الدكتور رمضان قرني يكتب : “تهافت” السردية الإعلامية الإثيوبية
منذ بدء التحضيرات للانتخابات البرلمانية السابعة في إثيوبيا، في يونيو الماضي، شرعت حكومة “آبي أحمد” في شن حملة إعلامية وسياسية استهدفت مصر والسودان وإريتريا والصومال، بدرجات متفاوتة، إلا أن النصيب الأكبر من تلك الحملة الإعلامية الإثيوبية نال من مصر وجهودها السياسية والتنموية في منطقتي القرن الأفريقي وحوض النيل.
من يتابع الحملة الإعلامية، يلحظ أنها ارتكزت على آليات عدة تنوعت ما بين تصريحات للمسؤولين الإثيوبيين في مناسبات عدة ، للنيل من الجهد المصري، ومقالات على مواقع وشبكات ووكالات رسمية “اينا وفانا ” تتهم السياسة المصرية بالسعي لاحتواء إثيوبيا، وثالثة عبر خبراء وبرلمانيين إثيوبيين، يجيدون العربية، من خلال منابر إعلامية وقنوات فضائية، بزعم الدفاع عن السياسة الإثيوبية وشرح توجهاتها للرأي العام العربي.
ويمكن القول إن الحملة الإثيوبية ركزت على جملة من السرديات من أبرزها: الحقوق في منفذ بحري على سواحل البحر الأحمر، واتهامات للقاهرة بالسعي لاحتواء وتطويق إثيوبيا في البحر الأحمر ودول حوض النيل، وأن التواجد المصري بمنطقة القرن الأفريقي هو بهدف الإضرار بالمصالح الإثيوبية … الخ من هذه السرديات التي لا تصمد على التفنيد والتحليل العلمي والقانوني على النحو التالي…
أولا: قضية المنفذ البحري:
تؤكد كثافة الخطاب السياسي والإعلامي الإثيوبي التمسك بقضية المنفذ البحري باعتبارها “مشروعًا استراتيجياً لا يقتصر على خدمة مصالحها الاقتصادية فحسب، بل يمتد ليشكل فرصة لتعزيز المصالح المشتركة لدول المنطقة بأكملها، بما يسهم في تعزيز التكامل الاقتصادي الإقليمي، وحماية خطوط الملاحة الحيوية، ودعم أهداف منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية التي يتبناها الاتحاد الإفريقي”.
بالرغم من هذه المبادئ العامة البراقة، والتي تحاول إضفاء الطابع الأفريقي على الموقف الإثيوبي، فإن التوجهات الإثيوبية تغفل المبادئ التالية:
- المخالفة الصريحة لقواعد ومواثيق الاتحاد الأفريقي التي تنص على “قدسية الحدود الموروثة من عهد الاستعمار”، ومن ثم فإن الحديث عن تغيير الطبيعة الراهنة للحدود الأفريقية يفتح “باب الجحيم” داخل أغلب دول القارة التي تشهد مظالم عرقية ومطالب سياسية ترتبط بها.
- تعد إثيوبيا من أكثر الدول المتضررة من هذه القضية بالنظر إلى المطالب الانفصالية لإقليمي تيجراي والأوجادين، وهي مطالب متجددة عبر فترات زمنية.
- تركز المطالب الإثيوبية بشأن المنفذ البحري على اهتمامات عسكرية وليس تجارية، وهو ما أكدته خبرة الاتفاق مع إقليم أرض الصومال الانفصالي، في المقابل تتجاهل إثيوبيا تنسيقات مع الصومال وجيبوتي بشأن منفذ تجاري لها.
- مخالفة “الحق الحصري” للدول المتشاطئة للبحر الأحمر، ينتقص بشكل فج من قواعد السيادة لدولة أفريقية وعربية وهي الصومال، ويكرس شرعية “الاعتراف الإسرائيلي” بالإقليم الانفصالي، ما يمثل تهديدا للأمن القومي العربي والأفريقي.
