السياسي النيجري عمر مختار الأنصاري يكتب : ضبط النفس الخليجي.. حكمة استراتيجية في زمن التوترات الجيوسياسية

في عصر تتداخل فيه الصراعات الإقليمية مع المصالح العابرة للقارات، يقف موقف دول مجلس التعاون الخليجي – السعودية وقطر والكويت والبحرين وعمان والإمارات – شاهداً على علوّ الحكمة السياسية وعمق الرؤية الاستراتيجية. رغم الاعتداءات المباشرة التي طالت أراضيها وقواعدها العسكرية ومنشآتها المدنية، اختارت هذه الدول طريق الصبر الاستراتيجي بدلاً من الاندفاع نحو ردود فعل متسرعة؛ لم تعلن حرباً شاملة، ولم تغلق مضيق هرمز، ولم ترد بالمثل على كل هجوم صاروخي أو مسيّر، بل اكتفت بدفاع مشروع عن سيادتها وأمن شعوبها، مع إدانة حازمة للانتهاكات، والاحتفاظ بحق الرد الدفاعي دون السماح بتحويل التوتر إلى مواجهة عربية-إيرانية مباشرة واسعة النطاق.
هذا النهج لم يكن مجرد تجنب للتصعيد العسكري، بل كان درعاً واقياً للاستقرار الإقليمي، وحارساً للاقتصاد العالمي من اضطرابات كارثية؛ فالخليج العربي يمثل شريان الطاقة الحيوي للعالم؛ يمر عبر مياهه نحو ثلث النفط المتداول دولياً، إلى جانب نسبة كبيرة من صادرات الغاز الطبيعي المسال التي تشكل ركيزة أساسية لأمن الطاقة في أوروبا وآسيا وأجزاء من إفريقيا. أي اضطراب واسع في هذه الإمدادات كان سيؤدي إلى ارتفاع حاد في أسعار الطاقة، وموجات تضخم عالمية، وتعطل سلاسل التوريد، وتباطؤ اقتصادي يمتد إلى أقاصي الكرة الأرضية.
تقييم المخاطر: بين الوعي والتجاهل
يفرض نفسه سؤال جوهري: هل أدركت الولايات المتحدة، في إطار دعمها لإسرائيل أمام إيران، الحجم الحقيقي للمخاطر التي كانت ستتعرض لها دول الخليج؟
هل تم تقدير دقيق للتهديدات المباشرة على أمن المنطقة واستقرارها، وعلى مضيق هرمز الحساس الذي يمثل بوابة الطاقة العالمية؟
إذا لم تُؤخذ هذه المخاطر بعين الاعتبار، فذلك يشير إلى خلل استراتيجي كبير لدى قوة عظمى تمتلك أبرز مراكز الدراسات والتحليل.
والأقرب إلى المنطق أن هذه المخاطر كانت معروفة، لكن تم التقليل من أهميتها تحت وطأة اعتبارات سياسية داخلية، وتأثير لوبيات تدفع نحو خيارات تخدم المصالح الإسرائيلية، حتى لو أدت إلى زعزعة التوازن الإقليمي الأوسع.
سيناريوهات التصعيد: استنزاف يخدم الآخر
ينفي حال انخراط دول الخليج بشكل كامل في محور أمريكي-إسرائيلي ضد إيران، لتحول الصراع إلى حرب استنزاف مطولة, ستتحمل الدول الخليجية الجزء الأكبر من الخسائر البشرية والاقتصادية، مع تعرض منشآتها النفطية وبنيتها التحتية لضربات متكررة، بينما يظل المستفيد الأكبر إسرائيل التي تسعى إلى إضعاف منافسيها الإقليميين وتعزيز هيمنتها الاستراتيجية دون تحمل التكاليف المباشرة بنفس القدر.
وبالمثل، لو اختارت دول الخليج الرد الموسع على التهور الإيراني، لأفضى ذلك إلى نتيجة مشابهة: استنزاف متبادل، تدخلات خارجية متزايدة، ومخاطر اقتصادية هائلة على المنطقة. في كلا الحالتين، يبقى الخليج المتضرر الرئيسي، بينما يحقق آخرون أهدافهم على حساب استقراره وازدهاره.
ضبط النفس: قمة الحكمة الاستراتيجية
لذلك، لا بديل عن ضبط النفس والصبر الاستراتيجي. هذا النهج يحمي المنطقة من الانهيار، ويحافظ على شريان الاقتصاد العالمي.
كما قال المتنبي بحكمة خالدة:
الرَأيُ قَبلَ شَجاعَةِ الشُجعانِ * هُوَ أَوَّلٌ وَهِيَ المَحَلُّ الثاني
وبفضل هذه الحكمة الخليجية، خُففت آثار التصعيد على الاقتصاد الإقليمي والعالمي، وحُول دون اتساع الصراع إلى فتنة أكبر.
وستبقى سيادة دول الخليج خط أحمر، والمستقبل المشترك يُبنى بالحوار والرشد لا بالتهور والمغامرات.
استنتاج: أزمة قاسية تحولت إلى فرصة استراتيجية
رغم قسوة الأزمة وما حملته من تهديدات مباشرة، فإنها – في الوقت ذاته – كشفت عن نقاط قوة خليجية جوهرية وأعطت دفعة نوعية لمسار الوحدة الكونفدرالية بين دول المجلس.
لقد أثبتت دول الخليج قدرتها على التنسيق الاستراتيجي العالي وضبط النفس الجماعي، مما يفتح الباب أمام تعزيز التعاون الأمني والاقتصادي المشترك، واستغلال هذه اللحظة لترسيخ هوية خليجية متماسكة قادرة على مواجهة التحديات المستقبلية.
في المقابل، خسرت طهران – بسبب استهدافها المتكرر لدول الخليج المحايدة – جزءاً كبيراً من تعاطف شعوب المنطقة، مما أدى إلى عزلتها الإقليمية المتزايدة. وإن لم تُعد النظر في استراتيجيتها التوسعية والطائفية، فإن هذه العزلة ستتعمق، وسيصبح من الصعب عليها استعادة موقعها كلاعب إقليمي مقبول في محيط عربي يرفض الاستفزاز والتدخل في الشؤون الداخلية لجيرانه.
تقدير للحكماء الذين رسموا الطريق
يستحق الإعجاب والتقدير الرموز الخليجية التي ساهمت في صياغة ونشر هذا الرأي الاستراتيجي الرصين، مثل الأمير تركي الفيصل، والشيخ حمد بن جاسم آل ثاني، والشيخ حمد الكواري، والسيد سعد بن طفلة العجمي، وغيرهم من الشخصيات البارزة. تصريحاتهم أكدت أهمية تجنب الفخاخ الاستراتيجية، والحفاظ على الوحدة الخليجية، والتفكير في اليوم التالي، مما عزز تماسك الموقف المعتدل والمسؤول.حفظ الله دول الخليج العربية من كل سوء، وألهم قادتها المزيد من الحكمة والرؤية، لتبقى المنطقة ركناً أساسياً للاستقرار وشريكاً حيوياً في أمن وازدهار العالم.
اللهم أحقن دماء المسلمين، وألف بين قلوبهم، واحفظ بلاد الإسلام من كل مكر وعدوان. آمين يا رب العالمين.
إقرأ المزيد :




