“العرب السودانيين” ليسوا أحفادًا خالصين لمهاجرين من جزيرة العرب بل مجموعات محلية من وادي النيل
51.7 مليون نسمة عدد السكان الحاليين ينتمون لأكثر من 500 مجموعة عرقية 70% منهم “عرب سودانيين” مقابل 30% أفارقة
يعتبر العرب السودانيون بعد انفصال جنوب السودان ليسوا عربًا خالصين فبعد أن تغيرت الخريطة العرقية للسودان تغيرًا جذريًا، لم يعد المشهد السكاني كما كان قبل يوليو 2011. فانفصال الجنوب، الذي أزال من المعادلة حوالي 8.3 مليون نسمة، غالبيتهم من غير العرب، لم يُعدّل الأرقام الديموغرافية فقط، بل أعاد تشكيل التوازن العرقي والثقافي داخل الدولة المتبقية.
ووفقًا لتقرير “Grokipedia — Demographics of Sudan” (يناير 2026)، يُقدَّر سكان السودان اليوم بنحو 51.7 مليون نسمة، ينتمون إلى أكثر من 500 مجموعة عرقية، مع تصنيف نحو 70% منهم كـ“عرب سودانيين” مقابل نحو 30% من المجموعات غير العربية.
وتؤكد هذه المعطيات نشرة “Factsheet: Sudan” الصادرة عن Flüchtlingshilfe Schweiz (سبتمبر 2026)، التي تشير إلى أن المجموعات غير العربية تشمل أساسًا الفور والبجا والنوبة والزغاوة والمساليت والفلاتة، وأن البلاد لا تزال تضم عشرات اللغات الأصلية.
هذا التقرير يفكك المكونات الثلاثة الكبرى — “العرب”، و“الأفارقة”، و“النوبة” — ويكشف أن الحدود بينها ليست حدود دم خالص، بل حدود ثقافة وتاريخ وتداخل اجتماعي طويل.
العرب السودانيين” في السودان: هوية ثقافية قبل أن تكون دمًا

عند الحديث عن “العرب” في السودان، لا بد من كسر الصورة النمطية فورًا: الغالبية العظمى ممن يُصنَّفون اليوم كـ“عرب سودانيين” ليسوا أحفادًا خالصين لمهاجرين من شبه الجزيرة العربية، بل هم بالأساس مجموعات محلية من وادي النيل اختلطت عبر قرون بالدماء العربية الوافدة، وتبنّت اللغة العربية والثقافة الإسلامية كعناصر هوية جامعة.
وتشير “2024/2025 “Wikipedia — Demographics of Sudan الي أن تصنيف “العرب السودانيين” كأكبر مجموعة سكانية (70%) لا يعني نقاءً عرقيًا، بل يعكس تداخلًا تاريخيًا بين السكان الأصليين في وادي النيل والمهاجرين العرب منذ القرن الثاني عشر. وتذهب نشرة “Minority Rights Group — Sudan” (2023) في الاتجاه نفسه، إذ تؤكد أن 70% من السكان يُوصفون كعرب سودانيين، مع أقلية أفريقية كبيرة (30%) تشمل الفور والبجا والنوبة والزغاوة والمساليت والفلاتة.
وتتوزع هذه الهوية العربية السودانية على مجموعات قبلية كبرى، أبرزها المجموعة الجعلية التي تضم الجعليين والشايقية والبديرية والرباطاب، وتتمركز على طول النيل من الشمال إلى وسط السودان، إلى جانب قبائل البقارة والكبابيش والكواهلة المنتشرة في كردفان ودارفور، وقبائل أخرى مثل الرشايدة.
وتذكر “ويكيبيديا العربية — عرب سودانيون” أن المجموعة الجعلية الكبرى (الجعليين، الشايقية، البديرية، الرباطاب، الميرفاب) تُعد من أبرز القبائل المصنفة عربية في السودان، لكن المفارقة الكبرى التي تكشفها الدراسات التاريخية أن العديد من هذه القبائل “العربية” تحمل في أعماقها أصولًا نوبية أو محلية قديمة، وأن الروايات النسبية التي تربطها بالعباس أو بشبه الجزيرة العربية كثيرًا ما تكون روايات رمزية لا تاريخية.
ووفقًا لمنشور تحليلي لـ محمد محجوب عن مكونات الشعب السوداني، يتركز العرب في الوسط والشمال بنسبة تتراوح بين 65% و70%، بينما تتوزع المجموعات الأفريقية غير العربية (30%–35%) في الغرب والجنوب. باختصار، “العربي” في السودان هو نتاج قرون من التمازج، لا استمرارية عرقية معزولة.
النوبة: أصحاب الأرض والتاريخ الذي لا يُختزل في فئة واحدة

