الدكتور عبدالناصر سلم حامد يكتب : سد النهضة.. الاتفاق الذي لم يحكم التشغيل (1)
السد الإثيوبي .. من مشروعية البناء إلى قواعد التشغيل
عندما يُثار الحديث عن سد النهضة، ينصرف النقاش غالبًا إلى مشروعية بنائه، وكأنها كانت محل الخلاف بين السودان وإثيوبيا, غير أن الوقائع لا تؤيد هذا التصور, فالسودان لم يعترض، من حيث المبدأ، على حق إثيوبيا في إنشاء السد، وإنما انصب اهتمامه على كيفية تشغيله بعد اكتماله، وما إذا كان ذلك سيتم وفق قواعد متفق عليها تراعي مصالح الدول الأخرى التي تشترك في مياه النيل الأزرق.
وفي تقديري، فإن التمييز بين مشروعية البناء ومشروعية التشغيل يمثل مفتاحًا لفهم الموقف السوداني, فالقانون الدولي للمجاري المائية لا يحظر على دولة المنبع إقامة مشروعات على الأنهار الدولية، بل يقر بحقها في الانتفاع بمواردها المائية، شريطة أن يتم ذلك وفق مبدأ الانتفاع المنصف والمعقول، ومن دون التسبب في ضرر ذي شأن للدول الأخرى، مع الالتزام بالتعاون وتبادل المعلومات عند الاقتضاء.
ومن هذا المنطلق، لم يكن اعتراض السودان منصبًا على إنشاء السد في حد ذاته، وإنما على الكيفية التي ستدار بها مرحلة الملء والتشغيل، لما يترتب عليها من آثار مباشرة على مصالحه المائية , فالسودان، بحكم وقوعه مباشرة أسفل السد، كان الأكثر تأثرًا بالإجراءات المتعلقة بالملء والتشغيل، كما أن قرب سد الروصيرص من سد النهضة يجعل التنسيق بينهما ضرورة تفرضها الاعتبارات الفنية والقانونية معًا.
وفي الوقت نفسه، لم ينظر السودان إلى سد النهضة باعتباره مشروعًا تقتصر آثاره على المخاطر المحتملة، بل رأى فيه فرصًا يمكن أن تسهم في انتظام تدفقات المياه، والحد من الفيضانات، وتقليل الإطماء، وتحسين كفاءة تشغيل منشآته المائية، متى ما أُدير السد في إطار من التعاون والشفافية, ولذلك، ظل الموقف السوداني يقوم على الموازنة بين ما يمكن أن يحققه المشروع من فوائد، وبين ضرورة وجود قواعد واضحة تحكم تشغيله بما يكفل حماية مصالح جميع الأطراف.
وهكذا، لم يكن جوهر الخلاف متعلقًا بحق إثيوبيا في بناء السد، وإنما بالضمانات القانونية التي ينبغي أن تحكم تشغيله, ومع انتقال المشروع من مرحلة الإنشاء إلى مرحلة الاستعداد للملء والتشغيل، برزت الحاجة إلى إطار قانوني ينظم حقوق والتزامات الدول الثلاث، وهو ما تُوِّج بتوقيع إعلان المبادئ في الخرطوم عام 2015
ومن هذه الزاوية، كان السودان ينظر إلى إعلان المبادئ باعتباره أساسًا قانونيًا يفترض أن يحكم إجراءات الملء والتشغيل، وأن يضمن استمرار التشاور وتبادل المعلومات والتنسيق بين الدول الثلاث , غير أن الانتقال من الاتفاق على المبادئ إلى تنفيذها في الواقع العملي كشف عن تباين في فهم طبيعة الالتزامات التي رتبها الإعلان، وحدود ما يفرضه على أطرافه من واجبات عند الشروع في الملء والتشغيل.
وهنا انتقل الخلاف من مرحلة التفاوض حول المبادئ إلى مرحلة تقييم مدى الالتزام بها, فلم يعد السؤال المطروح هو ما إذا كان لإثيوبيا حق في بناء السد، إذ لم يكن ذلك محل نزاع في الأصل، وإنما أصبح السؤال: هل التزمت إثيوبيا بالتعهدات التي قبلتها عند توقيع إعلان المبادئ؟ , وهذا هو السؤال الذي سيحاول الجزء الثاني من هذه الدراسة الإجابة عنه، في ضوء نصوص الإعلان وقواعد القانون الدولي للمجاري المائية .
-
الدكتور عبدالناصر سلم حامد .. كبير الباحثين ومدير برنامج شرق أفريقيا والسودان في فوكس – السويد، وباحث أول في إدارة الأزمات ومكافحة الإرهاب .
طالع أيضا :




