السفير الدكتور محمد حجازي يكتب : المركز الأفريقي لمكافحة الأمراض المتوطنة والمعدية… من التجربة المصرية إلى الأمن الصحي الأفريقي

كشفت السنوات الأخيرة أن الأمن الصحي لم يعد قضية طبية فحسب، بل أصبح أحد أهم مكونات الأمن القومي والتنمية المستدامة, فقد أثبتت جائحة “كوفيد-19” أن الدول التي تمتلك مؤسسات صحية قوية وأنظمة إنذار مبكر وقدرات علمية متقدمة، كانت الأكثر قدرة على حماية شعوبها واقتصاداتها، بينما دفعت الدول ذات البنية الصحية الضعيفة ثمناً باهظاً من النمو والاستقرار.
وتواجه أفريقيا تحدياً مضاعفاً، فهي لا تزال تعاني من انتشار عدد من الأمراض المعدية والمتوطنة، مثل الملاريا والإيبولا والدرن والحمى الصفراء والكوليرا، إلى جانب الأمراض المدارية المهملة، فضلاً عن تفاوت القدرات الصحية بين دولها، وضعف إمكانات البحث العلمي وإنتاج الدواء.
وفي المقابل، قدمت مصر خلال العقد الماضي نموذجاً استثنائياً في الإدارة المؤسسية للصحة العامة، حين نجحت في تنفيذ أكبر برنامج عالمي للقضاء على فيروس “سي”، وأصبحت تجربتها محل تقدير دولي، كما نجحت في تطوير منظومة المستشفيات، وإطلاق المبادرات الرئاسية للصحة العامة، والتوسع في تصنيع الدواء واللقاحات والمستلزمات الطبية.
وانطلاقاً من هذه الخبرة، يمكن أن يشهد منتدى العلمين أفريقيا إطلاق “المركز الأفريقي لمكافحة الأمراض المتوطنة والمعدية”، ليكون مؤسسة قارية تتخذ من مصر مقراً لها، وتعمل بالشراكة مع الاتحاد الأفريقي، ومراكز مكافحة الأمراض في الدول الأفريقية، ومنظمة الصحة العالمية، بهدف بناء منظومة أفريقية متكاملة للأمن الصحي.
ولا يقتصر دور المركز على مواجهة الأوبئة عند وقوعها، بل يقوم على بناء منظومة استباقية تشمل الرصد المبكر، والبحث العلمي، وتبادل المعلومات، والتدريب، والتدخل السريع، وإعداد الكوادر الطبية، بما يسمح للقارة بالتعامل مع أي تهديد صحي قبل أن يتحول إلى أزمة إنسانية أو اقتصادية.
ويضم المركز شبكة من المعامل المرجعية، ومراكز الأبحاث، وقواعد البيانات الصحية، ووحدات تحليل المخاطر، بحيث يصبح العقل العلمي الذي يتابع تطور الأمراض في القارة، ويقدم الإنذار المبكر للحكومات، ويقترح السياسات المناسبة للتعامل معها.
كما يمكن أن يتولى المركز قيادة برامج قارية لمكافحة فيروس “سي”، والملاريا، والإيبولا، والدرن، والأمراض المدارية، مستفيداً من الخبرات المصرية في الكشف المبكر، وإدارة الحملات الصحية، وتدريب الفرق الطبية، وتوفير العلاج بأسعار مناسبة.
ويمثل تصنيع الدواء واللقاحات أحد أهم محاور هذه المبادرة. فالقارة لا يمكن أن تحقق أمنها الصحي وهي تعتمد بالكامل على الواردات الخارجية. ومن ثم، يمكن للمركز أن يقود برنامجاً لنقل التكنولوجيا الدوائية، وتشجيع إقامة مصانع مشتركة، ودعم البحث العلمي، بما يسهم في بناء صناعة دوائية أفريقية قادرة على تلبية احتياجات الأسواق المحلية.
كما يمكن إنشاء الأكاديمية الأفريقية للصحة العامة داخل المركز، لتتولى تدريب الأطباء، وأطقم التمريض، وخبراء الأوبئة، ومديري المستشفيات، والفنيين، بما يخلق جيلاً جديداً من الكفاءات الصحية الأفريقية، يرتبط علمياً بالمؤسسات المصرية.
وفي ظل الثورة الرقمية، ينبغي أن يعتمد المركز على تقنيات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة في التنبؤ بانتشار الأمراض، وتتبع أنماط العدوى، وإدارة قواعد البيانات الصحية، وربط المستشفيات والمراكز البحثية في مختلف أنحاء القارة بمنصة إلكترونية موحدة.
ولن يقتصر دور المركز على الصحة العلاجية، بل سيمتد إلى دعم برامج صحة الأم والطفل، والتغذية، والتطعيم، والصحة المدرسية، ومكافحة الأمراض غير السارية، باعتبار أن التنمية الصحية تبدأ بالوقاية قبل العلاج.
وتمثل هذه المبادرة نموذجاً جديداً للقوة الناعمة المصرية، يقوم على تصدير الخبرة، وبناء المؤسسات، ونقل المعرفة، وليس الاكتفاء بتقديم المساعدات الطبية. وهي تؤكد أن مصر تنظر إلى صحة المواطن الأفريقي باعتبارها جزءاً من أمنها القومي، وأن ازدهار القارة يبدأ من الإنسان السليم القادر على العمل والإنتاج.
إن إطلاق المركز الأفريقي لمكافحة الأمراض المتوطنة والمعدية من مدينة العلمين سيكون رسالة بأن المنتدى لا يقتصر على الاقتصاد والاستثمار، وإنما يضع الإنسان الأفريقي في قلب أجندة التنمية، ويؤكد أن الأمن الصحي هو أساس الأمن الاقتصادي والاجتماعي.
فإذا نجحت أفريقيا في بناء منظومة صحية متكاملة، فإنها لن تحمي شعوبها فقط، بل ستجذب الاستثمارات، وتعزز الإنتاج، وتخفض تكاليف العلاج، وتدعم مسيرة التنمية المستدامة التي تتطلع إليها القارة.
وفي المقال المقبل من سلسلة “نحو العلمين”، نتناول مبادرة “بنك المشروعات الأفريقية”، وهي منصة مصرية لتجميع المشروعات القابلة للاستثمار وربطها بالممولين والشركات، حتى يتحول منتدى العلمين إلى سوق سنوية للمشروعات وليس مجرد منتدي .
طالع المزيد :
السفير دكتور محمد حجازي يكتب : مالي .. نموذج للشراكة المصرية الأفريقية الجديدة



