أخبار عاجلةالرأي

رامي زهدي يكتب : انتخابات إثيوبيا 2026 تحت التهديد والإقصاء..  هل يجدد آبي أحمد شرعيته أم تهتز سيطرة الدولة الفيدرالية ؟

مع انطلاق الانتخابات الإثيوبية العامة في الأول من يونيو 2026، تقف إثيوبيا أمام واحد من أكثر الاستحقاقات السياسية تعقيدا منذ وصول آبي أحمد إلى السلطة عام 2018، فهذه الانتخابات لا تمثل مجرد تنافس حزبي على مقاعد البرلمان والمجالس الإقليمية، بل تعد اختبارا حقيقيا لقدرة الدولة الإثيوبية على إعادة إنتاج الشرعية السياسية بعد سنوات من الحروب الأهلية والصراعات العرقية والأزمات الاقتصادية المتلاحقة.

ورغم أن المشهد الانتخابي يوحي ظاهريا بوجود عملية ديمقراطية واسعة النطاق تضم ملايين الناخبين وآلاف المرشحين وعشرات الأحزاب، فإن القراءة الاستراتيجية الأعمق تكشف أن الانتخابات تدور في بيئة سياسية وأمنية استثنائية تجعل نتائجها مرتبطة بمستقبل الدولة الإثيوبية نفسها أكثر من ارتباطها بتشكيل حكومة جديدة.

تشير البيانات الرسمية إلى أن عدد الناخبين المسجلين تجاوز 54 مليون ناخب، مقارنة بنحو 37.4 مليون ناخب في انتخابات 2021، بزيادة تقارب 44% خلال دورة انتخابية واحدة، وعلى المستوى النظري يمثل هذا الرقم مؤشرا على اتساع المشاركة السياسية، لكنه في الوقت نفسه يعكس النمو السكاني السريع الذي يجعل إثيوبيا ثاني أكبر دولة إفريقية من حيث عدد السكان بأكثر من 125 مليون نسمة.

وتتنافس 48 قوة سياسية وأكثر من 10,900 مرشح على المقاعد المختلفة، منها 2,198 مرشحا لمجلس نواب الشعب و8,736 مرشحا للمجالس الإقليمية، غير أن كثرة المرشحين والأحزاب لا تعني بالضرورة وجود تنافس متوازن، إذ تشير معظم التقديرات إلى استمرار الإقصاء السياسي والعرقي والهيمنة الواسعة لحزب الازدهار الحاكم الذي يسيطر حاليا على أكثر من 80% من المقاعد البرلمانية.

ويحتاج أي حزب للحصول على 274 مقعدا من أصل 547 مقعدا لتشكيل الحكومة، لكن المعطيات الحالية تجعل من الصعب تصور سيناريو يفقد فيه حزب الازدهار أغلبيته، خاصة في ظل تشتت المعارضة وضعف بنيتها التنظيمية واستمرار المقاطعة أو الغياب الفعلي لبعض القوى المؤثرة.

ومن منظور جيوسياسي، فإن أهمية هذه الانتخابات لا تكمن في معرفة الفائز، بل في قياس حجم الشرعية التي سيحصل عليها الفائز، فالمؤسسات السياسية الإثيوبية تواجه منذ سنوات أزمة ثقة متراكمة بسبب الحرب في تيجراي والصراع في أمهرة والاضطرابات المستمرة في أوروميا.

ولعل أخطر مؤشر في انتخابات 2026 يتمثل في استبعاد 46 دائرة انتخابية كاملة من عملية التصويت، منها 38 دائرة في إقليم تيجراي و8 دوائر في إقليم أمهرة، وبذلك يغيب التصويت عن مناطق تمثل أجزاء مهمة من الخريطة السياسية الإثيوبية، وهو ما يثير تساؤلات جوهرية حول مدى شمولية الانتخابات وقدرتها على التعبير عن الإرادة الوطنية الكاملة.

استبعاد تيجراي تحديدا يحمل دلالات تتجاوز الجوانب الإجرائية، فبعد مرور أكثر من ثلاث سنوات على اتفاق السلام الموقع عام 2022، ما زالت تداعيات الحرب تلقي بظلالها على الإقليم، ويعكس غياب الانتخابات هناك استمرار حالة عدم اليقين بشأن مستقبل العلاقة بين المركز والقوى السياسية التيغرانية، فضلا عن بطء عملية إعادة بناء المؤسسات المدنية.