- يمثل التعاون مع إقليم انفصالي سابقة تاريخية تنتقص من “الدولة الوطنية” في أفريقيا، وتفتح الباب للتعاون مع الكيانات الموازية وغير الشرعية، وهو أمر قابل للتكرار في السودان والكونغو الديمقراطية والكاميرون.
ثانيا: مزاعم “الاحتواء المصري”:
دأبت السياسة الإثيوبية على وصف التحركات المصرية في منطقة القرن الأفريقي، بأنها محاولات لـ “احتواء إثيوبيا”، وهي مزاعم “واهية” بالنظر إلى العديد من الاعتبارات التاريخية والقانونية والتنموية على الوجه التالي:
- إغفال السياسة الإثيوبية علاقات مصر التاريخية بدول القرن الأفريقي، خاصة إريتريا والصومال، على مختلف الصعد، ولعل أبرز الأمثلة في هذا السياق أروقة طلاب هذه المنطقة في الأزهر الشريف : رواق الجبرته والزيالعة والهرر.
- الأهمية الاستراتيجية لتلك المنطقة للأمن القومي المصري، باعتبارها امتدادا طبيعيا للأمن المصري، وارتباطها بأمن الممرات المائية الكبرى مثل باب المندب وقناة السويس وخليج عدن، وهي ممرات حيوية للأمن القومي المصري والأفريقي والعالمي.
- توتر علاقات إثيوبيا بدول الجوار الإقليمي لها : السودان – إريتريا – الصومال، وهي توترات ليس لمصر شأن بها، ومن أبرز الأمثلة في هذا الخصوص:
- اتهامات بتورط إثيوبي في الصراع السوداني: إعلان السلطات السودانية أن سلسلة من الهجمات بطائرات مسيّرة استهدفت مواقع داخل الأراضي السودانية، من بينها مطار الخرطوم الدولي، مؤكدة أن الطائرات انطلقت من الأراضي الإثيوبية. ويبدو أهمية هذا الإعلان في ضوء التقارير المتواترة في فبراير الماضي والتي تشير إلى أن إثيوبيا تستضيف معسكرًا سريًا لتدريب آلاف المقاتلين لصالح قوات الدعم السريع السودانية، بالقرب من الحدود السودانية.
- حرب إعلامية إثيوبية – إريترية: شهدت الشهور الأخيرة توترات متصاعدة وحملات إعلامية متبادلة بين كل إثيوبيا وإريتريا، عقب مطالبة “أديس أبابا” إريتريا بسحب قواتها من أراضيها، و”وقف التعاون مع الجماعات المتمردة”، كما دانت “مشاركة القوات الإريترية في مناورات عسكرية مشتركة داخل حدودها الشمالية الغربية”، معتبرة هذه الاجراءات بمثابة “عدوان صريح”، فيما اعتبرت إريتريا أن الاتهامات الإثيوبية “كاذبة ومختلقة”.
- التعاون السياسي والأمني مع إقليم “أرض الصومال” الانفصالي: في تكريس لنمط العلاقات التعاونية، وبهدف كسب اعتراف دبلوماسي إثيوبي، واصل إقليم أرض الصومال الانفصالي، انفتاحه الأمني والسياسي على أديس أبابا، وتجاهل الطرفان الحكومة الشرعية الصومالية، عبر تصريحات إعلامية أكدت بأن لإثيوبيا الحق في الوصول إلى منفذ بحري.
ثالثا: أمن القرن الأفريقي:
حرص الخطاب السياسي الإثيوبي على رفض أي ترتيبات أمنية أو سياسية إقليمية في منطقة القرن الأفريقي تتجاهل الدور الإثيوبي أو تحاول تجاوزه، وبالرغم من مشروعية هذه المطالب في ظاهرها، إلا أن السياسة الإثيوبية لم تتوان عن نقد أو اتهام جهود التقارب المصري مع دول القرن الأفريقي المختلفة، أو أي جهد جماعي لأمن القرن الأفريقي، بل والسعي إلى التشكيك في جداوها.
