>> كيف تحمل الأزمة الداخلية في السودان أبعاداً إنسانية وأمنية واقتصادية ودبلوماسية أوسع تمتد إلى أفريقيا، وممر البحر الأحمر، وحوض النيل
لا يمكن التعامل مع السودان بوصفه أزمة بعيدة, فالسودان يحتل موقعاً بالغ الأهمية في جغرافيا أفريقيا، ويرتبط ارتباطاً عميقاً بالبحر الأحمر وحوض النيل، كما يمثل فضاءً محورياً لحركة الناس والبضائع والأفكار والإيمان والدبلوماسية, ومن ثم، لا ينبغي النظر إلى معاناته بمعزل عن محيطه الإقليمي والقاري.
وعلى الرغم من أن الأزمة الراهنة متجذرة في صراعات داخلية سودانية حول السلطة والحكم والعدالة الاجتماعية والاقتصادية ومستقبل تنظيم الدولة، فإن آثارها لم تعد محصورة داخل الحدود الوطنية, فقد باتت تمتد عبر الحدود والأقاليم والممرات الاستراتيجية، وتمس الدول المجاورة، وأنظمة الأمن الإقليمي، وطرق العمل الإنساني، وشبكات التجارة، والبنية الأوسع للاستقرار الأفريقي.
غالباً ما تُفهم الأزمة السودانية باعتبارها شأناً داخلياً بين قوى وفصائل سودانية تتنازع حول السلطة والحكم والسيطرة على الدولة, وهذا الفهم مفهوم من نواحٍ عديدة. فقد ظلّ التاريخ السياسي الحديث للسودان مشدوداً إلى أسئلة صعبة ومعقدة: كيف تُنظَّم السلطة؟ وكيف تُدار الموارد الوطنية؟ وكيف تُعالَج العلاقة بين المركز والأطراف؟ وكيف تُبنى المؤسسات؟ وكيف يمكن إقامة نظام سياسي أكثر شمولاً وعدلاً وتمثيلاً؟ هذه أسئلة سودانية في جوهرها، ولا يمكن لأي قراءة جادة أن تتجاوز جذورها الداخلية.
السودان كمركز جيوسياسي تاريخي
غير أن أهمية الأزمة لا تُقاس بأسبابها الداخلية وحدها , فنتائجها باتت إقليمية وقارية واستراتيجية, إن ما يحدث في السودان لا يبقى داخل السودان وحده، بل ينتقل أثره إلى محيطه القريب والبعيد، وإلى منظومات الأمن والتجارة والهجرة والمياه والدبلوماسية في منطقة واسعة من أفريقيا والبحر الأحمر وحوض النيل.
يشغل السودان موقعاً جيوسياسياً نادراً, فهو يقع عند نقطة التقاء شمال أفريقيا، والقرن الأفريقي، والساحل، والبحر الأحمر، وحوض النيل، والعالم العربي.
وعلى مدى قرون، كانت أراضيه ممراً للحركة والتجارة والحج والثقافة والتفاعل السياسي بين أفريقيا جنوب الصحراء وشمال أفريقيا وشبه الجزيرة العربية. فقد عبر فضاءه الجغرافي التجار والعلماء والرعاة والمهاجرون والحجاج المسلمون القادمين من غرب أفريقيا والداخل الأفريقي في طريقهم إلى المدن المقدسة في شبه الجزيرة العربية.
ولهذا، فإن طرق السودان وأنهاره وموانئه وحدوده ومجتمعاته لم تكن شأناً سودانياً خالصاً، بل ظلت جزءاً من نسيج إقليمي أوسع. وعندما تتعرض دولة بهذا الموقع لضغط شديد، فإن العواقب لا تكون سودانية فقط، بل أفريقية وإقليمية وإنسانية.
المأساة الأولى: البعد الإنساني للأزمة
ومع ذلك، تظل المأساة الأولى والأعمق هي معاناة الشعب السوداني. فلا ينبغي للغة الاستراتيجية أن تحجب آلام الأسر التي شُرّدت من منازلها، والمجتمعات التي اقتُلعت من أراضيها، والأطفال الذين حُرموا من مدارسهم، والمرضى الذين انقطعوا عن المستشفيات، وسبل العيش التي عطّلها النزاع. كما ينبغي ألا تطغى النقاشات حول البحر الأحمر، أو حوض النيل، أو الهجرة، أو التجارة، أو الأمن الإقليمي، على الضغط الهائل الواقع على مؤسسات استغرق بناؤها أجيالاً، بل قروناً في بعض الحالات.
فالإدارة العامة في السودان، ونظمه التعليمية، وخدماته الصحية، وبناه القانونية، وذاكرته الثقافية، وأسس مجتمعه ليست مؤسسات مجردة. إنها الأدوات التي يحفظ بها المجتمع استمراريته وكرامته وقدرته على التعافي, وإذا تآكلت هذه المؤسسات تحت وطأة النزاع، فإن الخسارة لا تكون سياسية أو إدارية فحسب، بل تكون خسارة في قدرة المجتمع على استعادة ذاته.
جذور الأزمة: الحكم والسلطة والدولة
وعلى الرغم من أن الأزمة اتخذت شكلاً عسكرياً، فإن أسبابها الأعمق تكمن في تراكم توترات سياسية ومؤسسية واجتماعية واقتصادية, وفي صميم هذه التوترات يبرز سؤال لم يُحسم بعد: كيف ينبغي تنظيم السلطة وتقاسمها وتقييدها وممارستها داخل الدولة؟ وقد ظهر هذا السؤال في صور متعددة: النقاش حول السلطة المدنية، والمطالبة بالشمول السياسي، والمظالم الإقليمية، والجدل حول الموارد الوطنية، والبحث عن نظام سياسي شرعي وتمثيلي.
لذلك، لا يمكن فهم الأزمة الراهنة بوصفها مجرد مواجهة بين فاعلين مسلحين. فهي تعكس ضغوطاً أعمق شكّلت العلاقة بين سلطة الدولة، والعدالة الاجتماعية، والتماسك الوطني. إنها أزمة في الحكم، وفي الثقة، وفي توزيع السلطة، وفي معنى الدولة ذاتها بالنسبة إلى مواطنيها.