أما في أمهرة، فإن تأجيل التصويت لأجل غير مُحدد في بعض الدوائر يعكس استمرار المواجهة بين الحكومة الفيدرالية ومقاتلي فانو، ويكتسب هذا الملف أهمية خاصة لأن أمهرة تعد ثاني أكبر إقليم من حيث التمثيل البرلماني بواقع 138 مقعدا، ما يجعل أي اضطراب داخله مؤثرا على التوازنات السياسية الوطنية.

وتكشف خريطة توزيع المقاعد البرلمانية عن حقائق استراتيجية مهمة، فإقليم أوروميا يمتلك 178 مقعدا من أصل 547، أي ما يقرب من 32.5% من البرلمان، بينما تمتلك أمهرة 138 مقعدا تمثل نحو 25.2%، وبذلك يسيطر الإقليمان معا على نحو 58% من إجمالي مقاعد مجلس نواب الشعب.

وهذه الأرقام تؤكد أن مستقبل السلطة في إثيوبيا لا يزال مرتبطا بدرجة كبيرة بالتوازن بين أكبر قوميتين في البلاد، الأورومو والأمهرة، ولذلك فإن أي اختلال في العلاقة بين النخب السياسية داخل هذين الإقليمين قد ينعكس مباشرة على استقرار الدولة الفيدرالية بأكملها.

اقتصاديا، تأتي الانتخابات في لحظة حساسة للغاية، فالحكومة الإثيوبية تنفذ برنامجا إصلاحيا واسع النطاق بالتعاون مع صندوق النقد الدولي، شمل تحرير سعر صرف البر الإثيوبي في يوليو 2024، ورغم أن هذه الإجراءات تهدف إلى جذب الاستثمارات الأجنبية وتحسين المؤشرات الكلية للاقتصاد، فإنها أدت أيضا إلى ارتفاع معدلات التضخم وزيادة الضغوط المعيشية على المواطنين.

وتواجه الحكومة تحديا مزدوجا يتمثل في ضرورة تحقيق الاستقرار المالي من جهة، والاستجابة للمطالب الاجتماعية المتزايدة من جهة أخرى، ولذلك يمكن اعتبار انتخابات 2026 بمثابة استفتاء غير مباشر على السياسات الاقتصادية التي تبنتها حكومة آبي أحمد خلال السنوات الأخيرة.

أما على المستوى الأمني، فتبرز مفارقة لافتة، فمن جهة، استطاعت الحكومة الحفاظ على وحدة الدولة ومنع انهيار مؤسساتها رغم الحروب والنزاعات، ومن جهة أخرى، ما تزال مساحات واسعة من البلاد تعاني من مستويات متفاوتة من العنف المسلح وعدم الاستقرار.

ولهذا فإن نجاح العملية الانتخابية لن يقاس فقط بنسبة المشاركة أو عدد المقاعد التي سيحصل عليها الحزب الحاكم، بل بقدرة الدولة على إدارة التنوع الإثني والسياسي دون العودة إلى دوامة الصراعات المسلحة.

استراتيجيا، يمكن النظر إلى انتخابات 2026 باعتبارها مرحلة انتقالية أكثر منها محطة حاسمة، فإثيوبيا لم تحسم بعد أسئلتها الكبرى المتعلقة بطبيعة الفيدرالية العرقية وحدود سلطات الأقاليم ومستقبل الحوار الوطني وآليات تقاسم السلطة والثروة بين القوميات المختلفة.

ومن المرجح أن يخرج حزب الازدهار فائزا ومحتفظا بأغلبية مريحة، لكن التحدي الحقيقي لن يكون في الفوز الانتخابي، بل في تحويل هذا الفوز إلى شرعية سياسية حقيقية قادرة على استيعاب التناقضات الإثنية والأمنية والاقتصادية التي تتفاقم داخل الدولة.

في المحصلة النهائية، تبدو انتخابات إثيوبيا 2026 أقل ارتباطا بتغيير السلطة وأكثر ارتباطا بإعادة تعريف الدولة، إنها انتخابات تجري تحت ظلال البنادق والتهديد والإقصاء، وبين رهانات التنمية ومخاطر التفكك، وبين طموحات القوة الإقليمية وحقائق الانقسامات الداخلية، ولذلك فإن السؤال الأهم بعد إعلان النتائج لن يكون: من فاز؟ بل: هل اقتربت إثيوبيا من الاستقرار المستدام أم أنها تؤجل فقط مواجهة أزماتها البنيوية إلى جولة أخرى من الصراع السياسي؟ .

  • رامي زهدي .. خبير الشؤون الإفريقية .

 

إقرأ المزيد :

انتخابات إثيوبيا 2026 في مهب الانقسام السياسي .. مخاوف من أزمة شرعية في ظل استمرار النزاعات المسلحة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى