أخبار عاجلةالرأي

السفير دكتور محمد حجازي يكتب : هيلا سيلاسي… الإمبراطور الذي هزم الاحتلال وصادق عبد الناصر ” 17 “

عندما يذكر تاريخ التحرر الإفريقي، يتجه الذهن عادة إلى قادة حركات الاستقلال في خمسينيات وستينيات القرن العشرين, غير أن هناك قائدًا إفريقيًا سبقهم جميعًا في مواجهة الاستعمار، وحمل قضية القارة إلى العالم قبل عقود من موجة الاستقلال الكبرى، هو الإمبراطور هيلا سيلاسي، الذي تحولت تجربته الوطنية إلى مصدر إلهام للأفارقة في نضالهم من أجل الحرية والسيادة.

ولد هيلا سيلاسي عام 1892 في إثيوبيا، الدولة الإفريقية التي شكلت رمزًا فريدًا للمقاومة والاستقلال , فقد كانت إثيوبيا، إلى جانب ليبيريا، من الدول القليلة التي حافظت على سيادتها في عصر التدافع الاستعماري الأوروبي على إفريقيا, وكان الانتصار الإثيوبي التاريخي في معركة عدوة عام 1896 قد رسخ في الوجدان الإفريقي فكرة أن الاستعمار ليس قدرًا محتومًا وأن الشعوب الإفريقية قادرة على الدفاع عن استقلالها.

وعندما تولى هيلا سيلاسي العرش عام 1930، كان العالم يشهد صعود الأنظمة الفاشية والتوسعية, ولم يمض وقت طويل حتى أصبحت إثيوبيا هدفًا للغزو الإيطالي بقيادة موسوليني، الذي أراد إقامة إمبراطورية استعمارية جديدة في القرن الإفريقي ومحو ذكرى الهزيمة الإيطالية القديمة في عدوة.

في عام 1935 تعرضت إثيوبيا لغزو شامل , ورغم المقاومة الشرسة التي أبداها الشعب الإثيوبي، تمكنت القوات الإيطالية من احتلال البلاد , واضطر هيلا سيلاسي إلى مغادرة وطنه، لكنه رفض الاعتراف بالهزيمة أو الاستسلام للأمر الواقع. ومن منفاه قاد معركة سياسية ودبلوماسية عالمية دفاعًا عن استقلال بلاده.

وفي يونيو 1936 وقف أمام عصبة الأمم في جنيف في خطاب تاريخي أصبح من أشهر الخطب السياسية في القرن العشرين , تحدث باسم شعبه وباسم الشعوب الضعيفة المهددة بالعدوان، محذرًا العالم من مخاطر الصمت أمام الاحتلال , لم يكن يدافع عن إثيوبيا فقط، بل كان يدافع عن مبدأ استقلال الأمم وحق الشعوب في تقرير مصيرها , وقد أصبح ذلك الخطاب رمزًا عالميًا لمقاومة الاستعمار والعدوان.

ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية وتغير موازين القوى، تمكنت المقاومة الإثيوبية بدعم الحلفاء من تحرير البلاد , وفي عام 1941 عاد هيلا سيلاسي إلى أديس أبابا وسط استقبال شعبي حاشد، ليجسد انتصار الإرادة الوطنية على الاحتلال , وكان هذا الانتصار مصدر إلهام كبير للحركات الوطنية الإفريقية التي بدأت تتشكل في أنحاء القارة.

وخلال العقود التالية أدرك هيلا سيلاسي أن استقلال إثيوبيا وحده لا يكفي، وأن مستقبل القارة يتوقف على تحرير بقية شعوبها , لذلك تحول إلى أحد أبرز المدافعين عن التعاون الإفريقي ودعم حركات التحرر الوطني.

وفي هذه المرحلة نشأت علاقة وثيقة بينه وبين الزعيم المصري جمال عبد الناصر , ورغم اختلاف الخلفيات السياسية بين الإمبراطور الإثيوبي وقائد ثورة يوليو، فإنهما التقيا حول هدف استراتيجي واحد: تحرير إفريقيا من الاستعمار وبناء إطار للتعاون بين دولها المستقلة.

كانت القاهرة في عهد عبد الناصر عاصمة للنضال الإفريقي، تستقبل قادة حركات التحرر وتوفر لهم الدعم السياسي والإعلامي والدبلوماسي , وكان هيلا سيلاسي يدرك أهمية هذا الدور، كما أدرك عبد الناصر الأهمية الاستراتيجية لإثيوبيا في القرن الإفريقي وفي مسيرة العمل الإفريقي المشترك.