لقد واجه السودان، على مدى عقود، تحدي بناء نظام شامل قادر على استيعاب تنوعه الإقليمي والعرقي والثقافي والاجتماعي الواسع, وظلت العلاقة بين المركز والأطراف واحدة من أكثر القضايا إلحاحاً في السياسة السودانية. فقد عبّرت مجتمعات في مناطق مختلفة من البلاد عن مخاوف متكررة تتعلق بالتهميش، والتنمية غير المتوازنة، ومحدودية التمثيل السياسي، وضعف الوصول إلى الموارد الوطنية.
ورغم أن هذه المخاوف تختلف في تعبيراتها من منطقة إلى أخرى، ومن مرحلة سياسية إلى أخرى، فإنها تشير جميعاً إلى بحث أعمق عن المشاركة والكرامة والتنمية العادلة, ومن دون إطار يعالج هذه القضايا بجدية وإنصاف، ستظل التسويات السياسية هشة، وقد تبقى الدولة عرضة لدورات متكررة من الاضطراب والنزاع.
قضية الحكم وتوازن السلطة
وترتبط بهذه المسألة ارتباطاً وثيقاً قضية الحكم , فقد تميز التطور السياسي في السودان بتوترات متكررة بين التطلعات المدنية والدور الكبير للمؤسسات المسلحة في الحياة العامة, وقد عقدت هذه الديناميات الجهود الرامية إلى ترسيخ حكم ديمقراطي مستقر، وسلطة مدنية خاضعة للمساءلة، وترتيبات دستورية دائمة. ونتيجة لذلك، ظلّت الدولة تتحرك بين مطالب الإصلاح وواقع هياكل السلطة الراسخة.
وعلى الرغم من أن مثل هذه التوترات ليست فريدة في السودان، فإن استمرارها جعل التحولات السياسية دقيقة، ومتنازعاً عليها، وصعبة الاستدامة. فكل انتقال سياسي لم يكن يواجه سؤال السلطة وحده، بل كان يواجه أيضاً سؤال الثقة، وسؤال المؤسسة، وسؤال الشرعية.
وفي الوقت نفسه، زادت المصاعب الاقتصادية من الضغوط الواقعة على الحياة العامة, فقد أثرت معدلات التضخم والبطالة والفقر والديون وتحديات إدارة الموارد والضغط على الخدمات العامة في ثقة المواطنين وفي الاستقرار الاجتماعي. وحيثما يواجه المواطنون فرصاً محدودة، وخدمات غير كافية، ووصولاً غير متكافئ إلى الموارد، يتعزز الصراع السياسي بمخاوف أوسع تتعلق بسبل العيش والكرامة والعدالة.
ومن ثم، فإن ما قد يبدو صراعاً على السلطة لا ينفصل عن الظروف اليومية التي يواجه فيها المواطنون الدولة. فالحكم، في مثل هذه الظروف، ليس مجرد مسألة دستورية أو قانونية، بل هو واقع اجتماعي معيش يتصل بالغذاء، والعمل، والأمن، والتعليم، والخدمات، والكرامة الإنسانية.
ولذلك، فإن البحث عن العدالة الاجتماعية والاقتصادية يقع في صميم الأزمة, فبالنسبة إلى كثير من السودانيين، لا يكمن السؤال الأساسي في من يحكم فحسب، بل في كيف يؤثر الحكم على حياة الناس العاديين. فقضايا الأرض، والعمل، والتعليم، والصحة، والإدارة العامة، والتنمية العادلة، والوصول إلى الثروة الوطنية، لا تنفصل عن النضال السياسي الأوسع.
الحدود السودانية وتشابك الأمن الإقليمي
وعلى الرغم من أن هذه القضايا داخلية في أصلها، فإنها ليست داخلية في نتائجها, فعندما تواجه دولة كبيرة وذات موقع استراتيجي نزاعاً مطولاً، وضغطاً مؤسسياً، واضطراباً اقتصادياً، وتفككاً اجتماعياً، فإن الآثار تنتقل حتماً إلى الخارج.
وتضاعف جغرافيا السودان هذه الآثار , فموقعه بين شمال أفريقيا وأفريقيا جنوب الصحراء، وبين حوض النيل والساحل، وبين القرن الأفريقي والبحر الأحمر، وبين الداخل الأفريقي والعالم العربي، يمنحه أهمية استراتيجية تتجاوز بكثير نطاق سياسته الداخلية. فاستقراره مهم للتجارة، والهجرة، والوصول الإنساني، ودبلوماسية المياه، والأمن البحري، والتعاون الإقليمي.
صحيح أن الجغرافيا وحدها لا تحدد النتائج السياسية، لكنها تحدد حجم العواقب عندما تنجرف دولة مركزية مثل السودان إلى أزمة مطولة. فكل اضطراب داخلي في بلد بهذا الموقع يتحول سريعاً إلى مسألة إقليمية ذات امتدادات متعددة.
وتعزز حدود السودان هذه الأهمية, فهو يتقاسم الحدود مع مصر وليبيا وتشاد وجمهورية أفريقيا الوسطى وجنوب السودان وإثيوبيا وإريتريا , وكل حدود من هذه الحدود تربط السودان ببيئة سياسية وأمنية مختلفة. فمن الشمال، يرتبط السودان بشمال أفريقيا, ومن الغرب، يلامس حزام الساحل عبر تشاد وليبيا , ومن الجنوب، يرتبط بعمق بجنوب السودان من خلال التاريخ والمجتمعات والتجارة والبنية التحتية النفطية والشواغل الأمنية. ومن الشرق، يتصل بالقرن الأفريقي والبحر الأحمر.
لذلك، فإن التطورات داخل السودان يمكن أن تتحرك في عدة اتجاهات في الوقت نفسه , فهي قد تؤثر في إدارة الحدود، وحركة السكان، وطرق التجارة، والتعاون الأمني، والدبلوماسية الإقليمية, كما قد تخلق ظروفاً تصبح فيها الشبكات غير الرسمية العابرة للحدود، والحركات المسلحة، وتدفقات الأسلحة غير المشروعة، والمصالح الخارجية المتنافسة، أكثر صعوبة في الإدارة والاحتواء.
