أخبار عاجلةالرأي

رامي زهدي يكتب : الاتزان الاستراتيجي .. كيف تستخدم مصر الصمت الإيجابي والحكمة في معارك السياسة الخارجية؟ لتنتصر دائما

في السياسة الدولية، ليست كل قوة تحتاج إلى أن تصرخ، وليست كل معركة تحتاج إلى بيان، وليست كل خطوة ناجحة تحتاج إلى كاميرات، أحيانا يكون أكثر التحركات تأثيرا هو ذلك الذي لا يلفت الانتباه في لحظته، لأن السياسة الخارجية المحترفة لا تقاس بعدد التصريحات التي تصدر عنها، وإنما بعدد المصالح التي تحميها، والأزمات التي تمنع انفجارها، والخيارات التي تتركها مفتوحة عندما تضيق خيارات الآخرين.

ومن هنا أجد أن عبارة “الهدوء القاتل” أو ” الاتزان الاستراتيجي” تصلح، بمعناها السياسي والمجازي، لوصف جانب مهم من طريقة إدارة مصر لعدد من ملفاتها الخارجية خلال السنوات الأخيرة، فالهدوء المصري ليس بعداً عن المشهد، بل حضورا من نوع آخر؛ حضور يقوم على الاتصالات الهادئة، وبناء التفاهمات، وتوسيع شبكة الشركاء، وتجنب استنزاف الأدوات قبل الحاجة إليها، وترك الوقائع المتراكمة تتحدث في اللحظة التي يصبح فيها الحديث أقل أهمية.

هذه ليست دعوة إلى أسطورة سياسية عن دولة لا تخطئ، ولا تعني أن كل تحرك مصري يحقق أهدافه أو أن الخصوم يتراجعون دائما، فالسياسة الدولية أكثر تعقيدا من ذلك، لكن قراءة عدد من الملفات تكشف نمطا يستحق التأمل: مصر تميل في ملفات استراتيجية إلى بناء القوة بصمت، ثم استخدامها بصورة محسوبة ومتزنه ، بدلا من تحويل كل خلاف إلى مواجهة مفتوحة.

ولعل أهم ما يميز هذا النمط أن مصر لا تتعامل مع السياسة الخارجية باعتبارها مباراة صفرية دائما، ففي بيئة إقليمية شديدة الاضطراب، قد يكون الحفاظ على خطوط الاتصال مع أطراف متعارضة في الوقت نفسه جزءا من القوة وليس تناقضا معها.

غزة مثال واضح على ذلك، فخلال الحرب، لم تكن القاهرة مجرد طرف يصدر بيانات سياسية، وإنما تحولت إلى قناة اتصال مستمرة بين أطراف يصعب جمعها في غرفة واحدة، وفي مراحل متعددة عملت مصر مع قطر والولايات المتحدة لدفع مفاوضات وقف إطلاق النار وتبادل المحتجزين وإدخال المساعدات، واستمرت الاتصالات المصرية حتى في أكثر مراحل الأزمة تعقيدا، وفي أغسطس 2026 كانت مصر وقطر وتركيا لا تزال تؤدي دور الوساطة في إطار جهود تثبيت وقف إطلاق النار وتنفيذ مراحله، والقوة هنا ليست في ارتفاع الصوت، وإنما في امتلاك مفاتيح الاتصال، والدولة التي يستطيع الجميع أن يتحدثوا معها، حتى المختلفون معها، تمتلك مساحة تأثير لا تملكها الدولة التي تحرق جسورها مع نصف الأطراف ثم تبحث عن وسيط عندما تقع الأزمة.

وهذه واحدة من أهم قواعد الدبلوماسية المصرية الحديثة: لا تغلق الباب الذي قد تحتاج إلى فتحه غدا، وقد لا تكون هذه السياسة مثيرة للانتباه على مواقع التواصل، لكنها في غرف التفاوض ذات قيمة هائلة.