والواقع أن الانتقادات الإثيوبية لا تصمد كثيرا أمام رصد وتحليل الجهود المصرية لصياغة وبناء نظام أمني وجماعي إقليمي لأمن القرن الأفريقي ينهض على المرتكزات التالية:
- سعي مصر ، بالتعاون مع الشركاء في منطقة القرن الأفريقي ( إريتريا والصومال وجيبوتي)، لصياغة نظام أمني بتلك المنطقة برتكز على احترام سيادة الدول ووحدة ترابها ، ويعلي من شأن قواعد القانون الدولي.
- تؤكد “القاهرة” على ضرورة الالتزام بالمبادئ والركائز الأساسية للقانون الدولى باعتبارها الأساس الذى لا غنى عنه للاستقرار والتعاون الإقليميين، خاصة الاحترام المطلق لسيادة واستقلال ووحدة أراضى بلدان المنطقة، والتصدى للتدخلات فى الشؤون الداخلية لدول المنطقة تحت أى ذريعة أو مُبرر، وتنسيق الجهود المشتركة لتحقيق الاستقرار الإقليمى، وخلق مناخ موات للتنمية المُشتركة والمُستدامة.
- إيمان مصر بأهمية تطوير وتعميق التعاون والتنسيق بين الدول الثلاث (مصر وإريتريا والصومال) من أجل تعزيز إمكانات مؤسسات الدولة الصومالية لمواجهة مختلف التحديات الداخلية والخارجية، والتصدى للإرهاب بكافة صوره.
- الاتفاق على إنشاء لجنة ثلاثية مشتركة من وزراء خارجية إريتريا، ومصر، والصومال للتعاون الاستراتيجى فى كافة المجالات.
- التشبيك المصري مع الجهود الإقليمية لحفظ الأمن في الصومال ، من خلال إعلان القاهرة المشاركة في بعثة حفظ السلام الأفريقية بالصومال مطلع عام 2025.
- ترفيع العلاقات مع إريتريا والصومال إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية، بحيثُ يتم عقد دورات مباحثات مُتعاقبة يتم تخصيصها لمحاور استراتيجية مُحددة تشمل المحور السياسي، والاقتصادي والتجاري، والأمني والعسكري، والثقافي والتعليمي، وبناء القدرات.
- تكثيف التحركات المصرية تجاه جيبوتي بشأن الحفاظ على الاستقرار الأمني في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، والتعاون المصري الجيبوتي لدعم الصومال ومكافحة الإرهاب فيه.
- تفعيل الآليات الأمنية والتنمويـة مع دول القرن الأفريقي: بالتعاون مع الشركاء في منطقة القرن الأفريقي، ومفوضية الاتحاد الأفريقي، والشركاء الدوليين.
- التعاون المصري مع دول القرن في مجالات عمل الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية في قطاعات: الدبلوماسية، والنقل، والاتصالات، والزراعة، ومكافحة الإرهاب، والسياحة، والري وإدارة المياه ، والكهرباء ومصادر الطاقة.
- تقدم مصر إلى دولة الصومال المساعدات التنموية والفنية والمنح والدورات التدريبة في المجالات العسكرية والشرطية خاصة في مجال مكافحة الإرهاب، فضلًا عن الدورات التدريبية التي تقدمها الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية في عدد من المجالات الإنمائية.
- افتتاح خطوط للطيران المباشر بين مصر وجيبوتي، وانشاء محطات للطاقة المتجددة، وافتتاح أفرع للبنوك المصرية، وكذلك التوقيع على عدد من مذكرات التفاهم في مختلف القطاعات الاقتصادية والفنية، بالإضافة لإيفاد مستشارين مصريين إلى جيبوتي.
- تقديم المنح الدراسية للطلاب الإرتريين في الأزهر الشريف، ومشاركة مسؤولين من إريتريا في برامج لبناء القدرات في شتى المجالات بما فيها الإدارة، والإعلام، وغيرها، إضافة إلى زيادة رحلات الطيران الأسبوعية بين البلدين.
طالع أيضا :
الدكتور رمضان قرني يكتب : العلاقات المصرية –التنزانية .. و “كريس دبلوماسية القمة “