وفي إقليم متأثر أصلاً بالتحولات السياسية، وانعدام الأمن الغذائي، والتوترات المجتمعية، والحكم المتنازع عليه، يضيف الوضع في السودان طبقة أخرى من التعقيد إلى بيئة إقليمية حساسة أصلاً.
ويُعد احتمال تدفق الأسلحة غير المشروعة من أخطر المخاطر, ففي منطقة تدير فيها عدة دول نزاعات داخلية، أو عنفاً مجتمعياً، أو حضوراً إدارياً محدوداً في المناطق الحدودية، قد تفرض حركة الأسلحة من السودان ضغوطاً إضافية على الاستقرار المحلي. وقد تعزز تدفقات الأسلحة الفاعلين المسلحين المحليين، وتكثف التوترات بين المجتمعات، وتُعقد عمليات السلام.
حتى عندما يكون حجم الحركة محدوداً، فإن تداول الأسلحة يمكن أن يغيّر موازين القوى المحلية، وأن يجعل النزاعات أكثر صعوبة في الإدارة. ولذلك، لا ينبغي التعامل مع تنسيق الحدود وضبط الأسلحة كقضايا ثانوية، بل باعتبارها عناصر مركزية في منع اتساع نطاق انعدام الأمن.
وقد تخلق الأزمة أيضاً ظروفاً لحركة المقاتلين والجماعات المسلحة عبر الحدود, فكثيراً ما تولد بيئات النزاع شبكات للتجنيد والتحالف والبقاء لا تعترف بالحدود الوطنية, فقد يسعى الفاعلون المسلحون إلى ملاذ، أو إمدادات، أو مساحة عمليات في أراضي الدول المجاورة، بينما قد تستغل جماعات محلية حالة انعدام الأمن لتعزيز مواقعها.
ويكتسب هذا الخطر أهمية خاصة في المناطق الحدودية التي يكون فيها الحضور الإداري محدوداً، وترتبط فيها المجتمعات بروابط عرقية واجتماعية وتجارية ورعوية مشتركة. ومع ذلك، يجب معالجة هذه المخاطر بحذر، حتى لا تُخلط حركة المدنيين المشروعة بالتهديدات الأمنية.
ويضيف الضغط الإنساني طبقة أخرى إلى المشهد الأمني الإقليمي , فالنزوح الواسع النطاق من السودان يفرض أعباء ثقيلة على الدول المجاورة، ولا سيما تلك التي تواجه أصلاً صعوبات اقتصادية، أو بنية تحتية محدودة، أو ضغوطاً إنسانية خاصة بها. فاللاجئون والعائدون والمجتمعات النازحة يحتاجون إلى الحماية، والغذاء، والمأوى، والخدمات الصحية، والتعليم، والمساعدة القانونية، والانتقال إلى وجهات لاحقة.
وإذا لم تُلبَّ هذه الاحتياجات على نحو كافٍ، فقد تتحول المعاناة الإنسانية تدريجياً إلى توتر اجتماعي، وتنافس على الموارد الشحيحة، ونقاط ضعف جديدة داخل المجتمعات المضيفة. وعلى الرغم من أن المساعدة الإنسانية توصف غالباً بأنها إغاثة، فإنها في هذا السياق تُعد أيضاً مساهمة أساسية في الاستقرار الإقليمي.
وتحمل الاضطرابات الاقتصادية آثاراً مماثلة , فقد تتأثر طرق التجارة، وحركة الماشية، والأسواق، وإمدادات الوقود، وممرات النقل، والتجارة العابرة للحدود جميعها بعدم الاستقرار المطول. وبالنسبة إلى المجتمعات التي تعتمد على الحركة عبر الحدود، فإن تعطّل التجارة ليس مسألة اقتصادية مجردة؛ بل يؤثر في الأسعار، وسبل العيش، وتوفر الغذاء، وبقاء الأسر.
ويمكن للصعوبات الاقتصادية، بدورها، أن تزيد قابلية بعض الفئات للتجنيد من قبل الجماعات المسلحة، أو الانخراط في النشاط الإجرامي، أو الانزلاق نحو الاضطرابات الاجتماعية. ومن ثم، فإن الأثر الأمني للأزمة السودانية لا يتحرك عبر الأسلحة والحدود وحدها، بل يتحرك أيضاً عبر الأسواق والطرق وسبل العيش وثقة الناس في المستقبل.
البحر الأحمر : البعد البحري للأزمة
وخارج حدود السودان البرية، يمنح البعد المرتبط بالبحر الأحمر الأزمة أهمية بحرية أوسع, فالسودان ليس دولة أفريقية برية فحسب، بل هو أيضاً دولة مطلة على البحر الأحمر, ومن خلال ساحله وموانئه وأقاليمه الشرقية، يشكل السودان جزءاً من ممر بحري يربط أفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا وآسيا, وعلى الرغم من أن كثيراً من الاهتمام يتركز على الأحداث داخل السودان، فإن الوضع الداخلي للبلاد يحمل آثاراً على أحد أكثر الممرات المائية الاستراتيجية حساسية في العالم.
لطالما كان البحر الأحمر مهماً للتجارة والملاحة وحركة الطاقة والوصول العسكري والنفوذ الإقليمي. فهو يربط البحر المتوسط عبر قناة السويس بالمحيط الهندي عبر باب المندب، مما يجعله محورياً للتجارة العالمية والأمن البحري. وبالنسبة إلى الدول الأفريقية والعربية على حد سواء، فإن البحر الأحمر ليس مجرد مسطح مائي، بل فضاء استراتيجي تلتقي فيه المصالح الاقتصادية والشواغل الأمنية والطموحات الجيوسياسية.
ويمنح موقع السودان على امتداد هذا الممر لاستقراره صلة مباشرة بأمن الإقليم الأوسع. فكل اضطراب يطال السودان قد لا يظل محصوراً في الداخل، بل قد ينعكس على ثقة الشركاء الإقليميين والدوليين، وعلى حركة الإمداد، وعلى مسارات التجارة والعمل الإنساني.
