السفير دكتور محمد حجازي يكتب : أفريقيا الرقمية… الاستثمار في العقول هو الاستثمار الأكثر ربحًا للقارة

تدخل أفريقيا العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين وهي تمتلك أكبر ثروة يمكن أن تحلم بها أي قارة، ليست النفط أو الذهب أو المعادن النادرة، وإنما الشباب, فأكثر من ستين في المائة من سكان أفريقيا تقل أعمارهم عن خمسة وعشرين عاماً، وهو ما يمنح القارة فرصة تاريخية لتحقيق قفزة تنموية غير مسبوقة، إذا أحسنت الاستثمار في رأس المال البشري، وتأهيله للتعامل مع اقتصاد المعرفة والثورة الصناعية الرابعة.
وفي المقابل، فإن هذا المورد البشري الضخم قد يتحول إلى تحدٍ إذا لم تتوافر له فرص التعليم والتدريب والعمل. ومن هنا تصبح الرقمنة والذكاء الاصطناعي ليسا رفاهية تكنولوجية، وإنما ضرورة تنموية وأحد أهم أدوات بناء المستقبل الأفريقي.
ولهذا، فإن النسخة الأولى من منتدى العلمين أفريقيا تمثل فرصة لإطلاق مبادرة “أفريقيا الرقمية”، باعتبارها مشروعاً مصرياً قارياً لبناء القدرات الرقمية، يقوم في مرحلته الأولى على تمويل تدريب خمسة آلاف شاب وشابة من مختلف الدول الأفريقية سنوياً في مجالات الحاسب الآلي، والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، وتحليل البيانات، والبرمجيات، والحوسبة السحابية، وإنترنت الأشياء، والتكنولوجيا المالية، وريادة الأعمال الرقمية.
إن هذه المبادرة لا تستهدف تخريج مستخدمين للتكنولوجيا فحسب، بل إعداد جيل من المبتكرين ورواد الأعمال والمبرمجين القادرين على تأسيس شركات ناشئة، وتصميم حلول تكنولوجية تعالج المشكلات الحقيقية التي تواجه القارة في الزراعة، والصحة، والتعليم، وإدارة المياه، والنقل، والخدمات الحكومية.
وتمتلك مصر المقومات التي تؤهلها لقيادة هذا المشروع. فقد حققت خلال السنوات الأخيرة تقدماً ملحوظاً في تطوير البنية التحتية الرقمية، وإنشاء مراكز البيانات، وتوسيع شبكات الاتصالات، وإطلاق مدينة المعرفة، ودعم صناعة البرمجيات، وإنشاء الجامعات التكنولوجية، فضلاً عن امتلاكها كوادر علمية وأكاديمية قادرة على نقل المعرفة إلى الأشقاء الأفارقة.
ويمكن تنفيذ المبادرة بالشراكة بين وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، ووزارة التعليم العالي، والأكاديمية الوطنية للتدريب، والجامعات المصرية، والأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري، والمعهد القومي للاتصالات، وشركات التكنولوجيا المصرية والعالمية، بحيث تتحول مصر إلى مركز إقليمي لبناء القدرات الرقمية في أفريقيا.
ولا ينبغي أن يقتصر التدريب على الجوانب الفنية، بل يجب أن يشمل برامج في إدارة الابتكار، وريادة الأعمال، والتجارة الإلكترونية، وحماية البيانات، والتشريعات الرقمية، وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، حتى يصبح الخريجون قادرين على قيادة التحول الرقمي في مؤسساتهم ودولهم.
كما يمكن أن تتضمن المبادرة إنشاء “شبكة أفريقيا الرقمية”، وهي منصة إلكترونية تربط خريجي البرنامج بالجامعات ومراكز الأبحاث والشركات والمستثمرين، بما يخلق مجتمعاً معرفياً أفريقياً يتبادل الخبرات، ويطور مشروعات مشتركة، ويحول المعرفة إلى فرص استثمارية.
وفي مرحلة لاحقة، يمكن إطلاق صندوق أفريقي لدعم الشركات الناشئة، يتولى تمويل الابتكارات التي يقدمها الشباب الأفريقي، خاصة في القطاعات ذات الأولوية مثل التكنولوجيا الزراعية، والتكنولوجيا الصحية، والتعليم الإلكتروني، والخدمات المالية الرقمية، والمدن الذكية، والطاقة النظيفة.
ولا يخفى أن الذكاء الاصطناعي أصبح عاملاً حاسماً في التنافس الاقتصادي العالمي. وإذا لم تستثمر أفريقيا الآن في إعداد كوادرها، فإنها ستتحول إلى مستهلك للتكنولوجيا التي ينتجها الآخرون، بدلاً من أن تكون شريكاً في إنتاجها وتطويرها.
ومن هنا، فإن مبادرة “أفريقيا الرقمية” ليست برنامجاً تدريبياً محدوداً، بل هي مشروع استراتيجي لبناء اقتصاد المعرفة في القارة، وإعداد جيل جديد من القادة الرقميين القادرين على قيادة التحول الاقتصادي والاجتماعي خلال العقود المقبلة.
كما تمثل هذه المبادرة امتداداً طبيعياً للدور المصري في بناء القدرات الأفريقية، ولكن بلغة العصر وأدوات المستقبل، بحيث تتحول القاهرة إلى العاصمة الرقمية للتدريب والابتكار في أفريقيا، تماماً كما كانت عبر تاريخها مركزاً للتعليم والثقافة والدبلوماسية.
إن الاستثمار في الطرق والموانئ والسدود يظل ضرورياً، لكن الاستثمار في الإنسان يظل هو الاستثمار الأكثر استدامة. فالموارد الطبيعية قد تنضب، أما العقول المبدعة فهي الثروة التي تتضاعف قيمتها كلما أُتيحت لها المعرفة والفرصة.
وإذا نجح منتدى العلمين في إطلاق هذه المبادرة، فإنه لن يكون قد أسهم فقط في إعداد خمسة آلاف متدرب سنوياً، بل سيكون قد وضع حجر الأساس لنهضة رقمية أفريقية، تقودها كوادر شابة مؤمنة بأن مستقبل القارة سيُصنع بالعلم والابتكار، وأن مصر شريك رئيسي في هذا المستقبل.
وفي المقال المقبل من سلسلة “نحو العلمين”، نتناول مبادرة “القناة الفضائية الأفريقية”… وكيف يمكن أن تصبح القاهرة مركز الإعلام الاقتصادي والتنموي للقارة، ومنصة للتواصل بين أفريقيا والعالم وشعوب الشتات الأفريقي
طالع المزيد :
السفير الدكتور محمد حجازي يكتب : القناة الفضائية الأفريقية.. صوت أفريقيا من القاهرة