وقد جمع الرجلين احترام متبادل وعلاقة سياسية متميزة , فشارك هيلا سيلاسي وعبد الناصر في معظم المحطات الكبرى التي شهدتها القارة خلال مرحلة التحرر الوطني، وسعيا معًا إلى تقريب وجهات النظر بين القادة الأفارقة رغم اختلاف التوجهات والأيديولوجيات.

وجاءت اللحظة التاريخية الفاصلة في مايو 1963 عندما استضافت أديس أبابا القمة التي شهدت تأسيس منظمة الوحدة الإفريقية , لعب هيلا سيلاسي دور المضيف والحكم بين الاتجاهات المختلفة، بينما كان جمال عبد الناصر أحد أبرز مهندسي التوافق السياسي الذي أتاح ميلاد المنظمة , وقد مثل ذلك الحدث تتويجًا لسنوات من العمل المشترك بين الزعيمين من أجل توحيد الصف الإفريقي.

ولم يكن نجاح القمة مجرد انتصار دبلوماسي، بل كان إعلانًا عن دخول إفريقيا عصرًا جديدًا تتحدث فيه بصوت واحد وتسعى للدفاع عن مصالحها المشتركة ,وقد أصبحت أديس أبابا مقر المنظمة القارية، بينما ظلت القاهرة القلب النابض لحركات التحرر الوطني في إفريقيا.

وعلى الرغم من التحديات التي واجهتها إثيوبيا في سنواته الأخيرة، فإن إرث هيلا سيلاسي ظل مرتبطًا بثلاث محطات كبرى: مقاومة الاحتلال الإيطالي، واستعادة الاستقلال الوطني، والمساهمة في تأسيس العمل الإفريقي المشترك بالتعاون مع جمال عبد الناصر وجيل الآباء المؤسسين للقارة الحديثة.

لقد أثبت هيلا سيلاسي أن الشعوب تستطيع أن تنهض بعد الاحتلال، وأن الإرادة الوطنية أقوى من القوة العسكرية، وأن استقلال دولة واحدة يمكن أن يصبح مصدر إلهام لقارة بأكملها ,ولهذا بقي في الذاكرة الإفريقية رمزًا للصمود الوطني، كما بقيت شراكته التاريخية مع جمال عبد الناصر واحدة من أهم صفحات التضامن الإفريقي في القرن العشرين .

من عدوة إلى أديس أبابا: كيف ساهمت مصر في بناء المؤسسات الاقتصادية للدولة الإثيوبية الحديثة؟

270px Nasserhelaslasypic3 السفير دكتور محمد حجازي يكتب : هيلا سيلاسي… الإمبراطور الذي هزم الاحتلال وصادق عبد الناصر " 17 "
الرئيس الراحل جمال عبد الناصر والامبراطور هيلا سيلاسي

يرتبط اسم الإمبراطور منليك الثاني في الذاكرة التاريخية الإفريقية بانتصاره الكبير في معركة عدوة عام 1896، وهي المعركة التي أوقفت المشروع الاستعماري الإيطالي ورسخت استقلال إثيوبيا في عصر التدافع الأوروبي على إفريقيا , غير أن أهمية منليك لم تتوقف عند الإنجاز العسكري، بل امتدت إلى مشروع طموح لبناء الدولة الحديثة وإقامة مؤسساتها الإدارية والاقتصادية والمالية.

وفي هذا المشروع برز دور مصر، ليس باعتبارها طرفًا سياسيًا فحسب، بل بوصفها مركزًا ماليًا وإداريًا إقليميًا أسهم في نقل الخبرات والمؤسسات الحديثة إلى إثيوبيا.

بعد انتصار عدوة، أدرك منليك الثاني أن المحافظة على الاستقلال تتطلب بناء مؤسسات قادرة على إدارة الاقتصاد والمالية العامة وربط البلاد بالاقتصاد العالمي , ولذلك اتجه إلى إنشاء أول مؤسسة مصرفية حديثة في البلاد.

وفي عام 1905 منح الإمبراطور امتياز تأسيس بنك الحبشة (Bank of Abyssinia) إلى البنك الأهلي المصري، الذي كان يتخذ من القاهرة مقرًا له ويُعد آنذاك أهم مؤسسة مصرفية في المنطقة, وبدأ البنك نشاطه رسميًا عام 1906، ليصبح أول بنك حديث في إثيوبيا.