وتكتسب بورتسودان أهمية خاصة في هذا السياق. فبوصفها نقطة دخول وخروج رئيسية لتجارة السودان، والإمدادات الإنسانية، واتصالاته الخارجية، اكتسبت أهمية أكبر أثناء الأزمة. وعندما تتعرض الطرق الداخلية، أو النظم الإدارية، أو السلطة السياسية للضغط، قد تصبح الموانئ والمناطق الساحلية حيوية للوصول الإنساني والاستمرارية الاقتصادية.
وفي الوقت نفسه، قد يؤثر الغموض حول هذه الفضاءات في سلاسل الإمداد، وعمليات الإغاثة، والحركة التجارية، وثقة الشركاء الإقليميين والدوليين. ولذلك، فإن أمن ووظائف المنفذ الساحلي السوداني ليسا شأناً وطنياً فحسب، بل مصلحة إنسانية واقتصادية إقليمية.
كما تخلق الأزمة حالة من عدم اليقين للدول والفاعلين ذوي المصالح على طول ممر البحر الأحمر, فدول الخليج، ودول القرن الأفريقي، والفاعلون في شمال أفريقيا، والشركاء الدوليون الأوسع، لهم جميعاً مصالح استراتيجية واقتصادية وأمنية في استقرار هذه المنطقة البحرية. وقد يدعو السودان الذي يواجه ضغوطاً مؤسسية وأمنية مطولة إلى أشكال متعددة من الانخراط، سواء كان دبلوماسياً أو اقتصادياً أو أمنياً أو سياسياً.
وإذا لم تُنسَّق هذه المصالح بعناية، فقد ترتبط الأزمة الداخلية في السودان بتنافسات أوسع على النفوذ على امتداد البحر الأحمر.
حوض النيل: المياه والدبلوماسية
ومع ذلك، يمكن للدبلوماسية الحذرة أن توجه الاهتمام الاستراتيجي ذاته نحو الاستقرار، والوصول الإنساني، والتنسيق الإقليمي، بدلاً من تحويل السودان إلى ساحة إضافية للتنافس.
وفي الوقت نفسه، يُعد حوض النيل فضاءً آخر تحمل فيه أزمة السودان أهمية واسعة , فالسودان ليس فاعلاً هامشياً في الحوض، بل هو أحد أعمدته الجغرافية والسياسية المركزية. تقع أراضيه بين المصادر العليا الرئيسية لنظام النيل والدول الواقعة في المصب التي تعتمد حياتها الوطنية اعتماداً كبيراً على النهر. ومن ثم، يرتبط استقراره ارتباطاً وثيقاً بأمن المياه، والزراعة، والري، والطاقة، وإنتاج الغذاء، والتعاون الإقليمي.
ويشغل السودان موقعاً حساساً على وجه الخصوص بين مصادر النيل الأزرق في المرتفعات والمجاري الدنيا للنظام النهري. وهذا الموقع يمنح السودان أهمية استراتيجية ومسؤولية دبلوماسية في آن واحد. فالسودان المستقر يستطيع أن يسهم في الحوار، والتنسيق، وبناء الثقة بين دول الحوض. أما السودان الذي يواجه ضغطاً مؤسسياً مطولاً، فقد تكون قدرته أقل على الانخراط المستدام في وقت يحتاج فيه الحوض إلى دبلوماسية حذرة، وتعاون فني، وضبط متبادل.
إن حوض النيل ليس مجرد نظام هيدرولوجي. بل هو أيضاً فضاء سياسي واقتصادي واستراتيجي. فقضايا المياه مرتبطة بالتنمية الوطنية، والأمن الغذائي، وتوليد الطاقة، والري، والنمو السكاني، والضغط المناخي، والثقة الإقليمية. وإذا انشغلت المؤسسات السودانية بالنزاع، والضغط الإنساني، والإجهاد الداخلي، فقد تتقيد قدرة السودان على الإسهام في حوكمة المياه الإقليمية طويلة الأمد.
وبالتالي، يظل استقرار السودان مهماً للبنية الأوسع للتعاون في حوض النيل. فاستقرار السودان لا يخدم السودان وحده، بل يخدم أيضاً إمكانية بناء تفاهمات أكثر رسوخاً بين دول الحوض، في منطقة تتزايد فيها تحديات المياه والغذاء والمناخ والتنمية.
ولا تقتصر الآثار على الدبلوماسية الرسمية , فالإمكانات الزراعية والريّية في السودان ترتبط مباشرة بالنيل وروافده. ويمكن للنزاع أن يعطل نظم الزراعة، وإدارة المياه، وصيانة البنية التحتية، والنقل النهري، وسبل العيش الريفية. وحيثما يؤثر انعدام الأمن في الإنتاج الزراعي، فقد تمتد العواقب إلى أسعار الغذاء، وتدفقات التجارة، والاحتياجات الإنسانية.
وفي إقليم يتعرض أصلاً لانعدام الأمن الغذائي وتقلبات المناخ، فإن إضعاف القدرة الإنتاجية للسودان ستكون له آثار أوسع, فالأمن الغذائي في هذه المنطقة لا يتصل بالإنتاج المحلي وحده، بل بشبكات النقل، والأسواق، والثقة، والاستقرار، وقدرة الدول على التعاون في مواجهة الضغوط المشتركة.
جنوب السودان: التأثير المباشر للأزمة
وبالنسبة إلى جنوب السودان، يكتسب بعد حوض النيل أهمية خاصة. فجنوب السودان نفسه دولة من دول حوض النيل، ترتبط بالنيل الأبيض وبأسئلة أوسع تتعلق بالأراضي الرطبة، والنظم النهرية، والبنية التحتية الإقليمية، والزراعة، والتنمية طويلة الأمد.
ولا تؤثر التطورات في السودان في العلاقات الثنائية بين جوبا والخرطوم فحسب، بل تؤثر أيضاً في البيئة الأوسع التي يتعين على جنوب السودان أن يفكر من خلالها في المياه، والتجارة، والنقل، والأمن الغذائي، والتكامل الإقليمي.
وعلى الرغم من أن جنوب السودان ليس البلد الوحيد المتأثر بالأزمة، فإن تعرضه لها مباشر بوجه خاص. فهو يرتبط بالسودان عبر الجغرافيا والتاريخ والاقتصاد والمجتمع والحدود والبنية التحتية النفطية , ولهذا، فإن أي اضطراب في السودان يتحول بسرعة إلى شأن ذي أهمية وطنية مباشرة بالنسبة إلى جنوب السودان.
وبالفعل، يُعد جنوب السودان من بين أكثر جيران السودان تأثراً.
فالعلاقة بين البلدين ليست مجرد علاقة بين دولتين متجاورتين، بل علاقة شكّلها التاريخ المشترك، والمجتمعات الممتدة، والاعتماد الاقتصادي المتبادل، وواقع الحدود، والبنية التحتية النفطية، وطرق التجارة، والأسئلة غير المحسومة الموروثة من الفترة السابقة لاستقلال جنوب السودان وما بعدها.
ولذلك، فإن التطورات في السودان ليست أحداثاً خارجية بعيدة بالنسبة إلى جنوب السودان, إنها مسائل تمس أمنه الوطني، واقتصاده، واستقراره الاجتماعي، وقدرته على التخطيط لمستقبله.
ويتمثل الأثر الأول والأكثر وضوحاً في الجانب الإنساني, فقد أجبر النزاع في السودان أعداداً كبيرة من الناس على عبور الحدود بحثاً عن الأمان , وبالنسبة إلى جنوب السودان، يشمل ذلك المواطنين العائدين واللاجئين من السودان. وتفرض هذه التحركات ضغوطاً ثقيلة على المناطق الحدودية، والمجتمعات المحلية، والوكالات الإنسانية، ومؤسسات الدولة.
ويصل كثير من العائدين في ظروف صعبة، غالباً بموارد محدودة، وشبكات أسرية متقطعة، واحتياجات عاجلة إلى الغذاء، والمأوى، والرعاية الصحية، والوثائق، والنقل إلى وجهات لاحقة, ولذلك، تُطلب من المجتمعات المضيفة، وكثير منها يواجه أصلاً صعوبات اقتصادية وخدمات محدودة، أن تستوعب ضغوطاً إضافية تفوق أحياناً قدراتها المحلية.
أما الآثار الاقتصادية فهي خطيرة بالقدر نفسه, فما زال اقتصاد جنوب السودان مرتبطاً بعمق بالسودان من خلال ترتيبات عبور النفط، وبنية التصدير، وطرق النقل، وتدفقات التجارة, وأي اضطراب في السودان يمكن أن يؤثر في قدرة جنوب السودان على نقل النفط إلى الأسواق الدولية، وتوليد الإيرادات العامة، واستيراد السلع الأساسية، والحفاظ على النشاط التجاري.
وبما أن عائدات النفط تظل مركزية في المالية العامة لجنوب السودان، يمكن لعدم الاستقرار في السودان أن يتحول سريعاً إلى تحدٍ مالي وتنموي لجنوب السودان, وعلى الرغم من أن هذا القلق اقتصادي في شكله، فإنه يحمل آثاراً أوسع على الخدمات العامة، والاستقرار المؤسسي، والتخطيط الوطني.
الأبعاد الإنسانية والاقتصادية العابرة للحدود
وتُعد التجارة مجالاً آخر من مجالات القلق, فقد خدم السودان تاريخياً كطريق تجاري مهم للسلع، والمواد الغذائية، والوقود، والماشية، واللوازم المنزلية المتجهة إلى أجزاء من جنوب السودان. وعندما يعطل النزاع الطرق، أو الأسواق، أو الموانئ، أو المعابر الحدودية، أو شبكات النقل، قد ترتفع الأسعار ويتراجع الوصول إلى السلع الأساسية.
وهذا لا يؤثر في المؤشرات الاقتصادية الوطنية فحسب، بل في الحياة اليومية للمواطنين العاديين، ولا سيما في الولايات الحدودية والمناطق المعتمدة على التجارة العابرة للحدود. وفي الوقت نفسه، قد يضعف عدم اليقين في أنظمة النقل والإمداد الثقة التجارية ويزيد الضغط على المجتمعات الضعيفة.
كما يطرح الوضع تحدياً دبلوماسياً أمام جنوب السودان, إذ يتعين على جوبا أن تحمي مصالحها الوطنية، مع المحافظة على موقف حذر ومسؤول تجاه الأزمة السودانية.
فالبلدان ما زالا مرتبطين بالجغرافيا والضرورة. ولجنوب السودان مصلحة واضحة في استقرار السودان، لكنه يجب أيضاً أن يتجنب الانجرار إلى الخصومات السودانية الداخلية , ويتطلب ذلك نهجاً دبلوماسياً متوازناً: دعم السلام، والوصول الإنساني، والوساطة الإقليمية، مع الحفاظ على قنوات الاتصال مع الفاعلين السودانيين المعنيين والدول المجاورة. فالحياد المسؤول لا يعني اللامبالاة، بل يعني العمل من أجل السلام مع تجنب الانخراط في منطق الصراع الداخلي.
وفي الوقت نفسه، تذكّر الأزمة جنوب السودان بأهمية التنويع الاقتصادي والمرونة المؤسسية, فالاعتماد الكبير على الطرق والبنية التحتية وأنظمة الإيرادات المرتبطة بالسودان يجعل جنوب السودان عرضة للصدمات الخارجية , ولذلك، تحمل الأزمة الراهنة درساً أوسع: لا يتطلب الاستقرار الوطني السلام السياسي فحسب، بل يتطلب أيضاً ممرات تجارية بديلة، ومؤسسات داخلية أقوى، وإدارة حدود أفضل، وبنية تحتية محسنة، وقاعدة اقتصادية أكثر تنوعاً.
وعلى الرغم من أن هذا الدرس ملح بوجه خاص بالنسبة إلى جنوب السودان، فإنه ينطبق بصورة أوسع على الدول التي تعتمد اقتصاداتها على ممرات خارجية ضيقة , فالدولة التي لا تملك بدائل استراتيجية كافية تصبح أكثر تعرضاً لتقلبات جوارها، وأكثر هشاشة أمام الأزمات الإقليمية.
