الكاتب والمحلل السياسي الليبي إدريس احميد يكتب : إثيوبيا .. الانتخابات واختبار الدولة الحديثة

تُعدّ إثيوبيا واحدة من أقدم الدول التاريخية في القارة الأفريقية، إذ تمتد جذورها إلى ممالك وحضارات ضاربة في القدم، من أبرزها مملكة أكسوم التي ارتبط اسمها بالنجاشي، الملك الذي استقبل المهاجرين الأوائل من المسلمين ومنحهم الحماية، في واحدة من أقدم صور التفاعل بين أفريقيا والعالم الإسلامي.. وفي مراحل لاحقة برزت الإمبراطورية الإثيوبية الحديثة، وكان من أبرز رموزها الإمبراطور هيلا سيلاسي، الذي حكم البلاد حتى عام 1974.
هذا الامتداد التاريخي يجعل من إثيوبيا حالة سياسية فريدة، تستحق قراءة تاريخية–سياسية لدولة جديرة بالاهتمام في إحدى القارات التي لا تزال تعيش صراعات وأزمات سياسية واقتصادية وتنافسًا دوليًا.
لكن هذه المرحلة انتهت بانقلاب عسكري أدخل البلاد في عهد جديد، حيث أطاحت حركة عسكرية بالنظام الإمبراطوري، وبرز نظام ماركسي عسكري بقيادة منغستو هيلا مريام، الذي حكم البلاد حتى عام 1991، في فترة اتسمت بالصراعات الداخلية والحروب الأهلية والمجاعات، قبل سقوط نظامه ودخول البلاد مرحلة انتقالية جديدة.
هذا الامتداد بين الدولة القديمة والإمبراطورية ثم المرحلة الماركسية فالدولة الحديثة جعل من إثيوبيا نموذجًا مركبًا، تتداخل فيه الذاكرة التاريخية مع تحديات بناء الدولة المعاصرة، وهو ما يفسر تعقيد مسارها السياسي حتى اليوم.
شهدت البلاد تحولات عميقة بعد 1991، حين سقط النظام العسكري، لتبدأ مرحلة إعادة بناء الدولة على أسس جديدة بقيادة الجبهة الشعبية الثورية الديمقراطية.
ميليس زيناوي وبناء الدولة الفيدرالية
مثّل ميليس زيناوي، الذي قاد البلاد من 1991 حتى 2012، نقطة تحول محورية في تاريخ إثيوبيا الحديث, فقد أعاد صياغة بنية الدولة عبر دستور 1994 الذي أسس لنظام فيدرالي قائم على التقسيم الإثني، مانحًا الأقاليم صلاحيات واسعة، ومؤسسًا لنموذج سياسي يهدف إلى إدارة التنوع القومي في بلد شديد التعدد.
كما ارتبطت مرحلته بمشروع تنموي واسع، رفع معدلات النمو الاقتصادي، وأطلق مشاريع كبرى في البنية التحتية، ما ساهم في نقل البلاد من مرحلة الأزمات المزمنة إلى مسار تنموي متسارع، وكان من أبرز ملامحه التوجه نحو الاستثمار في الطاقة والبنية التحتية، بما في ذلك مشروع سد النهضة الإثيوبي الكبير الذي أصبح لاحقًا أحد أبرز ملفاتها الإقليمية.
آبي أحمد وتحولات ما بعد 2018
بعد وفاة زيناوي، دخلت البلاد مرحلة من التوترات السياسية والتوازنات الهشة، قبل أن يصل آبي أحمد إلى رئاسة الحكومة عام 2018، ممثلًا صعود قومية الأورومو، في تحول مهم داخل بنية السلطة الإثيوبية.
وقد أطلق آبي أحمد سلسلة من الإصلاحات السياسية والإدارية، وأعاد تشكيل التحالف الحاكم عبر تأسيس “حزب الازدهار”، كما حقق اختراقًا إقليميًا مهمًا عبر اتفاق السلام مع إريتريا، ما منحه حضورًا دوليًا وإقليميًا لافتًا في بداية عهده.
لكن هذه التحولات سرعان ما اصطدمت بتعقيدات الداخل، خاصة الصراع في إقليم تيغراي منذ 2020، وتزايد التوترات في أقاليم أخرى، ما كشف حدود النموذج الفيدرالي القائم على الانقسام الإثني، وصعوبة إدارة التوازن بين المركز والأقاليم.
وفي السياق الإقليمي، برزت قضية المياه وسد النهضة باعتبارها أحد أبرز ملفات السياسة الإثيوبية، حيث تعتبره أديس أبابا مشروعًا تنمويًا استراتيجيًا، بينما تنظر إليه مصر والسودان باعتباره ملفًا يرتبط بالأمن المائي في حوض النيل، ما جعله أحد أكثر الملفات حساسية في العلاقات الإقليمية.
الانتخابات الإثيوبية: مشاركة واسعة وسط دولة منقسمة
جاءت الانتخابات العامة السابعة لتكشف حجم التعقيد السياسي في البلاد. فقد شارك أكثر من 40 مليون ناخب في عملية اقتراع وُصفت بأنها الأوسع في تاريخ إثيوبيا، وسط إشادة من الاتحاد الأفريقي ومنظمة “إيغاد” والاتحاد الأوروبي، من حيث التنظيم والشفافية النسبية في معظم مراكز التصويت.
ورغم ذلك، لم تشمل العملية الانتخابية كامل البلاد، إذ تعذر التصويت في بعض مناطق إقليم تيغراي وأمهرة وأورومويا، ما يعكس استمرار تأثير النزاعات الداخلية على المسار السياسي، ويؤكد أن العملية الديمقراطية ما تزال غير مكتملة.
التحديات الداخلية والإقليمية
تواجه حكومة آبي أحمد مجموعة من التحديات الداخلية المعقدة، في مقدمتها استمرار آثار الصراعات في إقليم تيغراي، إضافة إلى التوترات المتكررة في أقاليم متعددة، وهو ما يعكس هشاشة التوازن داخل النظام الفيدرالي وصعوبة إدارة التنوع الإثني في دولة متعددة القوميات.
وعلى المستوى الإقليمي، تبرز تحديات متشابكة، من أبرزها العلاقات المتقلبة مع إريتريا، والتعقيدات مع السودان، إلى جانب طموحات إثيوبيا الاستراتيجية المرتبطة بالبحث عن منفذ بحري يعزز موقعها الاقتصادي والجيوسياسي.
خاتمة
تُظهر التجربة الإثيوبية أن الانتخابات ليست مجرد حدث سياسي، بل جزء من مسار دولة معقدة تشكل عبر قرون من التحولات والصراعات.
فمن مملكة النجاشي إلى الإمبراطورية، ومن الحكم الماركسي إلى زيناوي ثم آبي أحمد، تقف إثيوبيا اليوم أمام اختبار تاريخي: بناء دولة مستقرة قادرة على إدارة تنوعها الداخلي، وتحقيق طموحاتها التنموية في بيئة إقليمية شديدة التعقيد.
كما تحظى هذه التجربة بمتابعة لافتة داخل القارة الأفريقية والدول الناشئة، باعتبارها نموذجًا لدولة مرّت بمراحل تاريخية متعاقبة، من أقدم الأنظمة الدينية والملكية والإمبراطورية، إلى التجربة الماركسية، وصولًا إلى النموذج الفيدرالي الديمقراطي، بما يجعلها حالة مرجعية لفهم تحولات الدولة في أفريقيا المعاصرة.
إقرأ المزيد :




