الدكتور حسين عبد البصير يكتب : حارس الإسكندرية

لكل مدينة حارس.. قد يكون قلعةً تواجه البحر، أو منارةً تهدي السفن، أو سورًا يصد الغزاة, أما الإسكندرية، فقد اختارت أن يكون حارسها متحفًا.
قد يبدو الأمر غريبًا، لكن المتحف اليوناني الروماني لم يُبنَ ليعرض التماثيل والبرديات والعملات القديمة فحسب، بل وُلد في لحظة كانت فيها ذاكرة المدينة تتسرب من بين أصابعها، قطعةً بعد أخرى، في زمن تحولت فيه الإسكندرية إلى واحدة من أكبر أسواق الآثار في العالم.
في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، كانت المدينة تعيش حمى الاكتشافات الأثرية, فكلما شُقت طريق، أو أُقيم منزل، أو حُفر أساس، خرجت من الأرض شواهد جديدة على عظمة الإسكندرية القديمة؛ تماثيل رخامية، ولوحات جنائزية، وعملات، ومجوهرات، وأوانٍ فخارية، ونقوش لا مثيل لها.
لكن تلك الكنوز لم تكن تجد دائمًا طريقها إلى متحف أو مؤسسة علمية، بل كانت تجد طريقها إلى الأسواق، ومنها إلى السفن المتجهة نحو أوروبا, أصبحت الإسكندرية ملتقى لتجار الآثار والدبلوماسيين والرحالة وهواة الاقتناء، وتحولت آثارها إلى سلعة مطلوبة في العواصم الأوروبية، حيث كانت المتاحف والمجموعات الخاصة تتنافس على اقتناء كل ما يخرج من أرض مصر.
ومن أشهر جامعي الآثار في ذلك العصر جيوفاني أنستازي، القنصل السويدي في مصر، الذي جمع مجموعة استثنائية من الآثار والبرديات المصرية، وأنتوني تشارلز هاريس، صاحب واحدة من أشهر مجموعات البرديات، والإيطالي جوزيبي باسالاكوا، الذي كوّن مجموعة أثرية ضخمة آلت فيما بعد إلى متحف برلين, ولم يكونوا وحدهم، بل كانوا جزءًا من ظاهرة عالمية أدت إلى انتقال آلاف القطع الأثرية المصرية إلى الخارج، حتى أصبحت آثار الإسكندرية موزعة بين متاحف أوروبا وأمريكا، بينما كانت المدينة نفسها تفقد جانبًا من ذاكرتها.
وسط هذا المشهد، برزت فكرة غيرت مسار التاريخ.
أدرك عالم الآثار الإيطالي جوزيبي بوتي أن حماية التراث لا تتحقق بإصدار القوانين وحدها، بل بإنشاء مؤسسة علمية تحفظ المكتشفات، وتدرسها، وتعرضها للجمهور, وفي عام 1889 طرح مشروع إنشاء متحف متخصص لآثار الإسكندرية اليونانية والرومانية، ليكون بيتًا لذاكرة المدينة وحصنًا ضد ضياع تراثها.
وفي الأول من يونيو عام 1892 صدر القرار الرسمي بإنشاء المتحف، ثم افتتح الخديوي عباس حلمي الثاني أول مقره في السابع عشر من أكتوبر من العام نفسه داخل مبنى صغير يضم خمس قاعات في شارع رشيد، المعروف اليوم بشارع الحرية.
لكن الاكتشافات الأثرية المتلاحقة سرعان ما جعلت هذا المبنى غير كافٍ لاستيعاب الكنوز التي كانت تتدفق من حفائر الإسكندرية.
لذلك، وضع نوبار باشا في الثاني عشر من سبتمبر عام 1894 حجر الأساس للمبنى الحالي، الذي صممه المعماريان ديتريش وستينون على الطراز الكلاسيكي الجديد، وافتتحه الخديوي عباس حلمي الثاني في السادس والعشرين من سبتمبر عام 1895.
لم يكن المبنى مجرد تحفة معمارية، بل كان إعلانًا بأن مصر بدأت مرحلة جديدة في حماية تراثها، وأن آثار الإسكندرية ستبقى في الإسكندرية، تروي تاريخ المدينة التي جمعت الحضارات المصرية واليونانية والرومانية في نسيج ثقافي واحد.
وتولى جوزيبي بوتي إدارة المتحف منذ تأسيسه حتى وفاته عام 1903، فوضع الأسس العلمية لتسجيل القطع الأثرية وتصنيفها، وربط المتحف بالحفائر التي كانت تُجرى في المدينة، ليصبح مركزًا علميًا عالميًا لدراسة آثار الإسكندرية.
ثم تولى العالم الإيطالي إيفاريستو بريتشيا إدارة المتحف بين عامي 1904 و1932، وهي الفترة التي تُعد العصر الذهبي للمتحف, فقد توسعت الحفائر العلمية، وازدادت المجموعات الأثرية، وتحول المتحف إلى قبلة للباحثين من مختلف أنحاء العالم. كما ارتبط اسمه بإصدار نشرة الجمعية الأثرية بالإسكندرية، التي أصبحت واحدة من أهم الدوريات العلمية المتخصصة في آثار المدينة.
وجاء بعده أكيلي أدرياني، أحد أبرز علماء آثار البحر المتوسط، الذي واصل تطوير المتحف، وأسهم في دراسة آثار الإسكندرية البرية والغارقة، وربط تاريخها بتاريخ العالم الهلنستي والروماني, وفي عام 1953 بدأت مرحلة جديدة عندما تولى علماء الآثار المصريون إدارة المتحف، ليصبح المصريون هم الأمناء على هذا التراث العالمي.
لم يكن المتحف اليوناني الروماني مجرد مكان لحفظ القطع الأثرية، بل أصبح مدرسة علمية، ومركزًا للبحث، ومنبرًا لفهم الإسكندرية بوصفها مدينة عالمية صنعت تاريخ البحر المتوسط لقرون طويلة.
واليوم، وبعد أكثر من مائة وثلاثين عامًا على إنشائه، يقف المتحف شاهدًا على انتصار الوعي على النسيان، والعلم على الفوضى، والحفاظ على التراث في مواجهة تجارة الآثار التي استنزفت مصر لعقود طويلة.
إن المتاحف ليست مخازن للأحجار، بل بيوت للذاكرة الإنسانية. وما المتحف اليوناني الروماني إلا الدليل الحي على أن الحضارة يمكن أن تجد من يحرسها، وأن مدينة مثل الإسكندرية، التي منحت العالم العلم والفلسفة والفن، ما زالت تملك حارسًا أمينًا يقف في صمت، لكنه يحكي للعالم كله قصة مدينة لا تموت.

إقرأ المزيد :
الدكتور حسين عبد البصير يكتب : كنيسة سانت كاترين بالإسكندرية.. عندما تتحدث الحجارة بلغة الحضارات




