الدكتور حسين عبد البصير يكتب : أفريقيا التي لا نعرفها .. القارة التي أخفت في ذاكرتها حكايات العالم

في مكان ما من أفريقيا، تحت طبقات الرمال أو بين جذور الأشجار أو بالقرب من نهر غيّر مجراه منذ آلاف السنين، ربما يرقد شيء صغير ينتظر من يكتشفه , قطعة فخار صنعتها يد امرأة لتحتفظ بالماء، أو خرزة ارتداها طفل، أو أداة حجرية استخدمها رجل في يوم عادي لم يكن يعرف أنه سيصبح جزءًا من ماضٍ بعيد, لم يكن أيٌّ من هؤلاء يفكر في التاريخ , كانوا يريدون أن يعيشوا، وأن يجدوا الطعام، وأن يحموا أبناءهم من البرد والخوف، وأن يروا شمس الغد , لكن الغد الذي انتظروه جاء ومضى، ثم تعاقبت فوقه آلاف الأيام، حتى أصبح حاضرنا نحن ماضيًا بالنسبة إليهم.
كلما تأملت أثرًا قديمًا، تذكرت أن التاريخ لم يكن يومًا مجموعة من الملوك والمعارك والتواريخ المحفوظة في الكتب , كان حياة بشر حقيقيين، لهم وجوه وأصوات وأحلام صغيرة، وربما خيبات لم يروها لأحد , الأثر الذي نراه اليوم صامت، لكن الصمت ليس دليلًا على غياب الحكاية. أحيانًا يكون دليلًا على أننا لم نتعلم بعد كيف نطرح السؤال الصحيح.
ومن هنا تبدأ حكاية أفريقيا التي لا نعرفها .
اعتاد العالم أن ينظر إلى القارة من خلال صور محدودة؛ صحارى واسعة، وغابات كثيفة، وحيوانات برية، ومجتمعات تقليدية، وأزمات سياسية واقتصادية , وهذه الصور، على الرغم من أن بعضها يعكس جوانب حقيقية من الواقع، لا تستطيع وحدها أن تشرح قارة بهذا الاتساع والتنوع , فأفريقيا ليست مشهدًا واحدًا، ولا شعبًا واحدًا، ولا تاريخًا يمكن اختصاره في فقرة من كتاب مدرسي , إنها عالم من البيئات واللغات والتجارب الإنسانية، شهد ظهور مجتمعات زراعية، ومدن تجارية، وممالك واسعة، وشبكات اتصال ربطت المحيطات والصحارى والأنهار بعضها ببعض.
ولعل المفارقة أن القارة التي تحتل مكانة مركزية في قصة الإنسان نفسه ما زالت أجزاء واسعة من تاريخها القديم أقل حضورًا في الوعي العام مما تستحق , فمن أفريقيا جاءت أقدم الأدلة المعروفة على تطور الإنسان الحديث، ومنها انتشر أسلافنا إلى بقية العالم في مراحل متعددة من تاريخهم. وتكشف الاكتشافات الأثرية والحفريات أن قصة الإنسان لم تكن رحلة بسيطة تسير في خط مستقيم، بل مسارًا طويلًا ومعقدًا تشاركت في تشكيله جماعات بشرية متعددة، وتغيرت خلاله البيئات وطرائق العيش وأشكال التكيف.
لكن أفريقيا ليست مهمة فقط لأنها تحتل موقعًا أساسيًا في تاريخ نشأة الإنسان , إنها مهمة أيضًا لأن شعوبها صنعت تاريخًا غنيًا بعد ذلك بآلاف السنين، حين تعلمت الزراعة، وطورت تقنيات التعدين، وأقامت المستوطنات والمدن، وأنشأت نظمًا للحكم، وطورت الفنون والمعتقدات، وتاجرت بالذهب والملح والعاج والمنسوجات وغيرها من السلع. ولم تكن هذه المجتمعات تعيش معزولة عن العالم؛ فقد عبرت السلع والأفكار والأشخاص مسافات بعيدة، وربطت أفريقيا بالبحر المتوسط والبحر الأحمر والمحيط الهندي، وبمناطق من آسيا وأوروبا.
