رئيس الكونغو دينيس ساسو نجيسو يسعى لتمديد حكمه الطويل وسط تساؤلات متزايدة حول خلافته السياسية

يستعد دينيس ساسو نيجيسو رئيس الكونغو برازفيل لخوض انتخابات رئاسية جديدة يُتوقع أن تمنحه فرصة تمديد حكمه الممتد لعقود، في وقت تتصاعد فيه التكهنات حول مستقبل السلطة في البلاد ومن سيخلفه في الحكم، خاصة مع تقدمه في العمر واقتراب القيود الدستورية المتعلقة بمدة الرئاسة.
ويبلغ الرئيس ساسو نجيسو من العمر 82 عاماً، وهو ضابط مظلي سابق وصل إلى السلطة لأول مرة عبر انقلاب عسكري عام 1979 في الدولة الغنية بالنفط الواقعة في وسط أفريقيا ، ومنذ ذلك الحين ظل اسمه مرتبطاً بالمشهد السياسي في البلاد لأكثر من أربعة عقود.
مسيرة سياسية طويلة بدأت بانقلاب عسكري
وصل ساسو نجيسو إلى الحكم لأول مرة عام 1979 عندما استولى على السلطة عبر انقلاب عسكري. واستمر في الحكم حتى بداية التسعينيات عندما أجريت أول انتخابات تعددية في الكونغو عام 1992، والتي خسرها لصالح مرشح المعارضة آنذاك.
لكن خروجه من السلطة لم يدم طويلاً، إذ عاد إلى الحكم مجدداً عام 1997 عقب حرب أهلية دامية شهدتها البلاد وأعادت رسم الخريطة السياسية فيها.
وباحتساب فترات حكمه المختلفة، يكون ساسو نغيسو قد حكم البلاد لما يقرب من 42 عاماً، ما يجعله ثالث أطول القادة الأفارقة بقاءً في السلطة بعد رئيس غينيا الاستوائية أوبيانج نجوميا ورئيس الكاميرون بول بويا
انتخابات يواجه فيها ستة مرشحين وسط مقاطعة المعارضة
في الانتخابات المرتقبة المقرر إجراؤها يوم الأحد، سيواجه ساسو نغيسو ستة مرشحين آخرين، في اقتراع تشرف عليه لجنة تنظيمية يهيمن عليها مسؤولون تم تعيينهم من قبل الحزب الحاكم، حزب العمل الكونغولي.
غير أن العملية الانتخابية تواجه انتقادات حادة من جانب المعارضة، إذ أعلنت اثنتان من أبرز أحزاب المعارضة مقاطعة الانتخابات، معتبرتين أن العملية الانتخابية تفتقر إلى الشفافية والنزاهة.
كما أن عدداً من الشخصيات التي كان من الممكن أن تنافس الرئيس في الانتخابات يقبعون حالياً في السجون أو يعيشون في المنفى خارج البلاد، وهو ما يزيد من الجدل حول مدى تنافسية هذا الاستحقاق الانتخابي.
خبراء: الانتخابات شكلية والتركيز الحقيقي على ما بعد ساسو
يرى عدد من المحللين أن الانتخابات الحالية قد لا تكون سوى خطوة شكلية في ظل الهيمنة السياسية القائمة.
وقال الباحث Remadji Hoinathy من Institute for Security Studies، وهو مركز أبحاث معني بقضايا الأمن والدراسات الاستراتيجية ومقره مدينة بريتوريا في جنوب أفريقيا، إن هذه الانتخابات تبدو أقرب إلى إجراء شكلي.
وأوضح قائلاً إن “هذه الانتخابات مجرد إجراء روتيني، أما الرهانات الحقيقية فتتعلق بما سيحدث بعد ذلك، أي بمرحلة ما بعد الرئيس ساسو نغيسو”.
تعديل دستوري عام 2015 سمح له بالبقاء في السلطة
في عام 2015 أُجري تعديل دستوري مثير للجدل في الكونغو رغم احتجاجات واسعة من المعارضة. وقد أدى هذا التعديل إلى إعادة ضبط عداد الولايات الرئاسية، ما سمح لساسو نغيسو بالترشح مجدداً والاستمرار في الحكم.