العواقب الإنسانية للأزمة في السودان
تُعد العواقب الإنسانية للأزمة السودانية من بين أكثر آثارها إلحاحاً واتساعاً. وعلى الرغم من أن النزاع يجري داخل السودان، فإن كلفته الإنسانية تمتد إلى ما وراء حدود البلاد من خلال النزوح، وتفكك الأسر، وفقدان سبل العيش، وانعدام الأمن الغذائي، والضغط على المجتمعات المضيفة , وتُعد حركة السكان واسعة النطاق أحد أوضح تعبيرات هذا الأثر الأوسع.
فمع فرار المدنيين من العنف وانعدام الأمن، يبحث كثيرون عن ملاذ في الدول المجاورة، وبعضها يواجه أصلاً قيوداً اقتصادية، وبنية تحتية محدودة، وضغوطاً إنسانية خاصة به. وعندما تصل موجات النزوح إلى مجتمعات هشة، فإن الأزمة تنتقل من حدود الدولة الأصلية إلى حياة الناس اليومية في الدول المضيفة.
وقد تعيد الأزمة أيضاً تشكيل أنماط الهجرة خارج الجوار المباشر للسودان , فقد شكّل السودان تاريخياً جزءاً من طرق تربط الداخل الأفريقي، والساحل، وشمال أفريقيا، والبحر الأحمر، والعالم العربي. وعندما يعطل النزاع هذه الطرق، قد يبحث الناس عن مسارات بديلة، غالباً أكثر خطورة.
وقد يؤدي ازدياد الحركة نحو شمال أفريقيا أيضاً إلى رفع احتمال الهجرة اللاحقة نحو البحر المتوسط وأوروبا. وبهذا المعنى، قد تمتد الآثار الإنسانية للأزمة السودانية من مناطق الحدود السودانية إلى أنظمة هجرة أفريقية ودولية أوسع.
أما الآثار الاقتصادية فهي بالغة الأهمية أيضاً, فقد كان السودان منذ زمن طويل طريقاً للتجارة، وحركة الماشية، والتبادل الزراعي، والنقل، والاتصال التجاري بين أجزاء مختلفة من أفريقيا والعالم العربي. ويعطل النزاع هذه الشبكات من خلال إضعاف الأسواق، وإغلاق الطرق، وزيادة تكاليف النقل، وإتلاف البنية التحتية، وتقليل ثقة التجار والمستثمرين.
ولا تؤثر هذه الاضطرابات في الاقتصادات الوطنية وحدها، بل في سبل العيش اليومية للمجتمعات التي تعتمد على التجارة العابرة للحدود. فحين تنقطع الطرق، لا تتضرر الأسواق فقط، بل تتضرر الأسر، والعمال، والرعاة، وصغار التجار، والمجتمعات التي تعيش على الحركة والتبادل.
كما تهدد الأزمة طرق الحركة التاريخية التي استخدمها الحجاج، والطلاب، والتجار، والعمال، والأسر, فبالنسبة إلى مجتمعات كثيرة، ولا سيما من أجزاء من غرب أفريقيا والداخل الأفريقي، كان السودان ممراً نحو البحر الأحمر والمدن المقدسة في شبه الجزيرة العربية. ولا يؤثر تعطّل هذه الطرق في السفر الديني فحسب، بل في الروابط الاجتماعية والتجارية والثقافية الأوسع التي ربطت المجتمعات الأفريقية بالعالم العربي عبر الأجيال.
ومن ثم، فإن الأزمة تمس ليس فقط النظم الرسمية للتجارة والدبلوماسية، بل أيضاً مسارات حضارية أقدم للحركة والاتصال. إنها تضغط على ذاكرة تاريخية من التواصل الأفريقي العربي، وعلى شبكات اجتماعية ودينية واقتصادية ظلت قائمة عبر الزمن.
ولهذا السبب، يجب التعامل مع الأبعاد الإنسانية والاقتصادية للأزمة السودانية بوصفها مركزية لا ثانوية, فالأزمة تؤثر في الناس قبل أن تؤثر في الاستراتيجية, وتعطل البيوت قبل أن تعطل الممرات. وتضعف سبل العيش قبل أن تعيد تشكيل الحسابات الجيوسياسية. ومع ذلك، وبالضبط لأن المعاناة الإنسانية والاضطراب الاقتصادي ينتشران عبر الحدود، فإنهما يصبحان أيضاً من مسائل الاهتمام الإقليمي والدولي.
وعلى الرغم من ضرورة لغة الاستراتيجية، يجب أن تظل هذه اللغة متجذرة في الواقع المعيشي للمجتمعات المتأثرة. فلا قيمة لتحليل إقليمي يفقد صلته بمعاناة الإنسان، ولا جدوى من مقاربة أمنية تتجاهل أن الأمن يبدأ بحماية المدنيين، وصون الكرامة، ومنع انهيار المجتمعات.
الاستجابة الدبلوماسية للأزمة في السودان
وفي ضوء هذه الحقائق، فإن حجم الأزمة السودانية وتعقيدها يتطلبان استجابة دبلوماسية تتجاوز ترتيباً ضيقاً لوقف إطلاق النار. وبينما يجب أن تظل الأولويات الفورية هي وقف الأعمال العدائية، وحماية المدنيين، وإيصال المساعدة الإنسانية، فإن الاستجابة المستدامة يجب أن تعالج أيضاً الأبعاد السياسية والمؤسسية والإقليمية والأمنية التي جعلت النزاع صعب الاحتواء.
وبما أن أزمة السودان داخلية في أصلها، لكنها إقليمية ودولية في نتائجها، فإن الاستجابة الدبلوماسية يجب أن تكون شاملة بالقدر نفسه. قد يخلق توقف القتال مساحة للإغاثة والحوار، لكن السلام الدائم سيتطلب إطاراً أوسع يربط الأمن، والحكم، والحماية الإنسانية، وصون المؤسسات، والتنسيق الإقليمي.