في شمال القارة، وعلى امتداد النيل، نشأت حضارات عظيمة، من بينها مصر القديمة وممالك النوبة وكوش , وفي المرتفعات الإثيوبية ظهرت مملكة أكسوم، التي أصبحت قوة تجارية وسياسية بارزة في القرون الأولى للميلاد , وفي غرب أفريقيا ازدهرت مراكز سياسية وتجارية ارتبطت بطرق الذهب والملح عبر الصحراء، ثم ظهرت إمبراطوريات غانا ومالي وصنغاي في مراحل تاريخية مختلفة , وعلى الساحل الشرقي تطورت مدن سواحلية شاركت في شبكات التجارة عبر المحيط الهندي، بينما تشهد آثار زيمبابوي الكبرى على قدرة المجتمعات الأفريقية على بناء مراكز عمرانية وسياسية ذات طابع مميز.
لم تكن هذه الحضارات نسخًا من بعضها بعضًا، ولم تتطور كلها بالطريقة نفسها , بعضها اعتمد على الزراعة النهرية، وبعضها استفاد من التجارة البعيدة، وبعضها جمع بين الزراعة وتربية الحيوانات والتعدين والحرف , ولكل مجتمع ظروفه وابتكاراته وتحدياته. وهذه الحقيقة هي نقطة البداية لأي كتابة جادة عن أفريقيا: أن نقترب من كل حضارة باعتبارها تجربة إنسانية تستحق الفهم، لا باعتبارها حلقة في سباق لإثبات مَن كان الأعظم.
أتخيل أحيانًا عالم آثار يسير عند الفجر في موقع أثري غرب أفريقيا , لم تشتد حرارة الشمس بعد، والهواء يحمل برودة الليل الأخيرة , ينحني الرجل فوق مساحة صغيرة حددها فريق الحفائر، ثم يزيل التراب بحذر عن جزء من جدار قديم , لا يظهر أمامه قصر كامل، ولا كنز ذهبي، بل طبقة من الطوب وآثار احتراق وقطع فخار متناثرة , قد تبدو هذه الأشياء عادية لمن يمر بالمكان سريعًا، لكنها بالنسبة إليه بداية سؤال كبير: كيف عاش الناس هنا؟ ماذا كانوا يأكلون؟ من أين حصلوا على المواد التي صنعوا منها أدواتهم؟ هل كانوا يتاجرون مع مناطق بعيدة؟ ولماذا هجروا المكان؟
هذه الصورة المتخيلة لا تصف حفائر بعينها، لكنها تقترب من جوهر العمل الأثري. فالعالم لا يستعيد الماضي بمجرد العثور على شيء جميل، بل بربط الشواهد بعضها ببعض، وفحص سياقاتها، ومقارنتها بالأدلة الأخرى، ثم اختبار التفسيرات الممكنة , وقد تكون قطعة فخار غير مزخرفة أكثر أهمية لفهم الحياة اليومية من قطعة ذهبية رائعة، لأن الأولى قد تساعدنا على معرفة عادات الطعام والتصنيع والتبادل، بينما لا تكشف الثانية وحدها إلا القليل عن المجتمع الذي أنتجها.
لهذا أؤمن بأن أجمل ما في علم الآثار ليس العثور على الماضي، بل اكتشاف مقدار ما نجهله عنه. فكل إجابة دقيقة تفتح أسئلة جديدة، وكل اكتشاف يضع أحيانًا تصوراتنا القديمة أمام امتحان صعب , وما نعرفه اليوم ليس الكلمة الأخيرة؛ إنه أفضل ما تسمح به الأدلة المتاحة، إلى أن تظهر شواهد أخرى تستدعي المراجعة.
ولعل هذا هو السبب الذي يجعلني أرفض النظر إلى تاريخ أفريقيا من خلال عدسة واحدة , فلا يصح أن نختزل إنجازات القارة في حضارة واحدة، أو أن نتصور أن كل تقدم حضاري جاء إليها من الخارج، أو أن نرد كل أثر إلى أصل واحد من دون دليل , وفي المقابل، لا تحتاج الحضارات الأفريقية إلى مبالغات أو ادعاءات غير مثبتة حتى نعترف بقيمتها , فالتاريخ الحقيقي، حين ندرسه بعناية، أغنى من الأساطير التي نصنعها عنه.
ومصر، في هذا السياق، تمنحنا بداية مهمة، لكنها ليست نهاية الرحلة , فقد كان وادي النيل مجالًا للتواصل والتبادل بين جماعات وممالك متعددة، وكانت العلاقة بين مصر والنوبة تتغير عبر العصور، فتجمع أحيانًا التجارة والتأثير الثقافي، وأحيانًا أخرى الصراع والسيطرة السياسية , وفي الجنوب، نشأت مملكة كوش، التي اتخذت من كرمة ثم نبتة ومروي مراكز مهمة في مراحل مختلفة من تاريخها , واستطاع ملوك كوش في القرن الثامن قبل الميلاد أن يحكموا مصر ويؤسسوا الأسرة الخامسة والعشرين. وهذه ليست هامشًا في تاريخ مصر أو أفريقيا، بل فصل أساسي من تاريخ المنطقة كلها.
وعندما نتأمل هذه الوقائع، ندرك أن الحدود السياسية التي نعرفها اليوم لا تصلح دائمًا لفهم العالم القديم , فالناس تحركوا وراء الماء والمرعى والمواد الخام وفرص التجارة، وانتقلت الأفكار مع التجار والحرفيين والجنود والكهنة , لم تكن أفريقيا القديمة مجموعة جزر منفصلة، بل عوالم متنوعة تتصل أحيانًا وتتباعد أحيانًا أخرى، وفقًا لظروف البيئة والاقتصاد والسياسة.
وفي غرب القارة، تروي طرق التجارة حكاية مختلفة , تخيل قافلة تعبر الصحراء في زمن إمبراطورية مالي , الجمال تتحرك ببطء، والحمولة موزعة بعناية، والرجال يراقبون الماء والسماء وآثار الطريق , خلفهم مدن ومراكز إنتاج، وأمامهم أسواق ينتظر فيها التجار بضائع قادمة من مناطق بعيدة , لم تكن الصحراء مجرد حاجز يفصل الشمال عن الجنوب، بل كانت أيضًا طريقًا صعبًا صنع أشكالًا من الاتصال بين مجتمعات مختلفة , ومن خلال تجارة الذهب والملح وغيرها من السلع، اكتسبت مدن مثل تمبكتو وجني أهمية اقتصادية وثقافية، وارتبطت بعض مراكز غرب أفريقيا بالتعليم والكتابة ودراسة الدين.
وفي مدينة تمبكتو، التي ازدهرت مكانتها خصوصًا خلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر، لم يكن كل شيء يدور حول القوافل والأسواق , فقد نشطت فيها حلقات التعليم، وتداول العلماء المخطوطات، وظهرت تقاليد معرفية تركت آثارًا مهمة في تاريخ غرب أفريقيا , وتذكرنا هذه التجربة بأن المعرفة لم تكن حكرًا على قارة أو لغة أو مركز سياسي بعينه , كانت لها طرق متعددة، ومؤسسات مختلفة، وأشكال متنوعة من الانتقال بين الأجيال.
ثم هناك زيمبابوي الكبرى، حيث ترتفع الجدران الحجرية الضخمة شاهدًا على مجتمع امتلك مهارات معمارية وتنظيمًا اجتماعيًا واقتصاديًا مكّنته من إنشاء مركز عمراني واسع. لم تكن تلك الجدران تحتاج إلى أسطورة كي تصبح مدهشة، لكن تاريخها تعرض لتفسيرات متحيزة في العصر الحديث، حين حاول بعضهم إنكار قدرة المجتمعات الأفريقية المحلية على إنجازها , وقد أظهرت الأدلة الأثرية أن الموقع ارتبط بمجتمعات أفريقية محلية، وأنه كان جزءًا من عالم اقتصادي اتصل بالتجارة الإقليمية والبعيدة , هنا تصبح دراسة الماضي أيضًا درسًا في الحاضر: كيف يمكن للأفكار المسبقة أن تعمي الإنسان عن قراءة الدليل الواضح أمامه؟
غير أن استعادة تاريخ أفريقيا لا ينبغي أن تتحول إلى معركة معكوسة، نستبدل فيها حكمًا متحيزًا بآخر , فالغاية ليست إثبات أن حضارة ما أفضل من سواها، بل فهم ما أنجزته المجتمعات المختلفة، وكيف تفاعلت مع بيئاتها، وما الذي ورثته الأجيال اللاحقة عنها , الحضارة ليست ميدالية تُمنح لشعب واحد، وإنما حصيلة تجارب بشرية متعددة، لكل منها ما يميزها وما يحد من إمكاناتها.
