حرب الظل في لبنان: نزوح أكثر من 500 ألف شخص وتحول ضواحي بيروت الجنوبية إلى مدن أشباح بعد الضربات الإسرائيلية

كارثة إنسانية غير مسبوقة في لبنان مع تصاعد العمليات العسكرية
كشف تقرير موسع نشرته صحيفة الجارديان البريطانية عن وصول الأزمة الإنسانية في لبنان إلى نقطة حرجة، بعدما أجبرت أوامر الإخلاء الصادرة عن الجيش الإسرائيلي أكثر من 500 ألف شخص على النزوح بشكل مفاجئ في لحظة واحدة، ما أدى إلى واحدة من أكبر موجات النزوح الداخلي في البلاد خلال السنوات الأخيرة.
وأوضح التقرير، الذي أعده مراسل الصحيفة ويليام كريستو من قلب الأحداث، أن المشهد كان صادماً؛ إذ دوّى صوت الإشعارات في مئات الآلاف من الهواتف المحمولة في الوقت ذاته تقريباً، ليدرك سكان العاصمة بيروت أن مناطقهم أصبحت ضمن أوامر الإخلاء العاجلة.
أكبر أمر إخلاء إسرائيلي يشمل ضواحي بيروت الجنوبية
بحسب التقرير، أصدر الجيش الإسرائيلي أوسع أمر إخلاء حتى الآن شمل الضواحي الجنوبية لبيروت، وهي منطقة حضرية كبيرة تعادل في مساحتها تقريباً منطقة مانهاتن السفلى في مدينة نيويورك .
وبحلول يوم الجمعة، تحولت هذه المنطقة المكتظة بالسكان والنشاط التجاري إلى مدينة أشباح، حيث اختفى صخب الحياة اليومية ليحل محله دخان الحرائق وأنقاض المباني بعد تنفيذ 26 غارة جوية إسرائيلية خلال صباح واحد فقط.
الحرب الرقمية: الخرائط الزرقاء ورسائل الإخلاء عبر وسائل التواصل
سلط التقرير الضوء على الطابع الرقمي المتزايد للحروب الحديثة. فقد أصبحت مجموعات العائلات على تطبيق واتساب تمتلئ بما وصفته الصحيفة بـ”الخرائط الزرقاء الشهيرة” التي ينشرها المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تظهر الأحياء والمناطق المطلوب إخلاؤها مظللة باللون الأحمر.
هذا الضغط النفسي والإنساني الهائل وضع الدولة اللبنانية أمام اختبار صعب، إذ أبلغت الحكومة آلاف النازحين بأن جميع مراكز الإيواء في بيروت وصلت إلى طاقتها القصوى، مطالبة الفارين بالتوجه إلى مناطق تقع على بعد ساعتين شمال العاصمة للعثور على مكان للإقامة.
شهادات من قلب المأساة: عائلات تترك ذكرياتها خلفها
تحدثت الصحيفة مع علي حمدان، وهو أب يبلغ من العمر 31 عاماً من حي حارة حريك في الضاحية الجنوبية. وقال حمدان إن النزوح القسري يعني أن الشخص لا يستطيع حمل سوى القليل من الملابس وربما فراش للنوم.
وأضاف: “عندما يغادر الإنسان منزله لا يستطيع أن يأخذ سوى بعض الملابس وربما مرتبة للنوم، أما كل الذكريات الجميلة فتبقى في البيت وفي الحي.”
قصة حمدان تعكس صدمة متكررة يعيشها سكان المنطقة، إذ سبق أن أصيب خلال غارة جوية عام 2024 أسفرت عن مقتل الأمين العام السابق لـ حزب الله حسن نصرالله لذلك قرر هذه المرة نقل عائلته مبكراً، محاولاً “السبق على القنابل” التي كان يتوقع أن تدمر متجره ومنزله.
