى البحر الأحمر، وهي قضية تتجاوز حدود البلدين لتدخل في حسابات الأمن الإقليمي.
ومن هنا، فإن استمرار التصعيد الإثيوبي–الإريتري يمثل أحد أهم المؤشرات التي يجب مراقبتها خلال المرحلة المقبلة.
فإذا بقي التوتر في إطار سياسي ودبلوماسي، يمكن احتواء جانب كبير من مخاطره. أما إذا تحول إلى دعم عسكري مباشر أو غير مباشر لأطراف الصراع، فإن الأزمة قد تتحول من حرب داخلية إلى أزمة إقليمية في القرن الأفريقي.
الاتهامات الخارجية.. هل تتوسع دائرة الحرب؟
مع عودة القتال، ظهرت اتهامات إثيوبية لدول إقليمية بدعم القوى المعارضة، من بينها إريتريا والسودان ومصر, لكن هذه الاتهامات قوبلت بالنفي من الدول المعنية، ولذلك ينبغي التمييز بين الرواية الرسمية للحكومة الإثيوبية وبين ما يمكن إثباته بصورة مستقلة.
لكن أهمية هذه الاتهامات لا تتوقف فقط على مدى صحتها , فالخطاب السياسي الذي يربط الصراع الداخلي بتدخلات خارجية يمكن أن يغير طريقة إدارة الأزمة , وعندما يتم تصوير المعارضة الداخلية باعتبارها جزءًا من تهديد خارجي، فإن الصراع يصبح أكثر قابلية للتوسع، لأن الحكومة قد تتعامل معه باعتباره قضية أمن قومي وليس مجرد خلاف سياسي أو إقليمي.
وهنا قد تظهر دائرة خطيرة: اتهامات بالتدخل، ثم ردود سياسية ودبلوماسية، ثم إجراءات أمنية، ثم اتهامات جديدة، بما يؤدي في النهاية إلى تضييق مساحة الحوار , وهذا هو السيناريو الذي ينبغي تجنبه إذا كان الهدف هو منع تحول تيجراي إلى أزمة إقليمية مفتوحة.
الحرب تدخل عصر الطائرات المسيّرة
من التطورات اللافتة في الجولة الحالية ظهور الطائرات المسيّرة ضمن أدوات القتال، مع تقارير عن ضربات وانفجارات في مناطق مختلفة، بما في ذلك تقارير عن حوادث في العاصمة أديس أبابا، وإن كانت بعض هذه المعلومات لا تزال تعتمد على روايات أطراف النزاع ولم يتم التحقق منها بصورة مستقلة.
لكن دخول الطائرات المسيّرة إلى المعركة يمثل في حد ذاته تحولًا مهمًا في طبيعة الحرب , فالحروب الحديثة لم تعد تعتمد فقط على السيطرة على الأرض، وإنما أصبحت القدرة على الاستطلاع والاستهداف وضرب العمق جزءًا من معادلة القوة. وهذا يعني أن فقدان مدينة أو مطار لا يعني بالضرورة فقدان القدرة على إلحاق الضرر بالخصم.
ومن هنا، إذا احتفظت قوات تيجراي أو القوى المتحالفة معها بقدرات عسكرية بعيدة المدى، فقد تنتقل المواجهة من محاولة السيطرة على المدن إلى محاولة إنهاك الحكومة واستهداف خطوط الإمداد والمنشآت الحيوية.
وهذا النوع من الصراع يكون أكثر صعوبة من الحرب التقليدية، لأن السيطرة على المدن لا تؤدي بالضرورة إلى إنهاء العمليات.
المدنيون يدفعون ثمن الجولة الجديدة
في خضم الحسابات العسكرية والسياسية، يبقى العامل الإنساني أحد أخطر عناصر الأزمة , فمنظمة أطباء بلا حدود أعلنت ارتفاع أعداد الجرحى الذين استقبلتهم المستشفيات في مناطق القتال، بينما حذرت الأمم المتحدة من مخاطر عودة النزوح وتدهور الوضع الإنساني في المناطق التي عانت أصلًا من آثار الحرب السابقة. (7) وهذا يعني أن الحرب الحالية لا تبدأ في مجتمع مستقر، وإنما في إقليم لا يزال يحمل آثار الحرب السابقة.