وفي السودان تظهر الصورة بصورة مختلفة، فمصر أعلنت بصورة واضحة دعمها لوحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه ومؤسساته الوطنية، لكنها في الوقت نفسه لم تتعامل مع الأزمة باعتبارها ملفا أمنيا فقط، ففي يناير 2026 استضافت القاهرة الاجتماع الخامس للآلية التشاورية لتعزيز وتنسيق جهود السلام في السودان، بمشاركة واسعة من دول ومنظمات إقليمية ودولية، بينها الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي وإيجاد والجامعة العربية والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والصين وروسيا وتركيا وقطر والسعودية ودول أخرى.

وهذه ليست مجرد استضافة مؤتمر، إنها محاولة لنقل الأزمة من منطق الاصطفاف الثنائي إلى مساحة أوسع من التنسيق الدولي والإقليمي، وفي السياسة، هناك فرق هائل بين أن تكون طرفا في الأزمة وأن تكون الدولة التي تستطيع أن تجمع أطرافا حول طاولة واحدة.

مصر، بحكم الجغرافيا والتاريخ والأمن القومي والمصالح المباشرة، لا تستطيع أن تتعامل مع السودان كأزمة بعيدة، لكن القاهرة اختارت في جانب كبير من تحركها أن تجعل الدفاع عن وحدة السودان واستقراره مرتبطا أيضا بمسار سياسي وإنساني وإقليمي، وفي نوفمبر 2025، على سبيل المثال، أكدت الخارجية المصرية دعمها لوحدة السودان ومؤسساته وضرورة إطلاق مسار سياسي شامل، بالتوازي مع المسار الإنساني.

وهنا تظهر فكرة الهدوء مرة أخرى، ليس الهدوء أن تصمت عن مصالحك، بل أن تعرف كيف تدافع عنها دون أن تجعل الدفاع عنها سببا في خسارة الآخرين.

أما ليبيا، فهي نموذج آخر لسياسة النفس الطويل، فمصر ليست دولة بعيدة عن الأزمة الليبية؛ الحدود المشتركة وحدها تجعل استقرار ليبيا مسألة أمن قومي مصري، ومع ذلك فإن المسار المصري لم يكن قائما على محاولة فرض حل عسكري أو سياسي منفرد، بل على دعم مسار سياسي ليبي وإقليمي ودولي، وفي مارس 2026 عقدت مصر واليونان مشاورات حول ليبيا لدعم العملية السياسية تحت رعاية الأمم المتحدة، ثم استضافت القاهرة في مايو 2026 اجتماع آلية دول الجوار الثلاثية التي تضم مصر والجزائر وتونس، مع تأكيد أهمية التسوية السياسية الشاملة والحفاظ على وحدة ليبيا وسيادتها.

وهنا يصبح “الصمت الإيجابي” أكثر وضوحا، فمصر لا تحتاج إلى إعلان كل ورقة تمتلكها كي تؤثر في المشهد، يكفي أحيانا أن تكون موجودا في المكان الصحيح، وفي التوقيت الصحيح، ومع الأطراف الصحيحة.

وفي القرن الإفريقي، يمكن رصد نمط أكثر وضوحا، العلاقات المصرية الصومالية انتقلت خلال فترة قصيرة إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية، وشملت السياسة والاقتصاد والتجارة والأمن والدفاع وبناء القدرات، وفي ديسمبر 2024 اتفقت القاهرة ومقديشو على ترفيع العلاقات إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية، بينما أكدت مصر دعمها لسيادة الصومال ووحدته وسلامة أراضيه، كما ارتبط ذلك بالتعاون العسكري الذي بدأ باتفاق في أغسطس 2024.

ثم أصبحت مصر جزءا من النقاش الأوسع حول أمن القرن الإفريقي والبحر الأحمر ودعم مؤسسات الدولة الصومالية.

وفي هذه الحالة، القوة لا تظهر فقط في عدد القوات أو المعدات، وإنما في بناء شبكة علاقات تجعل الحضور المصري جزءا من معادلة الأمن الإقليمي، وهذا فارق مهم، الدولة التي تدخل منطقة ما بقوة عسكرية فقط قد تحقق تأثيرا مؤقتا، أما الدولة التي تدخلها عبر الدبلوماسية والاقتصاد والتدريب وبناء المؤسسات والشراكات السياسية والأمنية، فهي تبني نفوذا قابلا للاستمرار، ومن هنا يمكن فهم جزء من عودة الحضور المصري إلى إفريقيا خلال السنوات الأخيرة.