دمار واسع في الضاحية الجنوبية وتحذيرات من انهيار البنية السكنية
أكد رئيس بلدية الغبيري، أحمد الخصنة، أن حجم الدمار كبير ويبدو متعمداً في بعض الحالات، مشيراً إلى أن مبانٍ كاملة تنهار تحت قوة الانفجارات المتتالية.
كما كشف عن أزمة إنسانية إضافية تتعلق بكبار السن وذوي الإعاقة الذين لم يتمكنوا من المغادرة قبل القصف، مشيراً إلى أن البلدية لم تتلق دعماً كافياً من الدولة اللبنانية لإنقاذ هؤلاء العالقين.
انقسام داخلي في لبنان وتراجع التعاطف مع النازحين
يشير التقرير إلى تصاعد الانقسام الاجتماعي داخل لبنان مع استمرار الحرب. فخلافاً لما حدث خلال النزاع عام 2024، لم يعد التعاطف مع النازحين واسع النطاق كما كان سابقاً.
ويرى بعض اللبنانيين أن الأزمة الحالية جاءت نتيجة سياسات حزب الله ودوره في الصراع مع إسرائيل، ما أدى إلى حالة من الريبة والرفض في بعض المناطق التي لا تُعد معاقل تقليدية للحزب.
وقد وثق التقرير حالات رفض فيها ملاك عقارات استقبال النازحين خوفاً من أن يؤدي وجودهم إلى استهداف المباني بالقصف الإسرائيلي.
استغلال الأزمة اقتصادياً وارتفاع خيالي في الإيجارات
كشفت الصحيفة أيضاً عن استغلال مالي للأزمة الإنسانية. ففي بعض الأحياء ذات الغالبية المسيحية مثل الأشرفية ، أفادت تقارير بأن بعض الملاك يرفضون تأجير المنازل للاجئين بسبب لهجاتهم، أو يطلبون مبالغ ضخمة للإيجار.
وأشار التقرير إلى إعلان عن شقة مكونة من غرفتين طُلب مقابلها 6 آلاف دولار مقدماً، وهو مبلغ يتجاوز بكثير قدرة معظم اللبنانيين في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة.
وفي مفارقة لافتة، ذكر التقرير أن الحياة في بعض هذه المناطق تستمر بشكل شبه طبيعي؛ إذ لا تزال النوادي الليلية مفتوحة وتروج لحفلات خاصة “لتخفيف التوتر”، بينما تهتز نوافذ المباني في العاصمة جراء الانفجارات القريبة.
تصعيد عسكري متبادل وإعلان “حرب مفتوحة”
على الصعيد العسكري، أعلن حزب الله استمرار إطلاق الصواريخ باتجاه شمال إسرائيل ، مؤكداً أن المواجهة دخلت مرحلة “الحرب المفتوحة”.
ويأتي ذلك رغم مطالبة الحكومة اللبنانية للحزب بتسليم سلاحه. لكن مراقبين يرون أن ميزان القوة يبدو غير متكافئ، حيث تمكنت إسرائيل من تدمير مبانٍ كاملة وتنفيذ غارات بعيدة المدى.
وفي المقابل أعلن الحزب أنه أصاب ثمانية جنود إسرائيليين خلال المواجهات.
حصيلة القتلى والجرحى ترتفع مع استمرار الغارات
نقلاً عن وزارة الصحة اللبنانية أكد التقرير أن 217 شخصاً على الأقل قتلوا وأصيب 798 آخرون خلال يوم الجمعة فقط نتيجة الغارات الجوية.
ومع استمرار القصف حتى ساعات الليل المتأخرة، يسود شعور واسع بالخوف الوجودي بين السكان. ويختتم علي حمدان شهادته قائلاً:”لقد أصبحت حرباً كبرى… حرب وجود. هذه الحرب الجديدة ستكون أصعب وأكثر قسوة.”
إقرأ المزيد :
لبنان: تفرج عن هانيبال القذافي بعد 10 سنوات من الاحتجاز والجدل السياسي