كان البنك يقوم بوظائف تتجاوز النشاط التجاري التقليدي؛ إذ تولى إدارة الحسابات الحكومية، وتمويل التجارة، وإصدار العملة، وإدارة الاحتياطيات، والقيام بمهام تشبه إلى حد بعيد وظائف البنك المركزي قبل إنشاء البنك الوطني الإثيوبي عام 1963. ومن ثم فإن البنك الأهلي المصري أسهم، عبر هذا الامتياز، في بناء البنية المالية للدولة الإثيوبية الحديثة.

ولا يعني ذلك أن الحكومة المصرية كانت تدير النظام المالي الإثيوبي بصورة مباشرة، إذ كان البنك الأهلي المصري مؤسسة مستقلة تعمل وفق امتياز تعاقدي، إلا أن وجوده في القاهرة وخبرته المصرفية جعلا من مصر شريكًا رئيسيًا في عملية تحديث الاقتصاد الإثيوبي.

ولم يقتصر التعاون على المجال المصرفي، بل امتد إلى مجالات التجارة والاتصالات وتنظيم المالية العامة، في إطار رؤية منليك لتحديث الدولة والانفتاح على الاقتصاد الدولي، مع الحفاظ على استقلال القرار الوطني.

وتكشف هذه المرحلة عن حقيقة تاريخية كثيرًا ما تغيب عن النقاشات المعاصرة، وهي أن العلاقات المصرية الإثيوبية لم تُبنَ تاريخيًا على الخلافات وحدها، بل شهدت أيضًا مراحل من التعاون العميق في بناء المؤسسات والتنمية. فبينما كانت مصر تمثل مركزًا علميًا وإداريًا وثقافيًا للقارة، استفادت إثيوبيا من الخبرات المتوافرة في القاهرة في تطوير مؤسساتها الحديثة.

ومن المفارقات اللافتة أن البلدين اللذين يبدوان اليوم على طرفي نقاشات معقدة حول مياه النيل، كانا في مطلع القرن العشرين شريكين في مشروع تحديث الدولة الإثيوبية, ويؤكد ذلك أن العلاقات بين دول حوض النيل كانت أكثر تنوعًا وتعقيدًا مما توحي به الخلافات الراهنة.

إن استحضار هذه الصفحة من التاريخ لا يهدف إلى استدعاء الماضي لذاته، بل إلى إبراز أن التعاون المؤسسي بين مصر وإثيوبيا كان ممكنًا عندما توافرت الإرادة السياسية والرؤية الاستراتيجية , وربما يحمل هذا الدرس قيمة خاصة اليوم، في وقت تحتاج فيه دول حوض النيل إلى إعادة بناء الثقة على أساس المصالح المشتركة والتنمية المتبادلة، بدلاً من الاكتفاء بإدارة الخلافات.

إن قصة تأسيس بنك الحبشة بالشراكة مع البنك الأهلي المصري ليست مجرد واقعة مصرفية، بل تمثل نموذجًا مبكرًا لدور مصر في دعم بناء الدولة الإفريقية الحديثة، وهي صفحة تستحق أن تستعاد ضمن التاريخ المشترك للعلاقات المصرية الإفريقية، وأن تُقرأ باعتبارها شاهدًا على أن التنمية والتعاون كانا، في أوقات كثيرة، أقوى من الخلافات السياسية

الكنيستان المصرية والإثيوبية… إحدى أقدم ركائز العلاقات بين البلدين

Screenshot 2026 07 07 003103 السفير دكتور محمد حجازي يكتب : هيلا سيلاسي… الإمبراطور الذي هزم الاحتلال وصادق عبد الناصر " 17 "
الرئيس جمال عبد الناصر و البابا كيرلس السادس والامبراطور هيلا سلاسي

إذا كانت الجغرافيا قد ربطت مصر وإثيوبيا بنهر النيل، فإن التاريخ ربطهما برابطة أكثر عمقًا واستمرارًا، وهي الرابطة الروحية والحضارية التي جسدتها العلاقة بين الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في مصر والكنيسة الإثيوبية الأرثوذكسية، والتي امتدت لما يقرب من ستة عشر قرنًا.