والقارة الإفريقية بالنسبة لمصر ليست ملفا خارجيا تقليديا، بل مجال للأمن القومي والاقتصاد والتجارة والطاقة والمياه والاستثمار والأمن الغذائي والهجرة والبحر الأحمر، ولذلك فإن بناء علاقات مع الدول الإفريقية لا ينبغي أن يقاس فقط بعدد الزيارات الرئاسية أو البيانات المشتركة، وإنما بما يتشكل على الأرض من مصالح متبادلة.

وفي ملف مياه النيل، ربما يكون “الهدوء” المصري أكثر تعقيدا وأقل قابلية للتفسير السطحي، فمصر خاضت أكثر من عقد من المفاوضات حول سد النهضة، ووقعت مع إثيوبيا والسودان إعلان مبادئ عام 2015، كما وافقت القاهرة وأديس أبابا في يوليو 2023 على استئناف مفاوضات عاجلة بهدف التوصل إلى اتفاق حول قواعد الملء والتشغيل، لكن المفاوضات لم تصل إلى اتفاق نهائي ملزم، ومع ذلك، فإن الخطاب المصري لم يتحول إلى حالة يومية من التصعيد، بل ظلت القاهرة تؤكد التمسك بالقانون الدولي، والتعاون مع دول حوض النيل، ورفض الإجراءات الأحادية، مع التأكيد في الوقت نفسه على أن الأمن المائي المصري قضية وجودية.

وتقول الخارجية المصرية إن مصر سعت لأكثر من 12 عاما إلى تسوية سلمية ومتوازنة للملف، وإنها بعد تعثر المفاوضات احتفظت بحقوقها المكفولة بموجب المواثيق الدولية في الدفاع عن مصالحها، وهنا تكمن واحدة من أخطر أدوات القوة: ألا تسمح للخصم بأن يحدد لك توقيت رد فعلك، وإذا كان الطرف الآخر يريد أن يدفعك إلى رد فعل سريع، فإن عدم الانجرار وراء الإيقاع الذي يحدده قد يكون في حد ذاته أداة سياسية.

هذا لا يعني أن الهدوء بديل عن القوة، بل على العكس، الهدوء يصبح مؤثرا عندما يستند إلى قوة حقيقية خلفه، فالدبلوماسية من دون قدرة قد تتحول إلى تمنيات، والقوة من دون دبلوماسية قد تتحول إلى استنزاف، أما الجمع بينهما فينتج شيئا مختلفا: القدرة على الانتظار، والانتظار في السياسة الدولية ليس سلبية بالضرورة، أحيانا يكون الانتظار عملية تراكم، تراكم علاقات، تراكم مصالح، تراكم اتفاقات، تراكم ثقة، تراكم حضور، ثم تأتي اللحظة التي يتحول فيها هذا التراكم إلى نفوذ.

ولعل النموذج التاريخي الأوضح في السياسة المصرية هو تجربة استعادة سيناء عبر مزيج معقد من الحرب والدبلوماسية والتفاوض الدولي، فبعد حرب أكتوبر 1973 لم تتوقف المعركة عند خطوط القتال، بل انتقلت إلى ساحات سياسية ودبلوماسية متعددة، وصولا إلى اتفاقيات كامب ديفيد عام 1978 ومعاهدة السلام المصرية الإسرائيلية في مارس 1979، وتوثق السجلات الأمريكية الرسمية أن اتفاقيات كامب ديفيد وضعت إطارا لمعاهدة السلام، وأن المفاوضات الشاقة استمرت حتى تم توقيع المعاهدة.

وهذه التجربة تقول شيئا بالغ الأهمية: المعركة الناجحة ليست بالضرورة التي تحقق فيها أقصى ما تستطيع في لحظة واحدة، وإنما التي تحول نتائج القوة إلى ترتيبات سياسية قابلة للاستمرار.