للمنظمات الإقليمية دور محوري تضطلع به. ويُعد الاتحاد الأفريقي والهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية، إيغاد، ذوي صلة خاصة، لأن استقرار السودان لا ينفصل عن السلم والأمن الأفريقيين , وتكتسب مشاركتهما أهمية ليس بسبب الجغرافيا فحسب، بل لأن الأزمة تمس شواغل أفريقية أوسع: النظام الدستوري، وحماية المدنيين، ومنع النزاعات، والوصول الإنساني، وصون الدولة، والاستقرار الإقليمي.
وعلى الرغم من أن الوساطة يجب أن تحترم الملكية السودانية، لا تستطيع المؤسسات الإقليمية تحمل اللامبالاة, فمستقبل السودان مرتبط ارتباطاً وثيقاً باستقرار البيئة الأفريقية الأوسع، وتقع على الدبلوماسية الأفريقية مسؤولية المساعدة في منع تعمق الأزمة وتحولها إلى طارئ إقليمي أوسع.
غير أن الدبلوماسية الإقليمية تواجه تحديات خطيرة, فالأزمة السودانية تشمل فاعلين مسلحين، وحركات سياسية، وقوى مدنية، ومجتمعات محلية، ووكالات إنسانية، ودولاً مجاورة، وشركاء خارجيين. ولا تتقاسم هذه الأطراف بالضرورة الأولويات نفسها, فبعضها يركز على وقف إطلاق النار والوصول الإنساني، بينما يركز آخرون على الانتقال السياسي، أو الترتيبات الأمنية، أو النفوذ الإقليمي، أو حماية المصالح الوطنية.
ومن دون تنسيق دقيق، قد تتداخل مبادرات متعددة، أو تتنافس، أو تضعف بعضها بعضاً , ويمكن للدبلوماسية المجزأة أن تخلق حالة من عدم اليقين، وأن تتيح للأطراف الانتقال بين العمليات من دون الالتزام بمسار متماسك. ولهذا السبب، لا يُعد التنسيق مسألة إجرائية فحسب، بل شرطاً للمصداقية الدبلوماسية.
ومن ثم، فإن وجود إطار مشترك أمر أساسي, وينبغي للاتحاد الأفريقي، وإيغاد، والأمم المتحدة، وجامعة الدول العربية، والدول المجاورة، والشركاء الدوليين المعنيين، أن يتجنبوا الجهود المتوازية التي تفتقر إلى الاتساق. وينبغي أن يسترشد انخراطهم بأولويات مشتركة: حماية المدنيين، والوصول الإنساني، ووقف الأعمال العدائية، وصون مؤسسات الدولة، وعملية سياسية شاملة.
ماذا يحتاج السودان ؟
يحتاج السودان إلى بنية دبلوماسية راسخة بما يكفي لتشجيع الامتثال، ومرنة بما يكفي لاستيعاب تعقيد مشهده السياسي والاجتماعي. وعلى الرغم من أن أي إطار خارجي لا يمكن أن يحل محل الإرادة السياسية السودانية، فإن الدبلوماسية المنسقة تستطيع أن تساعد في خلق الظروف التي قد تنشأ في ظلها تلك الإرادة.
وتضطلع الدول المجاورة بدور دقيق على نحو خاص, فهي تتأثر مباشرة بتدفقات اللاجئين، وانعدام أمن الحدود، وتعطل التجارة، وحركة الأسلحة غير المشروعة، والضغط الاقتصادي, ولذلك، لها مصالح مشروعة في استقرار السودان , وفي الوقت نفسه، يجب أن تُدار مشاركتها بعناية لتجنب تصورات التدخل أو الانحياز إلى أي طرف في النزاع.
ويتمثل الدور الأكثر بنّاءً للدول المجاورة في دعم خفض التصعيد، والممرات الإنسانية، وتنسيق الحدود، وعملية سياسية تتيح للفاعلين السودانيين تشكيل مستقبلهم ضمن إطار من الدعم الإقليمي. وبينما تمنح الجغرافيا القريبة الدول المجاورة مصلحة خاصة، فإنها تضع عليها أيضاً مسؤولية خاصة عن ضبط النفس، والحصافة، والانخراط البنّاء.
وللمجتمع الدولي الأوسع دور مهم أيضاً، لكن ينبغي أن يُمارس انخراطه بحساسية. ويمكن للفاعلين الخارجيين أن يقدموا المساعدة الإنسانية، والنفوذ الدبلوماسي، والخبرة الفنية، والموارد اللازمة للاستقرار. غير أن الانخراط الخارجي، إذا حركته أجندات متنافسة، قد يعقد الأزمة بدلاً من حلها.
ولذلك، ينبغي للمشاركة الدولية أن تعزز الدبلوماسية الإقليمية الموثوقة لا أن تحل محلها. وينبغي أن تدعم الملكية السودانية، والقيادة الأفريقية، والعمل المنسق، مع تجنب تحويل السودان إلى ساحة للتنافس الجيوسياسي. وينبغي أن يكون مقياس الانخراط الخارجي هو ما إذا كان يخفف المعاناة، ويدعم الحوار، ويحمي المؤسسات، لا ما إذا كان يخدم مصالح استراتيجية ضيقة.
وعلى مستوى السياسات، تبرز عدة أولويات. يجب أن تبقى حماية المدنيين والوصول الإنساني في المركز. وينبغي صون المؤسسات السودانية حيثما أمكن، لأن التعافي يصبح أصعب بكثير عندما تضعف بشدة النظم الإدارية والقضائية والتعليمية والمالية والصحية وأنظمة الحكم المحلي.
كما ينبغي تعزيز التنسيق الإقليمي حول إدارة الحدود، وحماية اللاجئين، واضطرابات التجارة، وحركة الأسلحة، والمخاطر التي تفرضها الجماعات المسلحة والشبكات غير الرسمية, وينبغي أيضاً التعامل مع بعدي البحر الأحمر وحوض النيل باعتبارهما جزءاً من البنية الإقليمية الأوسع، لا كقضيتين منفصلتين. فأزمة بهذا الحجم لا يمكن معالجتها باستجابات منفصلة، بل تتطلب نهجاً مترابطاً يوازي تعقيد التحدي.