ففي القرن الرابع الميلادي، قام القديس فرومنتيوس، الذي عرف في التراث الإثيوبي باسم “أبّا سلامة”، بالتوجه إلى الإسكندرية، حيث رسمه البابا أثناسيوس الرسولي أول أسقف لإثيوبيا , ومنذ ذلك التاريخ أصبحت الكنيسة الإثيوبية مرتبطة روحيًا وإداريًا بالكنيسة القبطية، وكان مطران إثيوبيا يُختار ويُرسم من قبل بابا الإسكندرية، واستمر هذا التقليد حتى منتصف القرن العشرين.

ولم تكن هذه العلاقة مجرد ارتباط ديني، بل شكلت جسرًا حضاريًا وثقافيًا بين الشعبين. فقد انتقلت عبرها العلوم الدينية واللغة الليتورجية والتراث الرهباني، كما أصبحت مصر مقصدًا للرهبان والطلاب الإثيوبيين، في حين ظل الوجود الإثيوبي في القدس يعكس عمق الروابط الروحية بين الكنيستين.

وعندما دخلت إثيوبيا مرحلة بناء الدولة الحديثة في عهد الإمبراطور منليك الثاني، كانت العلاقات مع مصر تتجاوز المجال الكنسي إلى التعاون الاقتصادي والمؤسسي، ومن أبرز مظاهره تأسيس بنك الحبشة عام 1906 بالشراكة مع البنك الأهلي المصري، بما يعكس اتساع قاعدة التعاون بين البلدين.

وفي عام 1959 شهدت العلاقات الكنسية تطورًا مهمًا عندما منحت الكنيسة القبطية الكنيسة الإثيوبية حق انتخاب بطريركها لأول مرة، مع استمرار روابط الشركة الكنسية بين الكنيستين, ثم حصلت الكنيسة الإثيوبية لاحقًا على استقلالها الكامل، لكن العلاقات الروحية والتاريخية بقيت راسخة، واستمرت الزيارات المتبادلة والتنسيق في العديد من القضايا الكنسية والإفريقية.

إن استعادة هذا الإرث التاريخي تؤكد أن العلاقات المصرية الإثيوبية لا يمكن اختزالها في الخلافات السياسية المعاصرة، مهما بلغت أهميتها، لأن بين البلدين رصيدًا حضاريًا وإنسانيًا عميقًا أسهم في تشكيل هوية إفريقيا المسيحية، ورسخ نموذجًا فريدًا للتواصل بين شعبي وادي النيل والقرن الإفريقي.

ومن هنا، فإن الكنيسة ظلت، عبر القرون، إحدى أهم أدوات القوة الناعمة المصرية في إفريقيا، وركيزة من ركائز العلاقات المصرية الإثيوبية، إلى جانب نهر النيل، والتبادل التجاري، والتعاون الثقافي والمؤسسي، وهي حقائق تاريخية يمكن أن تشكل أساسًا لإحياء الثقة وبناء شراكات مستقبلية تقوم على الإرث المشترك والمصالح المتبادله .

بناءً على ذلك، وبحسب صفحات التاريخ فإن مصر وإثيوبيا ليس مقدراً لهما بحكم الجغرافيا أن يكونا خصمين، بل هما شريكان طبيعيان في تحمّل مسؤولية رسم مستقبل أكثر استقراراً وازدهاراً لحوض النيل والبحر الأحمر والقارة الأفريقية بأسرها. والدولة التي ستمارس التأثير الأكبر في هذا المستقبل ليست تلك التي تسعى إلى فرض إرادتها على الآخرين، بل تلك القادرة على تحويل الجغرافيا إلى منصة للتكامل والتنمية والربط بين الموارد والطاقة والتجارة والممرات الاستراتيجية.

لقد أوضحت مصر موقفها بوضوح من خلال رسالة الرئيس. ويقع الآن على عاتق إثيوبيا أن تتأمل بعناية في مضمونها، وتستوعب دلالاتها، وترد عليها بحكمة وببصيرة استراتيجية.

نسخة من البوم 2026 07 06T225839.345 السفير دكتور محمد حجازي يكتب : هيلا سيلاسي… الإمبراطور الذي هزم الاحتلال وصادق عبد الناصر " 17 "

1245894 0 السفير دكتور محمد حجازي يكتب : هيلا سيلاسي… الإمبراطور الذي هزم الاحتلال وصادق عبد الناصر " 17 "

إقرأ المزيد :

السفير دكتور محمد حجازي يكتب : سيريتسي خاما .. من القاهرة إلى غابورون  .. عندما احتضنت مصر أحد رواد الكفاح الإفريقي “16 ” 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى