العميد دكتور محمد حجاب يكتب : ميناء عصب الإريتري.. عقدة الصراع بين أديس أبابا وأسمرة ومخاطر الانزلاق إلى حرب شاملة
لم يعد ميناء عصب الإريتري مجرد منفذ بحري على الساحل الغربي للبحر الأحمر، بل أصبح جزءًا من معادلة الصراع الاستراتيجي بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل تصاعد الخلافات حول الوصول إلى البحر الأحمر، وتداخل الحسابات الأمنية والعسكرية مع التنافس على النفوذ الإقليمي, فالميناء، الذي يقع بالقرب من مضيق باب المندب، يمثل لإريتريا ركيزة مهمة في أمنها البحري، بينما تنظر إليه إثيوبيا من زاوية أوسع تتصل بمشكلتها الجيوسياسية الناجمة عن فقدان منفذها البحري بعد استقلال إريتريا عام 1993.
وتكمن خطورة المشهد في أن الخلاف لم يعد مقتصرًا على التصريحات السياسية أو التنافس الدبلوماسي، بل بات قابلًا للتحول إلى مواجهة عسكرية إذا تداخلت الحسابات المتعلقة بالوصول إلى البحر مع النزاعات الحدودية والتوترات الداخلية الإثيوبية والإريترية, ومع ذلك، فإن احتمال اندلاع حرب شاملة لا ينبغي التعامل معه باعتباره نتيجة حتمية، بل بوصفه أحد السيناريوهات التي تتوقف فرص تحققها على طبيعة التحركات العسكرية، وحسابات القيادة السياسية في البلدين، ومدى قدرة القوى الإقليمية والدولية على احتواء التصعيد.
أولًا: من أزمة المنفذ البحري إلى صراع السيادة والنفوذ
تعود جذور الأزمة إلى التحول الجيوسياسي الذي أحدثه استقلال إريتريا عام 1993، حين فقدت إثيوبيا منفذها المباشر إلى البحر، وأصبحت تعتمد بدرجة كبيرة على موانئ الدول المجاورة، وفي مقدمتها جيبوتي, ومع تزايد طموحات أديس أبابا الاقتصادية والعسكرية، عاد الوصول إلى البحر الأحمر إلى صدارة التفكير الاستراتيجي الإثيوبي، خصوصًا بعد تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد بشأن ضرورة حصول بلاده على منفذ بحري سيادي.
وفي هذا السياق، يكتسب ميناء عصب أهمية تتجاوز وظيفته التجارية؛ فهو يقع على الساحل الإريتري للبحر الأحمر، ويمنح الدولة التي تسيطر عليه موقعًا مؤثرًا في معادلات الملاحة والأمن البحري بالقرب من مضيق باب المندب. وبالنسبة إلى إثيوبيا، يمثل الميناء أحد الخيارات الجغرافية التي يمكن أن تخفف اعتمادها على الموانئ الأجنبية، لكنه بالنسبة إلى إريتريا جزء من أراضيها وسيادتها الوطنية، ولا يمكن فصل أي نقاش بشأنه عن مخاوفها من التوسع الإثيوبي.
ومن هنا نستطيع أن نقول إن جوهر الأزمة لا يتعلق بمجرد حاجة إثيوبيا إلى منفذ بحري، وإنما بكيفية تحقيق هذه الحاجة. فالحصول على تسهيلات تجارية أو حق استخدام ميناء بموجب اتفاق تفاوضي يختلف جذريًا عن المطالبة بالسيادة على أرض إريترية أو اللجوء إلى القوة لفرض واقع جديد , وهذا الفارق هو الذي يحدد ما إذا كان البحر الأحمر سيصبح مجالًا للتعاون الاقتصادي أم ساحة لمواجهة عسكرية مفتوحة.
ثانيًا: لماذا أصبح عصب نقطة اشتعال محتملة؟
تنبع خطورة ميناء عصب من تداخل ثلاثة أبعاد استراتيجية , يتمثل البعد الأول في الموقع الجغرافي، إذ يربط الميناء بين المصالح الإريترية المباشرة وحسابات الأمن البحري في البحر الأحمر، بما يجعل أي صراع حوله قابلًا لاستقطاب أطراف إقليمية تتجاوز حدود البلدين.
أما البعد الثاني فيتعلق بالتوازن العسكري, فإثيوبيا تمتلك قدرات جوية وعسكرية يمكن أن تمنحها أفضلية في بعض مراحل المواجهة، لكن الاستيلاء على ميناء لا يعني بالضرورة القدرة على الاحتفاظ به أو تأمين خطوط الإمداد إليه , فالموانئ الساحلية لا تُقاس قيمتها العسكرية بقدرة القوات على الوصول إليها فحسب، بل أيضًا بقدرتها على الدفاع عنها واستدامة السيطرة عليها في مواجهة مقاومة طويلة الأمد.