ويستحق جنوب السودان اهتماماً خاصاً بسبب تعرضه المباشر للأزمة السودانية, وينبغي أن يشمل الدعم المقدم إلى جنوب السودان المساعدة في إدارة العائدين واللاجئين، وتعزيز إدارة الحدود، وحماية طرق التجارة، وتنويع الممرات الاقتصادية، وتقليل الاعتماد المفرط على طريق واحد أو هيكل إيرادي واحد.
وعلى نحو أوسع، ينبغي أن تشجع الأزمة المنظمات الإقليمية على الاستثمار ليس فقط في الاستجابة للنزاعات النشطة، بل أيضاً في أنظمة الإنذار المبكر، وقدرات الوساطة، والتعاون الحدودي، وآليات حماية المؤسسات قبل أن تصل الأزمات إلى مرحلة التدهور الشديد, وعلى الرغم من أن الدبلوماسية الوقائية غالباً ما تكون أقل ظهوراً من دبلوماسية الأزمات، فإنها عادة أقل كلفة، وأكثر إنسانية، وأكثر فعالية.
آثار الأزمة السودانية ودروسها
في نهاية المطاف، بدأت الأزمة السودانية داخل السودان، لكن عواقبها تمتد الآن إلى ما هو أبعد بكثير من حدوده. إنها متجذرة في صراعات داخلية حول السلطة، والحكم، والعدالة الاجتماعية والاقتصادية، والشرعية المؤسسية، والاتجاه المستقبلي للدولة. ومع ذلك، فإن جغرافيا السودان، وتاريخه، وحجمه، وموقعه الاستراتيجي، تمنح هذه الأزمة أهمية لا يمكن حصرها في السياسة الوطنية وحدها.
لقد أصبحت الأزمة السودانية تحدياً إقليمياً وقارياً له آثار على أفريقيا، والبحر الأحمر، وحوض النيل، والساحل، وشمال أفريقيا، والدول المجاورة. ولذلك، فإن فهم السودان من خلال أزمته الداخلية وحدها يعني إغفال حجم ما هو على المحك.
وفي مركز الأزمة تكمن مأساة إنسانية عميقة. يجب أن تبقى معاناة المدنيين، وتشريد الأسر، وتعطل سبل العيش، والضغط الواقع على المؤسسات العامة، في صدارة أي تقييم جاد, وينبغي ألا تحجب النقاشات حول الموانئ، والحدود، وطرق التجارة، وأنظمة المياه، والهجرة، والنفوذ الإقليمي، الحقيقة الأكثر إلحاحاً: أن النزاع المطول يؤثر أولاً في حياة البشر والأسس الاجتماعية.
وإذا استمرت الأزمة، فإن السودان لا يخاطر بصعوبات سياسية واقتصادية فحسب، بل أيضاً بإضعاف مؤسسات استغرق بناؤها أجيالاً. ولا يمكن لأي استراتيجية إقليمية أن تكون جادة أخلاقياً إذا فقدت هذا المركز الإنساني من نظرها.
أما العواقب الأوسع فهي ليست أقل خطورة, فقد تؤدي الأزمة المطولة إلى تعميق تدفقات اللاجئين، وتعطيل ممرات التجارة، وإضعاف الأمن الغذائي، وتشجيع حركة الأسلحة غير المشروعة، وإرهاق الدول المجاورة، وتعقيد الدبلوماسية الإقليمية. وقد تؤثر في أمن البحر الأحمر، وتضعف التعاون داخل حوض النيل، وتزيد الضغط على طرق الهجرة في شمال أفريقيا، وتعرّض الدول التي تواجه ضغوطاً داخلية لأعباء إنسانية واقتصادية وأمنية إضافية.
ولذلك، فإن وضع السودان ليس أزمة محصورة، بل تطور قادر على إعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية المحيطة به. وكلما طال أمد الأزمة، ازداد احتمال أن تتحول آثارها من ضغوط مؤقتة إلى تحولات أعمق في الأمن، والاقتصاد، والهجرة، والدبلوماسية الإقليمية.
والدرس المركزي هو أن استقرار السودان ينبغي أن يُعامل باعتباره منفعة عامة إقليمية. فهو لا يهم المواطنين السودانيين وحدهم، بل يهم أيضاً البلدان والأقاليم المتصلة بالسودان عبر الحدود، والأنهار، والطرق، والموانئ، والأسواق، وطرق الهجرة، والمصالح الأمنية المشتركة.
فسودان يواجه ضغطاً مؤسسياً مطولاً سيخلق ضغوطاً أوسع على الإقليم المحيط. أما السودان السلمي والقادر مؤسسياً، فسيعزز التعاون الإقليمي، والتجارة، والمرونة الإنسانية، والتوازن الدبلوماسي. ولذلك، فإن الاستقرار في السودان ليس طموحاً سودانياً فحسب، بل هو مصلحة أفريقية، ومصلحة للبحر الأحمر، ومصلحة لحوض النيل، وضرورة إنسانية.
وفي نهاية المطاف، تمثل الأزمة السودانية اختباراً للحكمة السياسية والمسؤولية الدبلوماسية. إنها تطرح سؤالاً عما إذا كان الفاعلون الوطنيون، والمنظمات الإقليمية، والدول المجاورة، والشركاء الدوليون قادرين على الاستجابة قبل أن تصبح كلفة النزاع المطول أكبر. وتطرح سؤالاً عما إذا كانت الدبلوماسية تستطيع أن ترتقي فوق التجزئة، وما إذا كان الهم الإنساني يستطيع أن يبقى في المركز، وما إذا كانت المؤسسات الإقليمية قادرة على التصرف بالبصيرة التي تتطلبها اللحظة.
إن مستقبل السودان سيؤثر لا في توازن الأمور داخل حدوده وحدها، بل أيضاً في استقرار المناطق الأفريقية الأوسع، وممر البحر الأحمر، وحوض النيل. ولذلك، فإن التعامل الجاد مع الأزمة لا يعني السعي إلى السلام في السودان فحسب، بل يعني أيضاً حماية نظام إقليمي أوسع ترتبط أمنه وازدهاره وإنسانيته ارتباطاً عميقاً بمستقبل السودان ذاته.
* السفير أنتوني كون .. دبلوماسي وباحث ومؤلف.
إقرأ المزيد