لكن الدستور المعدل وضع أيضاً سقفاً لعدد الولايات الرئاسية، حيث حددها بثلاث ولايات مدة كل منها خمس سنوات. وبناءً على هذا التعديل، فإن الانتخابات الحالية قد تكون الأخيرة للرئيس ساسو نغيسو ما لم يتم إجراء تعديل دستوري جديد في المستقبل.
الرئيس يتحدث علناً عن مسألة الخلافة
في الأشهر الأخيرة بدأ الرئيس ساسو نغيسو يتحدث بشكل أكثر وضوحاً عن مسألة انتقال السلطة في المستقبل.
وخلال تجمع جماهيري لإطلاق حملته الانتخابية في 28 فبراير، قال أمام أنصاره من الشباب إن جيله يعمل على “تهيئة الأرضية” أمام الأجيال الجديدة لتولي مسؤولية قيادة البلاد مستقبلاً.
وقد اعتبر مراقبون أن هذه التصريحات تعكس إدراكاً متزايداً داخل دوائر السلطة بأن مسألة الخلافة السياسية أصبحت قضية مطروحة بقوة في المرحلة المقبلة.
من بين أبرز الأسماء التي يجري تداولها كخليفة محتمل للرئيس نجله دينيس كريستي نيجوسو.
وقد دخل دينيس كريستيل ساسو نغيسو الحكومة في عام 2021 عندما تم تعيينه وزيراً للتعاون الدولي والشراكات بين القطاعين العام والخاص، ومنذ ذلك الوقت بدأ حضوره السياسي يتعزز تدريجياً كما أصبح يظهر بشكل أكبر في المشهد العام.
ومع ذلك، يرى بعض المحللين أن الطريق أمامه للوصول إلى السلطة ليس سهلاً.
محللون يشككون في جاهزية نجل الرئيس للحكم
تقول المحللة ماجا بوفوكون ، وهي مستشارة مستقلة متخصصة في شؤون غرب ووسط أفريقيا، إن نجل الرئيس لا يتمتع بنفس النفوذ السياسي الذي يتمتع به والده داخل الحزب الحاكم.
وأضافت أن دينيس كريستيل “لا يحظى بشعبية واسعة بين المواطنين”، مشيرة إلى أن وصوله المحتمل إلى السلطة قد يؤدي إلى اندلاع صراع قوي داخل النخبة الحاكمة حول مسألة الخلافة.
وحذرت من أن انتقال السلطة بهذه الطريقة قد يفتح الباب أمام توترات سياسية وربما صراع عنيف داخل النظام السياسي.
شخصيات أخرى داخل النظام قد تلعب دوراً في مرحلة ما بعد ساسو
إلى جانب نجل الرئيس، هناك شخصيات أخرى بارزة داخل النظام السياسي يُعتقد أنها قد تلعب دوراً مهماً في مرحلة ما بعد ساسو نجيسو.
ومن بين هذه الشخصيات:
جان دومنيك أوكيمبا رئيس مجلس الأمن القومي في الكونغو وأحد أقارب الرئيس.
جان جاكوي بويا وزير التخطيط العمراني والأشغال الكبرى، وهو أيضاً من أقارب ساسو نغيسو.
ويرى الباحث ريمادجي هويناثي أن الرئيس لن يتخلى عن السلطة إلا إذا كان مطمئناً إلى أن من سيخلفه شخص موثوق به من داخل دائرته المقربة.
وقال إن ساسو نجيسو قد يسلم السلطة إما لنجله أو لحليف سياسي قريب منه يضمن استمرار الاستقرار السياسي في البلاد.
حملة انتخابية قائمة على شعار الاستمرارية
تركز الحملة الانتخابية الحالية للرئيس على فكرة الاستمرارية ومواصلة مسار التنمية.
ففي الانتخابات السابقة قبل خمس سنوات كان شعار حملته الانتخابية: “لنواصل المسيرة نحو التنمية”.