وفي هذا المعنى، فإن الهدوء ليس عكس القوة، إنه إحدى طرق استخدامها، وهناك أيضا بعد اقتصادي في السياسة الخارجية المصرية كثيرا ما يتم تجاهله، فمصر تتحرك في بيئة إقليمية شديدة التعقيد، لكنها في الوقت نفسه تحتاج إلى الاستثمار والتجارة والطاقة والسياحة والتحويلات وسلاسل الإمداد والتعاون الدولي، وبالتالي فإن تحويل كل خلاف سياسي إلى قطيعة اقتصادية ليس دائما في مصلحة الدولة.

والسياسة الخارجية الحديثة لم تعد مجرد سفارات وبيانات، هي موانئ، هي طرق، هي مناطق صناعية، هي طاقة، هي استثمارات، هي تجارة، هي تدريب، هي جامعات، هي بنية تحتية، هي شركات تبحث عن أسواق.

ولهذا فإن الشراكة المصرية الصومالية علي سبيل المثال لم تتوقف عند البعد الأمني، بل شملت الاقتصاد والتجارة وبناء القدرات، وفي العلاقات مع إريتريا، أكدت مصر في يوليو 2026 رغبتها في زيادة التبادل التجاري وتشجيع الاستثمارات المشتركة ودعم مشاركة القطاع الخاص المصري في السوق الإريترية.

هذه هي الدبلوماسية الاقتصادية عندما تتحول من شعار إلى أداة نفوذ، فكل مصنع مصري يعمل في إفريقيا، وكل شركة مصرية تدخل سوقا جديدة، وكل طالب إفريقي يتلقى تدريبا في مصر، وكل طبيب أو مهندس أو خبير مصري يعمل في مشروع إفريقي، وكل خط ملاحي أو اتفاق تجاري جديد، يمكن أن يصبح جزءا من بنية النفوذ المصري، دون أن يحتاج ذلك إلى خطاب سياسي صاخب.

وهنا تحديدا يمكن فهم عبارة “الهدوء القاتل” بصورة أكثر عقلانية، فالهدوء الذي أقصده ليس هدوء العاجز، ولا هدوء المتردد، ولا هدوء من لا يملك خيارات، إنه هدوء الدولة التي تحاول أن تجعل خياراتها أكبر من ردود أفعالها، الدولة التي لا تكشف كل أوراقها، الدولة التي لا تدخل كل سجال، الدولة التي تستطيع أن تختلف مع طرف وتحافظ في الوقت نفسه على قناة اتصال معه، الدولة التي تستطيع أن ترفض دون أن تهدم، وتحذر دون أن تهدد، وتتفاوض دون أن تتنازل عن الثوابت، وتتحرك دون أن تشرح كل تحرك.

وهذه مدرسة مصرية قديمة في الدبلوماسية، لكنها أصبحت أكثر أهمية في عالم جديد لم تعد فيه القوة العسكرية وحدها كافية لصناعة النفوذ، فالشرق الأوسط تغير، والقرن الإفريقي تغير، والبحر الأحمر أصبح أكثر حساسية، والقوى الدولية الكبرى تتنافس على الموانئ والطاقة والمعادن وسلاسل الإمداد والممرات البحرية.

وفي هذا العالم، تحتاج مصر إلى ما هو أكثر من القوة التقليدية: تحتاج إلى قدرة على المناورة، وعلى بناء الشراكات، وعلى استخدام الموقع الجغرافي، وعلى الجمع بين الأمن والاقتصاد والدبلوماسية.

ومن هنا أعتقد أن أهم تطور في السياسة الخارجية المصرية خلال السنوات الأخيرة ليس مجرد زيادة النشاط، وإنما محاولة تحويل النشاط إلى شبكة مترابطة.

فغزة ترتبط بالأمن القومي المصري، والسودان يرتبط بالحدود والأمن والمياه، وليبيا ترتبط بالحدود والطاقة والهجرة، والقرن الإفريقي يرتبط بالبحر الأحمر والملاحة، والصومال يرتبط بأمن البحر الأحمر والقرن الإفريقي، وإثيوبيا ترتبط بالنيل، وإريتريا ترتبط بالبحر الأحمر، وإفريقيا ترتبط بالتجارة والاستثمار والأسواق والطاقة والغذاء.

