أخبار عاجلةالرأي

كريم هاني عبد الغفار يكتب : زيارة رئيس مدغشقر إلى مصر.. قراءة تحليلية في الدلالات السياسية والاقتصادية والإقليمية

استقبل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، يوم الأربعاء الموافق 29 يوليو 2026، بمدينة العلمين، رئيس جمهورية مدغشقر ميكائيل راندريانيرينا رئيس مدغشقر، في زيارة ثنائية تتسم بالرسمية وقد وصفتها مصادر رسمية مصرية بأنها الأولى من نوعها لرئيس مدغشقاري إلى مصر .

وبقدر ما تبدو الزيارة في في ظاهرها بروتوكوليًا اعتياديًا، فإنها تخفي في مضمونها ثلاث طبقات من الدلالات تستحق التوقف عندها: –

أولاً: طبقة رمزية تتعلق بافتتاح مسار دبلوماسي جديد بين البلدين .

ثانيًا: طبقة مصلحية تتصل بكلاً من التموضع الاقتصادي والتنموي الذي يخص الجمهورية المصرية في القارة الإفريقية.

ثالثًا: الطبقة الإقليمية: وتتعلق تلك الطبقة بإعادة تموضع القاهرة كفاعل أمني وتنموي في إفريقيا، جنوب الصحراء وشرقها.

البعد الزمني: افتتاح مسار لا علاقة قائمة:

أشار الباحث إلي أن المصادر الرسمية التفتت إلى أن هذه الزيارة الأولى من نوعها لرئيس مدغشقر إلى مصر، وهذه إشارة لا تخلو من الدلالات السياسية؛ فغياب زيارات سابقة على هذا المستوى قد يشير إلى أن العلاقة الثنائية بين البلدين ظلت لفترة في مرتبة ثانوية ضمن أحد أولويات الخارجية المصرية في القارة السمراء، وذلك مع مقارنة مع  دول أخرى واقعة في شرق القارة أو حوض النيل , فإن اختيار مدينة العلمين، لا اختيار العاصمة الإدارية أو القاهرة، كمكان لاستقبال ضيف بمستوى رئيس دولة، يمكن أن نوظفه في سياق التوظيف الدبلوماسي المتكرر لهذه المدينة كواجهة لعرض مشروعات التنمية العمرانية المصرية على الضيوف الأفارقة، وذلك يخدم الرسالة المصرية بشأن قدرتها التنموية التي تسعى بكل جهدها لتصديرها كنموذج قابل للنقل.

وعلى الرغم من ذلك، فإن توجيه الرئيس المدغشقري دعوة رسمية للرئيس السيسي لزيارة مدغشقر مستقبلاً يكشف أن الزيارة الحالية ليست هي بالمحطة الأخيرة بل محطة بداية تشمل مسار تبادلي، وذلك نمط اعتادته الدبلوماسية المصرية تجاه إفريقيا: وتقدير الباحث أن استقبال الزيارة الأولى في مصر وذلك قبل ترتيب أي زيارة أخرى مقابلة، يمنح القاهرة موقع المبادر ويجعلها صاحبة زمام العلاقة.

البعد الاقتصادي والتنموي: تنويع الشراكات الإفريقية

بحسب التصريحات الرسمية المتداولة ، تركزت تلك المباحث الثنائية على مجالات حياتية مثل: الزراعة، والصحة، والنقل، والبنية التحتية، والطاقة المتجددة، والموارد المائية، إضافة إلى العمل على بناء قدرات الكوادر المدغشقرية.

ويضع هذا التوصيف الزيارة في سياق نمط عام تتبناه مصر في علاقتها الأفريقية منذ سنوات، وقوام هذا النمط هو تقديم مصر كشريك تنموي وليس فقط كشريك سياسي وذلك عن طريق نقل الخبرة الفنية والتدريب، بدلاً من الاكتفاء بتصريحات السياسية العامة.

والإشارة إلى، توقيع مذكرات تفاهم بين البلدين، وذلك بحسب ما اوردته التغطيات الإعلامية بالمباحثات، يمكن أن نقول أن هذا التوجه ليمنح غطاء مؤسسيًا يكون قابلاً للمتابعة، وإن كانت تكمن القيمة الفعلية لهذا النوع من المذكرات بارتباطها عادة بمدى التحول لمشروعات تنفيذية تكون ملموسة على الواقع، وهذا ما لا يمكن الحكم عليه في هذه المرحلة المبكرة. ويمكن وضع أهمية هذا البعد إذا وضع كسياق سعي مصر وذلك لتعويضها تراجع نفوذها التقليدي في بعض الملفات مثل: ملفات حوض النيل، وذلك عن طريق توسيع دائرة شراكاتها إلى دول أفريقية أبعد جغرافيًا ولكنها تكون أقل تعقيدًا من الناحية السياسية.

البعد الإقليمي: مدغشقر واتخاذها كنافذة على شرق إفريقيا والمحيط الهندي

أشارت التغطيات إلى أن الجانبين، ناقشا أيضًا آليات التنسيق المشترك وذلك لحماية الأمن والاستقرار في إفريقيا، إلى جانب تطورات قضايا إقليمية ودولية تقع على محل اهتمام مشترك وبالنظر إلى الموقع الجزري لمدغشقر في المحيط الهندي، فإن تعزيز العلاقة معها يندرج ضمن اهتمام مصري أوسع وذلك عن طريق تموضع مصري في محيط شرق إفريقيا والممرات البحرية المحيطة به، وذلك لاكتساب المحيط أهمية متزايدة في ضوء التوترات المتكررة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، وتأثيرهما على حركة الملاحة لدى قناة السويس.

كما أن التأكيد المصري لدعم بما وُصف بالمرحلة الانتقالية في مدغشقر، ونقل خبراتها الوطنية في ذاك الإطار، يعكس النمط المصري المتكرر في التعامل مع التحولات السياسية داخل الدول الإفريقية أخرى:

والذي يتمثل في تقديم الدعم دون الدخول في تفاصيل الشأن الداخلي، مما يجعل الحفاظ على مبدأ عدم التدخل ظاهريًا مع تعزيز النفوذ الناعم عمليًا.

ختامًا، وبتقدير الباحث، أن هذه الزيارة رغم الطابع البروتوكولي الظاهري، على أنها تكشف عن ملامح مسار مصري متصاعد هدفه تنويع الشراكات الإفريقية بعيدًا عن دوائر حوض النيل، وذلك عبر الأدوات التنموية ونقل الخبرة بدلاً من الاعتماد الحصري على الخطاب السياسي. وفي الوقت ذاته، حداثة هذه العلاقة الثنائية تجعل من المبكر الحكم على مدى قدرة التحول من إطار رمزي وبروتوكولي إلى شراكة استراتيجية فعالية، وذلك ما سيتوقف على مدى ترجمة وتحويل مذكرات التفاهم الموقعة إلى مشروعات حقيقية ملموسة، وعلى مدى استمرار الزخم الدبلوماسي بعد هذه الزيارة الافتتاحية، بما في ذلك ترقب زيارة الرئيس السيسي إلى أنتاناناريفو.

المراجع والمصادر:

  1. جريدة اليوم السابع، “نص كلمة السيسي خلال مؤتمر صحفي مع رئيس مدغشقر”، 29 يوليو 2026، vetogate.com/5702656
  2. جريدة الدستور، “السيسي يؤكد لرئيس مدغشقر دعم مصر الكامل للمرحلة الانتقالية ونقل الخبرات الوطنية”، 29 يوليو 2026، dostor.org/5651058
  3. بوابة الأهرام، “الرئيس السيسي يستقبل اليوم رئيس جمهورية مدغشقر”، 29 يوليو 2026، gate.ahram.org.eg/News/5849083
  4. مصراوي، “الزيارة الأولى إلى مصر.. السيسي يستقبل رئيس جمهورية مدغشقر الشقيقة اليوم”، 29 يوليو 2026، masrawy.com
  5. جريدة الملايين، “السيسي ورئيس مدغشقر يبحثان آفاق تعزيز التعاون وتطورات القضايا الإقليمية”، 29 يوليو 2026، elmillionsnews.com
  6. أخبار برس، “الرئيس ميكائيل يوجه دعوة رسمية للرئيس السيسي لزيارة مدغشقر”، 29 يوليو 2026، akhbarperss.com
  7. جريدة الوطن اليوم، “السيسي يستقبل رئيس مدغشقر اليوم لبحث تعزيز التعاون والقضايا الإقليمية المشتركة”، 29 يوليو 2026، elwatanelyoum.com

 

طالع أيضا :

رامي زهدي يكتب: من عبد الناصر إلى السيسي.. كيف أعادت مصر صياغة دورها في إفريقيا وانتقلت من قيادة حركات التحرر إلى شراكة التنمية؟ ” 2 – 2

زر الذهاب إلى الأعلى