إذا كان “العرب” يمثلون الهوية الثقافية السائدة في المركز والشمال، فإن النوبة يمثلون العمق الحضاري الأصيل لوادي النيل، وهم من أقدم الشعوب التي سكنت هذه الأرض، وخلافًا للتصنيف الشائع الذي يضعهم في خانة “الأقليات”، فإن النوبيين ليسوا مجموعة واحدة متجانسة، بل ينقسمون إلى فرعين رئيسيين يختلفان في الجغرافيا والتاريخ والوضع الديموغرافي.
النوبة النيليون (أو نوبة وادي النيل) يتركزون في أقصى شمال السودان، حول حلفا ودنقلا والمحس، وهم الورثة المباشرون لحضارة نوبية عريقة امتدت لآلاف السنين، وتشير “Grokipedia — Nubians” (مارس 2026) إلى أن عدد النوبيين في السودان يتراوح بين 650 ألف ومليون نسمة، معظمهم في هذه المناطق الشمالية، مع جاليات مهاجرة في الخرطوم ومصر، وأن هذا المجتمع تعرض لصدمات تاريخية كبرى، أبرزها التهجير الجماعي لقرى وادي حلفا إثر بناء السد العالي في ستينيات القرن الماضي.
أما نوبة جبال النوبة في جنوب كردفان، فرغم تسميتهم المشتركة، فإنهم ليسوا بالضرورة من السلالة النوبية النيلية نفسها، بل هم مجموعات أفريقية أصيلة في المنطقة، يتحدثون لغات نوبية مختلفة ويمارسون ثقافات خاصة، وتشير “Factsheet: Soudan” الصادرة عن OSAR (سبتمبر 2026) إلى أن النوبة كانوا من بين المجموعات التي تعرضت للاستهداف في النزاعات المسلحة، إلى جانب المساليت في دارفور، هذا التمييز بين “نوبة الشمال” و“نوبة الجبال” ضروري لفهم أن كلمة “نوبة” في السودان لا تشير إلى كتلة واحدة، بل إلى تاريخين مختلفين وجغرافيتين متباعدتين.
“الأفارقة”: تنوع هائل لا تجمعه سوى الجغرافيا

مصطلح “الأفارقة” في السودان، كما يُستخدم في التصنيفات الديموغرافية، ليس اسمًا لمجموعة عرقية واحدة، بل هو مظلة واسعة تضم كل من ليس “عربيًا” وليس “نوبيًا” بالمعنى النيلي، أي ما يقارب 30% من السكان، موزعين على عشرات المجموعات ذات اللغات والأصول المختلفة، ووفقًا لنشرة “Factsheet: Sudan” الصادرة عن Flüchtlingshilfe Schweiz (سبتمبر 2026)، تشمل هذه المجموعات الفور والبجا والنوبة والزغاوة والمساليت والفلاتة، وهي تقديرات تتقاطع مع ما تورده “Minority Rights Group — Sudan” (2023).
في غرب السودان (دارفور وكردفان)، توجد أكبر تجمعات هذه المجموعات: الفور، وهم من كبار المجموعات الأفريقية في دارفور ولهم لغتهم الخاصة وسلطنات تاريخية؛ والمساليت الذين يشكلون غالبية في أجزاء من غرب دارفور وجنوبها.
وتشير “Human Rights Watch — الخلفية (دارفور)” إلى أن المساليت يشكلون غالبية في جنينة وحبيلة، بينما ينتشر الجيمر في كولبوس. كما توجد مجموعات مثل الزغاوة المنتشرون على الحدود التشادية السودانية، والداجو، والبرقو، والتاما.
وفي شرق السودان، على امتداد البحر الأحمر، يسكن البجا (وينقسمون إلى الهدندوة والبشاريين وغيرهم)، وهم من الشعوب الأصلية في المنطقة، يتحدثون لغات كوشية خاصة، وتشير “ReliefWeb / EUAA — Country Guidance: Sudan” (مارس 2025) إلى أن الهدندوة هي أكبر قبيلة بجاوية في ولاية البحر الأحمر، وأن البجا أسسوا فاعلين سياسيين وعسكريين للتعبير عن تهميشهم، ومن أبرزهم مؤتمر البجا، كما تضم السودان مجموعات من أصول غرب أفريقية هاجرت عبر الصحراء لأسباب تجارية ودينية، مثل الفلاتة والهوسا، وانصهرت في المجتمع السوداني مع احتفاظها ببعض خصوصياتها.
الخلاصة: سودان ما بعد الانفصال.. وحدة في التنوع أم تنوع تحت الوحدة؟
المشهد العرقي في السودان بعد 2011 ليس مشهدًا ساكنًا، بل هو في حالة سيولة دائمة، صحيح أن انفصال الجنوب “عسكر” الهوية العربية الإسلامية في المركز، لكنه لم يلغِ التنوع العميق في الأطراف. ووفقًا لتقرير “Grokipedia — Demographics of Sudan” (يناير 2026)، لا يزال السودان يضم أكثر من 500 مجموعة عرقية تتحدث عشرات اللغات، وتتداخل فيها الدماء والثقافات بشكل يصعب معه أي فصل حاد بين “عربي” و“أفريقي” و“نوبي”.
وتشير “Factsheet: Sudan” الصادرة عن Flüchtlingshilfe Schweiz (سبتمبر 2026) إلى أن 70% من السكان يُصنَّفون عربًا سودانيين مقابل 30% مجموعات غير عربية، وهو ما يؤكد أن الهوية السودانية الجامعة لم تُبنَ يومًا على نقاء عرقي، بل على تاريخ طويل من الهجرة والاستقرار والتمازج، وعلى جغرافيا فرضت على الجميع التعايش تحت سماء واحدة — حتى وإن ظلت السياسة هي التي تختار، في كثير من الأحيان، أن تحوّل هذا التنوع إلى خطوط صدع بدلًا من أن تحوّله إلى مصدر قوة.

إقرأ المزيد:-
أمين عام جامعة الدول العربية يبحث مع رئيس الوزراء السوداني سبل دعم جهود السلام في السودان
رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم يشيد بمنتخب السودان وجماهيره بعد أداء مميز ضد الجزائر في كأس العرب
دوري أبطال أفريقيا : رقم تاريخي للهلال السوداني .. وسيطرة عربية علي المجموعات الأربع
الإمارات تعرب عن قلقها البالغ إزاء خطر المجاعة في السودان