وبالتالي، فإن السياسة الخارجية المصرية لا يمكن قراءتها ملفا ملفا، لأن الملفات نفسها بدأت تتصل ببعضها، وهنا تحديدا تصبح القدرة على الصمت أحيانا أكثر أهمية من القدرة على الكلام، لأن الدولة التي تتعامل مع كل أزمة منفردة قد تنجح في إدارة الأزمة، لكنها قد تخسر الصورة الأكبر.

أما الدولة التي ترى الخريطة كلها، فتدرك أن ما يحدث في دولة إفريقية قد يؤثر في البحر الأحمر، وأن ما يحدث في البحر الأحمر قد يؤثر في قناة السويس، وأن ما يحدث في قناة السويس يؤثر في التجارة العالمية، وأن ما يحدث في السودان قد يؤثر في الحدود والمياه والهجرة، وأن ما يحدث في غزة قد يعيد تشكيل أمن المنطقة لعقود.

هذه هي السياسة الخارجية عندما تتحول من رد فعل إلى هندسة للمصالح.

ولذلك فإن مصر ليست بحاجة دائما إلى أن تقول إنها انتصرت، يكفي أحيانا أن تنظر إلى مسار الأحداث لتعرف أن بعض المعارك لا تحسمها اللحظة الأولى، وقد يكون الانتصار في منع أزمة من الاتساع، وقد يكون في إبقاء باب التفاوض مفتوحا، وقد يكون في بناء تحالف جديد، وقد يكون في منع عزل حليف، وقد يكون في نقل قضية من مستوى الخلاف الثنائي إلى مستوى القانون الدولي، وقد يكون في تحويل خصم محتمل إلى شريك اقتصادي، وقد يكون في أن تجد نفسك، بعد سنوات، ما زلت قادرا على الحديث مع الجميع بينما أصبح الآخرون مضطرين للبحث عن وسيط.

هذه ليست خيالات سياسية، إنها حسابات مؤثرة للمصلحة الوطنية، وفي تقديري، فإن التحدي القادم أمام مصر ليس فقط الحفاظ على هذا الهدوء، وإنما تطويره إلى مدرسة أكثر تكاملا في صناعة القوة الناعمة والصلبة معا، والهدوء وحده لا يكفي، ووالقوة وحدها لا تكفي، والبيانات وحدها لا تكفي.

المطلوب هو قدرة دولة على معرفة متى تتحدث، ومتى تصمت، ومتى تتفاوض، ومتى ترفع سقف الرسالة، ومتى تترك الوقائع تتحرك بدلا من الكلمات.

ففي عالم يميل إلى الضجيج، قد يصبح الصمت المدروس أكثر وضوحا من ألف خطاب، وفي عالم تتحرك فيه الدول بسرعة، قد يكون امتلاك القدرة على الانتظار نوعا من التفوق، وفي عالم يخلط أحيانا بين القوة والاستعراض، تظل هناك قاعدة أكثر عمقا:

ليس أقوى من الدولة التي لا تحتاج إلى إثبات قوتها في كل لحظة.

ولهذا، إذا أردنا أن نفهم “الهدوء القاتل” أو الاتزان الاستراتيجي في السياسة الخارجية المصرية، فعلينا ألا نقرأه باعتباره هدوءا ضد الآخرين، بل باعتباره قدرة على إدارة الصراع دون الوقوع في فخ الاستنزاف، وعلى حماية المصالح دون تحويل المنطقة كلها إلى ساحات مواجهة.

فالهدوء الحقيقي لا يعني أن مصر لا ترى الخطر، بل يعني أنها تراه مبكرا، ولا يعني أنها لا تملك أدوات الرد، بل يعني أنها لا تستخدمها قبل أن يصبح استخدامها ضروريا، ولا يعني أنها تتنازل، بل يعني أنها تعرف الفرق بين التنازل والتفاوض، وبين المرونة والانحناء، وبين الصمت والغياب.

وفي النهاية، قد لا يكون أخطر ما تفعله الدبلوماسية المصرية هو ما تقوله أمام الكاميرات.

ربما يكون أخطر ما تفعله هو ما تبنيه بهدوء خلفها .

 

طالع أيضاً 

مصر تجدد تأكيد دعمها الكامل لوحدة وسيادة وسلامة أراضي الصومال 

زر الذهاب إلى الأعلى