وكلما اتسعت معرفتنا بهذه العوالم، تغير معنى كلمة «المنسية» , فبعض هذه الحضارات لم ينسها أهلها أصلًا، وظلت ذكراها حية في التقاليد الشفوية والممارسات الاجتماعية واللغات والذاكرة المحلية , الذي حدث أحيانًا هو أن كتب التاريخ العالمية لم تمنحها المكانة المناسبة، أو أن آثارها لم تحظ بالقدر الكافي من الدراسة، أو أن روايتها وصلت إلى العالم عبر عيون خارجية لم تفهم دائمًا المجتمعات التي وصفتها. لذلك ينبغي أن نكون حذرين حتى في اختيار عنوان السلسلة: أفريقيا ليست قارة بلا ذاكرة، وإنما قارة لا نعرف نحن عن ذاكرتها إلا بعض الفصول.
وهنا يعود السؤال الذي بدأنا به: ماذا يبقى من الإنسان بعد رحيله؟
قد يبقى جدار، أو نقش، أو إناء مكسور، أو اسم في مخطوطة , وقد لا يبقى شيء يمكننا التعرف إليه بسهولة. لكن غياب الأثر لا يعني أن الحياة لم تحدث، مثلما أن العثور على أثر لا يمنحنا الحق في ادعاء أننا فهمنا صاحبه تمامًا. بين ما عاشه البشر وما نستطيع معرفته عنهم مسافة واسعة، يردمها البحث حينًا، ويتركها مفتوحة حينًا آخر.
ربما لهذا السبب تبدو لي أفريقيا موضوعًا يتجاوز حدود التاريخ القديم , إنها تدعونا إلى التفكير في الطريقة التي نختار بها ما نتذكره، وفي الأسباب التي تجعل بعض الحكايات مركزية وأخرى هامشية. فكل مجتمع يرث ماضيًا، لكنه يعيد تفسيره وفقًا لأسئلة حاضره. وعندما نفتح صفحات الحضارات الأفريقية، فإننا لا نضيف أسماء جديدة إلى الكتب فحسب، بل نراجع صورة العالم التي صنعناها لأنفسنا.
لا أريد أن تنتهي هذه الرحلة عند ملوك الذهب أو جدران الحجر أو المدن التي ازدهرت على طرق التجارة , أريد أن نصل إلى الإنسان الذي وقف يومًا أمام نهر، أو سار في الصحراء، أو أشعل نارًا في بيته، أو صنع إناءً لابنه، ثم اختفى من المشهد تاركًا وراءه أثرًا صغيرًا , فهذا الإنسان، على اختلاف لغته وزمنه ومكانه، لم يكن بعيدًا عنا كما نتخيل , كان يواجه أسئلة البقاء والانتماء والخوف والأمل، وهي أسئلة لم يفقد العالم الحديث قدرته على طرحها.
ستأخذنا المقالات القادمة إلى ممالك ومدن وشعوب مختلفة، وسنحاول أن نفهم كل تجربة في زمانها، مستعينين بما تقوله الحفائر والنصوص واللقى الأثرية، وبما تكشفه المقارنات العلمية من إمكانات وحدود , لن نكتب عن أفريقيا بوصفها لغزًا غامضًا، بل بوصفها جزءًا أصيلًا من تاريخ البشرية، يستحق أن يُقرأ بعين مفتوحة وعقل ناقد وخيال أدبي لا يخون الحقيقة.
ففي نهاية الأمر، ليست الحضارات القديمة مجرد حكايات عن أناس ماتوا منذ زمن بعيد , إنها مرايا نرى فيها شيئًا من أنفسنا، ونتعلم من خلالها أن الإنسان أكبر من الحدود التي يرسمها، وأوسع من الصور التي يختصره فيها الآخرون.
وربما كان أجمل ما يمكن أن تمنحنا إياه هذه الرحلة هو أن نكتشف أن العالم لم يكن يومًا صغيرًا كما ظننا، وأن وراء كل تاريخ نعرفه تواريخ أخرى تنتظر من يصغي إليها.
طالع أيضا :
الدكتور حسين عبد البصير يكتب: عندما يصبح الكتاب شريكًا في التفكير