وتزداد هذه المعضلة تعقيدًا بسبب الموقع الجغرافي لعصب بالنسبة إلى مراكز الثقل العسكري الإريترية، وما قد يترتب على أي تحرك إثيوبي من أعباء لوجستية ومخاطر تصعيد , وتشير تقديرات تحليلية حديثة إلى أن السيطرة العسكرية المؤقتة على الميناء، إذا حدثت، قد تتحول إلى عبء استراتيجي ما لم تتمكن إثيوبيا من تأمينه وتجنب ردود الفعل الإقليمية والدولية.
أما البعد الثالث، وهو الأكثر خطورة في تقديري، فيتمثل في ارتباط أزمة عصب بالتوترات الداخلية الإثيوبية. فكلما اتسعت المواجهات في إقليم تيغراي، ازدادت احتمالات تداخل الصراع الداخلي مع الحسابات الإريترية، بما يفتح المجال أمام حرب تتجاوز الحدود التقليدية للمواجهة بين دولتين.
ثالثًا: تيغراي.. الحلقة التي قد تربط الصراع الداخلي بالحرب الإقليمية
لا يمكن فهم احتمالات التصعيد حول عصب بمعزل عن التطورات في شمال إثيوبيا , فقد عادت المواجهات في إقليم تيغراي إلى الواجهة، وسط اتهامات إثيوبية لإريتريا بالتدخل العسكري ودعم جماعات مسلحة معارضة للحكومة الفيدرالية, وفي المقابل، ترفض أسمرة الاتهامات الإثيوبية، وتتهم أديس أبابا باستخدام التوترات القائمة ذريعة لتبرير تحرك يستهدف انتزاع منفذ بحري.
وفي أكتوبر 2026، تبادلت الحكومتان الاتهامات بشأن تحركات عسكرية عبر الحدود، وأعلنت إثيوبيا أنها ستتخذ إجراءات دفاعية، بينما اعتبرت إريتريا أن الموقف الإثيوبي يهدد سيادتها , كما تصاعدت الأزمة الدبلوماسية إلى حد قطع العلاقات بين البلدين، في تطور يعكس تراجع فرص الاحتواء السياسي في المدى القريب.
وتكمن المعضلة هنا في أن الصراع قد يتحول إلى دائرة تصعيد متبادل؛ إذ ترى إثيوبيا أن أي دعم إريتري لقوى معارضة يهدد أمنها الداخلي، بينما ترى إريتريا أن المطالب الإثيوبية المتعلقة بالبحر الأحمر تمثل تهديدًا مباشرًا لأراضيها , وفي ظل غياب الثقة، يمكن لكل تحرك عسكري أن يُفسَّر باعتباره مقدمة لهجوم أوسع، فتتراجع فرص التسوية وتزداد احتمالات الحسابات الخاطئة.
ولذلك، فإن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في اندلاع اشتباك مباشر حول الحدود أو الميناء، بل في احتمال تحول النزاعات الداخلية الإثيوبية إلى امتداد لصراع إقليمي، تستخدم فيه الأطراف المتنافسة التحالفات المحلية والضغوط العسكرية لتحقيق أهدافها الاستراتيجية.
رابعًا: هل تتجه المنطقة إلى حرب شاملة؟
في تقديري، ينبغي التمييز بين ثلاثة سيناريوهات محتملة، مع الإشارة إلى أن تقدير احتمالاتها يظل مشروطًا بمسار التطورات الميدانية والسياسية.
السيناريو الأول: احتواء التصعيد. ويتحقق إذا نجحت الوساطات الإقليمية والدولية في وقف التحركات العسكرية، واستؤنفت الاتصالات السياسية، وجرى الفصل بين الخلاف حول الوصول إلى البحر الأحمر وبين النزاعات الداخلية الإثيوبية, ويظل هذا السيناريو الأقل كلفة للطرفين، لكنه يتطلب ضمانات متبادلة بشأن السيادة والحدود وعدم دعم الجماعات المسلحة.
السيناريو الثاني: مواجهة عسكرية محدودة. ويقوم على استمرار الاشتباكات الحدودية أو الضربات الجوية والعمليات العسكرية المحدودة، دون الانتقال إلى حرب شاملة. وقد يبدو هذا السيناريو قابلًا للاحتواء في بدايته، لكنه ينطوي على مخاطر كبيرة، لأن الخسائر البشرية أو استهداف منشآت استراتيجية قد يدفعان القيادتين إلى توسيع نطاق العمليات.
السيناريو الثالث: حرب واسعة تستهدف تغيير موازين السيطرة, ويصبح أكثر خطورة إذا انتقلت المواجهة من شمال إثيوبيا إلى الأراضي الإريترية، أو اتجهت إثيوبيا إلى استخدام القوة لفرض وصول سيادي إلى ميناء عصب. وفي هذه الحالة، لن يقتصر الصراع على تحقيق مكاسب عسكرية محدودة، بل قد يتحول إلى حرب دفاع عن السيادة بالنسبة إلى إريتريا، ومحاولة لإعادة تشكيل البيئة الجيوسياسية بالنسبة إلى إثيوبيا.