أما في الانتخابات الحالية فقد اختار شعاراً جديداً يقول: “لنسرّع المسيرة”، في إشارة إلى رغبته في تسريع وتيرة مشاريع التنمية الاقتصادية.
استقرار نسبي للكونغو وسط اضطرابات إقليمية
رغم سنوات الاضطرابات التي شهدتها البلاد في الماضي، تعتبر الكونغو برازفيل اليوم واحدة من الدول الأكثر استقراراً نسبياً في منطقة وسط أفريقيا.
ويأتي ذلك في وقت شهدت فيه بعض دول المنطقة تطورات سياسية مضطربة، من بينها الانقلاب العسكري الذي وقع في الجابون عام 2023، إضافة إلى أعمال العنف التي أعقبت الانتخابات في الكاميرون خلال العام الماضي.
تحسن اقتصادي محدود بعد سنوات من الركود
اقتصادياً، عاد اقتصاد الكونغو إلى تحقيق نمو متواضع في نصيب الفرد من الدخل خلال عام 2024، وذلك بعد نحو عقد من الركود الاقتصادي الذي بدأ نتيجة الانخفاض الحاد في أسعار النفط العالمية.
ولا يزال النفط يمثل الركيزة الأساسية للاقتصاد الكونغولي، حيث يشكل حوالي 50% من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد ونحو 80% من إجمالي الصادرات.
انخفاض نسبي في مستويات الدين العام
شهدت مستويات الدين العام في البلاد تحسناً نسبياً خلال السنوات الأخيرة.
فبعد أن بلغت نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي ذروتها عند 103.6% في عام 2020، تراجعت إلى حوالي 93.6% في عام 2024.
كما ساهم برنامج اقتصادي استمر ثلاث سنوات مع صندوق النقد الدولي في تحقيق قدر من الاستقرار في المالية العامة للدولة.
ومع ذلك، لا تزال الضغوط المالية قائمة، إذ تستهلك خدمة الدين في الأسواق الإقليمية حوالي نصف الإيرادات الضريبية للحكومة.
وعود حكومية بالبنية التحتية وتنويع الاقتصاد
خلال حملته الانتخابية تعهد الرئيس بإطلاق مشاريع جديدة لتطوير البنية التحتية، إضافة إلى زيادة الاستثمارات في القطاع الزراعي والعمل على تنويع الاقتصاد بعيداً عن الاعتماد المفرط على النفط.
لكن بالنسبة لكثير من المواطنين، لم تترجم هذه الوعود حتى الآن إلى تحسن ملموس في حياتهم اليومية.
الفقر والبطالة بين الشباب يمثلان تحدياً كبيراً
تشير بيانات البنك الدولي أو البنك الدولي إلى أن أكثر من 52% من سكان الكونغو البالغ عددهم نحو 6.1 مليون نسمة يعيشون تحت خط الفقر، وهي نسبة لم تشهد تغيراً منذ عام 2021.
كما تبلغ نسبة البطالة بين الشباب حوالي 42% في بلد يشكل فيه من هم دون سن 18 عاماً ما يقرب من نصف السكان.
في الوقت نفسه، فتح مدعون عامون في فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية تحقيقات تتعلق بأصول مالية يملكها أفراد من عائلة الرئيس في الخارج.
وقد نفت العائلة مراراً ارتكاب أي مخالفات أو ممارسات غير قانونية.
مواطنون يطالبون بتحسين الخدمات الأساسية
وفي العاصمة برازفيل ، عبّر بعض المواطنين عن تطلعاتهم إلى تحسين الأوضاع المعيشية.
وقال المواطن فردريك نووكو، وهو ناخب عاطل عن العمل:“نحن بحاجة إلى خدمات صحية وتعليمية أفضل، لكن مع هذه الولاية الجديدة قد نشهد المزيد من الوضع نفسه دون تغيير حقيقي”.
اقرأ المزيد
نهب تراث السودان في زمن الحرب: تقرير يكشف اختفاء أكثر من 60% من مقتنيات المتحف القومي
