السفير دكتور محمد حجازي يكتب : فتحي الديب… مهندس العلاقات المصرية مع حركات التحرر الإفريقية .. ورجل المهام الإستراتيجية في عهد عبد الناصر

في سجل الشخصيات التي صنعت المكانة الإفريقية لمصر خلال حقبة التحرر الوطني، يحتل فتحي الديب مكانة استثنائية، فقد كان أحد أبرز رجال ثورة 23 يوليو 1952، ومن مؤسسي جهاز المخابرات العامة المصرية، والرجل الذي أوكل إليه الرئيس جمال عبد الناصر إدارة أكثر الملفات حساسية، وهو ملف دعم حركات التحرر العربية والإفريقية، وإذا كان التاريخ قد احتفظ بأسماء القادة الذين اعتلوا المنابر، فإن فتحي الديب كان من أولئك الذين صنعوا الأحداث من خلف الكواليس، حتى استحق أن يوصف بـ “رجل عبد الناصر الغامض” و”مهندس العلاقات المصرية مع حركات التحرر”.
كان فتحي الديب من بين الثمانية الذين اختارهم الرئيس جمال عبد الناصر لتأسيس جهاز المخابرات العامة المصرية، وأسهم كذلك في إنشاء سلاح المظلات بالجيش المصري، قبل أن ينتقل إلى المهمة التي ستجعل اسمه مرتبطًا بتاريخ التحرر في العالمين العربي و الأفريقي، فقد عهد إليه عبد الناصر بالتخطيط والإشراف على دعم حركات التحرر الوطني، واضعًا نصب عينيه أن أمن مصر لا ينفصل عن استقلال محيطها العربي والإفريقي.
ومن القاهرة، التي أصبحت في خمسينيات وستينيات القرن الماضي العاصمة السياسية لحركات التحرر، نسج فتحي الديب شبكة واسعة من العلاقات مع قادة الثورات الإفريقية، وأسهم في توفير الدعم السياسي والإعلامي والعسكري واللوجستي لهم ، ولم يكن ذلك مجرد نشاط دبلوماسي، بل كان جزءًا من رؤية استراتيجية جعلت من تحرير إفريقيا ركيزة للأمن القومي المصري.
كان دوره في الثورة الجزائرية نموذجًا لهذا النهج، فقد أشرف على أحد أكبر برامج الدعم السياسي والعسكري الذي قدمته مصر لجبهة التحرير الوطني الجزائرية، وأسهم في تنظيم عمليات نقل السلاح وتدريب الكوادر وتوفير الغطاء السياسي والإعلامي للثورة، وقد وثق هذه التجربة في كتابه المرجعي “عبد الناصر وثورة الجزائر”، الذي يعد حتى اليوم من أهم المصادر التي تكشف تفاصيل الدعم المصري للثورة الجزائرية.
ولم يتوقف نشاطه عند الجزائر، بل امتد ليشمل دعم حركات التحرر في المغرب وتونس حتى نيل استقلالهما عام 1956، ثم دعم الثورات في ليبيا واليمن، إضافة إلى دوره في دعم الثورة العراقية عام 1958، وما تبعها من تغيرات استراتيجية أنهت مشروع حلف بغداد.
أما في إفريقيا جنوب الصحراء، فقد كان فتحي الديب أحد مهندسي السياسة المصرية التي جعلت القاهرة مركزًا لحركات التحرر الإفريقية، وأسهم في إنشاء منظومة إعلامية غير مسبوقة، حيث دعمت مصر إطلاق إذاعات موجهة إلى شعوب القارة بلغاتها المحلية، حتى وصل عدد اللغات الإفريقية التي كانت تبث بها الإذاعات المصرية إلى 33 لغة، في خطوة هدفت إلى مخاطبة الشعوب مباشرة وتعزيز الوعي الوطني ومناهضة الاستعمار.
كما لعب دورًا رئيسيًا في تأسيس ودعم لجنة تنسيق تحرير إفريقيا، التي أصبحت إحدى أهم آليات المساندة المصرية لحركات التحرر، ومن خلال هذه اللجنة، قدمت مصر التدريب العسكري والدعم اللوجستي والمساعدات المادية لعدد كبير من الحركات الوطنية، خاصة في أنغولا وموزمبيق وزيمبابوي (روديسيا سابقًا) وناميبيا وجنوب إفريقيا.
ولم يكن الدعم المصري مقتصرًا على التدريب، بل فتحت القاهرة أبوابها لقادة التحرر، وخصصت لهم مكاتب داخل الرابطة الإفريقية التي تأسست عام 1955، ثم الجمعية الإفريقية لاحقًا، حتى بلغ عدد مكاتب حركات التحرر في القاهرة تسعة عشر مكتبًا، لتتحول العاصمة المصرية إلى المركز السياسي والإعلامي الأول لنضال الشعوب الإفريقية حتى حصولها على الاستقلال.
وامتدت خبرات فتحي الديب إلى بناء المؤسسات الأمنية في الدول المستقلة حديثًا، حيث أسهم في المساعدة على تأسيس أجهزة الاستخبارات في الجزائر وعدد من الدول العربية والإفريقية، واضعًا خبراته في خدمة بناء الدولة الوطنية بعد التحرر.
ولم تقتصر مهامه على إفريقيا، فقد كلفه عبد الناصر أيضًا بمتابعة مشاريع التكامل العربي، وتولى منصب وزير برئاسة الجمهورية عام 1964، ثم أصبح قبيل وفاة عبد الناصر أمينًا عامًا للقيادة السياسية الموحدة بين مصر وسوريا وليبيا والسودان، في إطار المشروع الوحدوي الذي كان الرئيس المصري يسعى إلى ترسيخه.
ترك فتحي الديب إرثًا فكريًا مهمًا، تمثل في سلسلة من الكتب التي توثق التجربة المصرية في دعم حركات التحرر، من أبرزها: “عبد الناصر وثورة الجزائر”، و”عبد الناصر وثورة ليبيا”، و”عبد الناصر وحركة التحرر اليمني”، و”عبد الناصر وتحرير المشرق العربي”، إضافة إلى كتابه عن الثورة الإيرانية، وهي أعمال أصبحت مراجع أساسية لفهم السياسة المصرية في مرحلة التحرر الوطني.
وفي 7 في فبراير 2003، رحل فتحي الديب في هدوء، بعيدًا عن الأضواء التي لم يسع إليها يومًا، بعد أن أمضى حياته في العمل السري وخدمة قضايا التحرر الوطني، وبرحيله فقدت مصر واحدًا من أبرز مهندسي سياستها الإفريقية والعربية، ورجلًا أسهم في تحويل القاهرة إلى عاصمة للنضال الإفريقي، ومنها انطلقت رسائل الحرية إلى عشرات الشعوب التي كانت ترزح تحت نير الاستعمار.
واليوم، وبينما تستعيد مصر حضورها في القارة الإفريقية، تبقى تجربة فتحي الديب شاهدًا على مرحلة صنعت فيها القاهرة تاريخًا من التضامن والتحرر، ورسخت مكانتها كحاضنة لحركات الاستقلال الإفريقية، ليس بالكلمات، وإنما بالفعل والتخطيط والعمل الإستراتيجي

طالع أيضاً