وتحذر تحليلات حديثة من أن اتساع الحرب قد يستدعي تدخلات غير مباشرة من أطراف إقليمية، ويزيد من مخاطر امتداد الاضطراب إلى السودان ومنطقة البحر الأحمر, ومع ذلك، فإن تحول الأزمة إلى حرب إقليمية متعددة الأطراف ليس أمرًا حتميًا، وإنما يتوقف على طبيعة التدخلات الخارجية ومدى قدرة الأطراف على منع انتقال الصراع إلى ساحات جديدة.
خامسًا: التداعيات على البحر الأحمر والأمن الإقليمي
إذا تحول ميناء عصب إلى هدف مباشر في أي مواجهة عسكرية، فإن تداعيات ذلك لن تقتصر على إثيوبيا وإريتريا , فالبحر الأحمر يمثل ممرًا حيويًا للتجارة الدولية، ويرتبط أمنه باستقرار الدول المطلة عليه وبسلامة الملاحة عبر مضيق باب المندب.
ومن هنا، فإن اندلاع حرب بين البلدين قد يفرض ضغوطًا إضافية على أمن الممرات البحرية، ويرفع مخاطر اضطراب حركة التجارة، فضلًا عن احتمالات النزوح وتفاقم الأزمات الإنسانية في المناطق الحدودية. كما قد تجد دول الجوار نفسها أمام معادلة صعبة بين حماية مصالحها الاستراتيجية وتجنب الانخراط في مواجهة مباشرة.
وبالنسبة إلى مصر، فإن استقرار البحر الأحمر يمثل مصلحة استراتيجية مرتبطة بأمن الملاحة في قناة السويس وباب المندب، فضلًا عن ارتباط الأزمة الإثيوبية الإريترية بالتوازنات الأوسع في منطقة القرن الإفريقي وحوض النيل, ولذلك، فإن أي تصعيد لا ينبغي النظر إليه بوصفه خلافًا ثنائيًا بعيدًا عن المصالح المصرية، بل باعتباره تطورًا يستدعي متابعة دقيقة لمسارات التحالفات والتحركات العسكرية والتأثيرات المحتملة على أمن البحر الأحمر.
أما على المستوى الدولي، فإن اتساع المواجهة قد يدفع القوى الكبرى إلى تكثيف تحركاتها الدبلوماسية، ليس فقط لمنع الحرب، وإنما أيضًا لحماية مصالحها البحرية والتجارية , وقد دعا وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، في أكتوبر 2026، إلى خفض التصعيد والعودة إلى الحوار، في مؤشر على تنامي المخاوف الدولية من اتساع نطاق المواجهة.
خاتمة: عصب اختبار للسيادة أم مدخل إلى حرب إقليمية؟
وهكذا، فإن ميناء عصب أصبح أكثر من مجرد نقطة خلاف على الساحل الإريتري؛ فقد تحول إلى عنوان لأزمة استراتيجية تتقاطع فيها طموحات إثيوبيا البحرية مع مخاوف إريتريا الأمنية، وتتداخل فيها النزاعات الداخلية مع التنافس الإقليمي على النفوذ.
وفي تقديري، فإن أخطر ما في هذه الأزمة هو أن كل طرف قد يعتقد أن استخدام القوة سيحسن موقعه التفاوضي، بينما قد تؤدي هذه الحسابات إلى نتائج عكسية. فإثيوبيا قد تجد أن السيطرة العسكرية على منفذ بحري لا تعني بالضرورة ضمان استخدامه بصورة مستقرة، في حين قد يؤدي التصعيد الإريتري إلى تعميق المواجهة بدلًا من ردع الخصم.
ولذلك، فإن منع الحرب الشاملة يتطلب معالجة أصل الأزمة، من خلال التمييز بين حق إثيوبيا في البحث عن ترتيبات تضمن مصالحها التجارية والاقتصادية، وحق إريتريا في الحفاظ على سيادتها ووحدة أراضيها, كما يتطلب بناء آلية إقليمية تضمن عدم استخدام القوة لتغيير الحدود، وتمنع تحويل النزاعات الداخلية إلى أدوات للصراع بين الدول.
إن مستقبل ميناء عصب لن يتحدد فقط بما تستطيع الجيوش تحقيقه على الأرض، بل بقدرة القيادات السياسية على إدراك أن كلفة الحرب قد تتجاوز مكاسبها، وأن البحر الأحمر، إذا تحول إلى ساحة مواجهة مفتوحة، لن يكون أي طرف بمنأى عن تداعياتها.
- العميد دكتور محمد حجاب الخبير السياسي والعسكري .
طالع أيضا :