وبالتالي، فإن استمرار القتال سيعيد إنتاج مشكلات النزوح ونقص الخدمات وتعطل المساعدات، وقد يضع الحكومة الفيدرالية والقوى المسلحة أمام ضغوط دولية متزايدة.
كما أن استمرار الأزمة الإنسانية قد يتحول بمرور الوقت إلى عامل سياسي، لأن المجتمع الدولي لن ينظر إلى الحرب باعتبارها مجرد مواجهة عسكرية بين طرفين، وإنما باعتبارها أزمة إنسانية جديدة في منطقة خرجت حديثًا من حرب مدمرة.
هل نحن أمام حرب جديدة؟
في ضوء التطورات الحالية، من الصعب القول إن ما يحدث مجرد حادث عسكري محدود , فالحكومة الفيدرالية استعادت المبادرة العسكرية، وقوات تيجراي فقدت عددًا من المواقع المهمة، لكن الصراع لم يصل بعد إلى نقطة يمكن معها القول إن أحد الطرفين أنهى قدرة الطرف الآخر على القتال.
ومن هنا فإننا أمام عدة احتمالات , فقد تتمكن القوات الفيدرالية من تثبيت سيطرتها على ميكيلي والمناطق الرئيسية، وتنتهي بذلك الحرب المفتوحة خلال فترة قصيرة , وقد تنسحب قوات تيجراي من المدن وتبدأ حرب استنزاف طويلة. وقد تتسع المواجهة لتشمل أقاليم أخرى، بما يحول الأزمة إلى صراع متعدد الجبهات. وقد يتدهور الوضع بين إثيوبيا وإريتريا إلى درجة تدخل فيها الحسابات الإقليمية بصورة مباشرة في الحرب.
وفي المقابل، يظل المسار السياسي قائمًا، خصوصًا أن الاتحاد الأفريقي وIGAD دعوا إلى خفض التصعيد والعودة إلى الحوار والاستفادة من إطار اتفاق بريتوريا , لكن نجاح هذا المسار يتوقف على استعداد الأطراف للانتقال من منطق فرض الأمر الواقع العسكري إلى منطق التسوية السياسية.
الخاتمة
الحرب في تيجراي لا تعود اليوم بالطريقة نفسها التي بدأت بها في 2020 , فالمشهد أصبح أكثر تعقيدًا، والتحالفات أصبحت أكثر اتساعًا، والعلاقة بين إثيوبيا وإريتريا أكثر توترًا، وأدوات الحرب تغيرت، بينما لا تزال الملفات السياسية التي أوقفت الحرب السابقة دون تسوية نهائية. ولهذا فإن سقوط المطار أو حتى سقوط ميكيلي لا ينبغي أن يكون نهاية التحليل.
فالسؤال الأهم هو ماذا سيحدث بعد ذلك , إذا تحولت السيطرة العسكرية إلى مسار سياسي يعالج الملفات التي ظلت معلقة منذ اتفاق بريتوريا، فقد تكون الجولة الحالية قصيرة ومحدودة.
أما إذا تحولت السيطرة العسكرية إلى محاولة لإعادة فرض الواقع بالقوة دون تسوية سياسية، فإن الحرب قد تنتقل إلى مرحلة جديدة، ربما أقل وضوحًا وأكثر اعتمادًا على الاستنزاف والعمليات المتفرقة وتعدد الجبهات.
ومن هنا نستطيع أن نقول إن المعركة على ميكيلي قد تكون في طريقها إلى الحسم، لكن معركة مستقبل إثيوبيا لم تُحسم بعد.
والسؤال الذي ستجيب عنه الأسابيع المقبلة ليس فقط: من يسيطر على تيجراي؟ وإنما: هل تستطيع أديس أبابا أن تنهي الصراع سياسيًا بعد أن استعادت زمام المبادرة عسكريًا؟ فإذا فشلت الإجابة، فقد لا تكون تيجراي قد خرجت من الحرب، بل ربما تكون قد دخلت مرحلة جديدة من حرب أكبر.
-
إعداد: عميد أركان حرب د. محمد حجاب .. الخبير السياسي والعسكري ورئيس وحدة الدراسات السياسية بمركز أون ريسيرش للبحوث العلمية والاستشارات
طالع أيضا :
تصعيد خطير في إثيوبيا.. معارك تيجراي تتسع ومخاوف من امتداد القتال إلى أمهرة وأورومو




