يوسف العومي يكتب: “برنيس–الكُفرة- نجامينا” طريق إلى أفريقيا

في عالم الاقتصاد الحديث لم تعد الطرق مجرد مسارات لعبور السيارات والشاحنات، بل أصبحت شرايين للتنمية ومحركات للنمو وأدوات لإعادة تشكيل الجغرافيا الاقتصادية للدول، ومن هذا المنطلق يبرز مشروع الربط البري بين مصر وليبيا وتشاد باعتباره أحد أهم المشروعات التنموية التي تشهدها القارة الأفريقية خلال السنوات الأخيرة، لما يحمله من أبعاد اقتصادية وتجارية وإنسانية تتجاوز حدود الدول الثلاث إلى آفاق أوسع تخدم القارة بأكملها.
وتنفذ مصر حالياً مشروع الطريق البري الرابط مع تشاد مروراً بليبيا بإجمالي طول يصل إلى نحو 2570 كيلومتراً، ويشمل المشروع تنفيذ طريق شرق العوينات – الكفرة بطول 370 كيلومتراً داخل الأراضي المصرية، فيما يجري التعاون مع الجانب الليبي لاستكمال المسار داخل ليبيا، إلى جانب شراكة مصرية – تشادية لتنفيذ أجزاء واسعة من الطريق داخل الأراضي التشادية وصولاً إلى شبكة الطرق القائمة التي تربط العاصمة إنجامينا بمختلف المناطق التشادية، ولا يمكن النظر إلى هذا المشروع باعتباره طريقاً عادياً، بل باعتباره جزءاً من رؤية تنموية أوسع تستهدف تعزيز الترابط بين دول شمال ووسط أفريقيا، وفتح آفاق جديدة أمام التجارة والاستثمار والتنمية المشتركة.
كسر العزلة الجغرافية
تُعد تشاد واحدة من أكبر الدول الأفريقية الحبيسة، أي التي لا تمتلك منفذاً بحرياً مباشراً على أي من البحار أو المحيطات، وقد ظلت هذه الطبيعة الجغرافية تمثل تحدياً كبيراً أمام حركة التجارة والتنمية الاقتصادية لعقود طويلة، حيث ترتفع تكاليف النقل والشحن وتتأثر سلاسل الإمداد بطول المسافات وتعقيدات العبور، ومن هنا تبرز الأهمية الاستراتيجية للطريق الجديد، الذي يوفر لتشاد ممراً برياً أكثر كفاءة للوصول إلى البحر الأحمر عبر الأراضي المصرية، بما يسهم في تسهيل حركة الواردات والصادرات وخفض زمن النقل وتكاليفه، ويدعم قدرة الاقتصاد التشادي على الاندماج بصورة أكبر في الأسواق الإقليمية والدولية، ولا تقتصر الاستفادة على تشاد وحدها، بل تمتد إلى العديد من الدول الأفريقية غير الساحلية التي تبحث عن مسارات أكثر فاعلية للوصول إلى الموانئ والأسواق العالمية.
ميناء برنيس.. بوابة جديدة نحو العمق الأفريقي
تتمتع مصر بموقع جغرافي فريد يجعلها نقطة التقاء بين آسيا وأفريقيا وأوروبا، ويضيف مشروع الربط البري بعداً جديداً لهذا الموقع من خلال تعزيز دور الموانئ المصرية، وعلى رأسها ميناء برنيس على البحر الأحمر، فمع اكتمال الطريق يمكن أن يتحول الميناء إلى مركز لوجستي متكامل لاستقبال البضائع القادمة من مختلف أنحاء العالم وإعادة توزيعها نحو الأسواق الأفريقية والعكس، بما يعزز حركة التجارة ويخلق فرصاً جديدة للاستثمار في مجالات النقل والتخزين والخدمات اللوجستية، كما أن المشروع يمنح مناطق جنوب مصر، وخاصة شرق العوينات والمناطق المحيطة بها، فرصاً أكبر للاستفادة من موقعها الجغرافي والتحول إلى مراكز اقتصادية وتجارية مرتبطة بحركة التجارة العابرة للحدود.
فرص تنموية على امتداد الطريق
تؤكد التجارب الدولية أن الطرق العابرة للحدود لا تقتصر آثارها على نقل البضائع فقط، بل تخلق أنشطة اقتصادية متكاملة على جانبي الطريق، فمع زيادة حركة النقل والتجارة تنشأ الحاجة إلى مناطق لوجستية ومحطات خدمة ومخازن ومراكز صيانة ومجمعات تجارية ومناطق صناعية صغيرة، وهو ما يساهم في توفير فرص عمل جديدة وتحفيز الاستثمارات المحلية والأجنبية، كما أن تطوير المنافذ الحدودية، ومن بينها منفذ الكفرة البري، من شأنه أن يرفع كفاءة حركة الأفراد والبضائع ويعزز التواصل الاقتصادي بين المجتمعات المحلية الواقعة على امتداد هذا الممر التنموي.
دعم التجارة البينية الأفريقية
تسعى الدول الأفريقية منذ سنوات إلى تعزيز التجارة البينية في إطار اتفاقية منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية، التي تستهدف زيادة حجم التبادل التجاري بين دول القارة وتقليل الاعتماد على الأسواق الخارجية، ويمثل مشروع الطريق البري بين مصر وليبيا وتشاد نموذجاً عملياً لتحقيق هذه الأهداف، إذ يوفر بنية تحتية تساعد على انتقال السلع والخدمات بصورة أكثر سهولة وكفاءة، وتدعم تكامل سلاسل الإمداد بين الدول الأفريقية، فكل طريق جديد يربط الأسواق ببعضها البعض يفتح الباب أمام مزيد من الاستثمارات والتبادل التجاري ويمنح الشركات الأفريقية فرصاً أكبر للوصول إلى أسواق جديدة.
أبعاد اجتماعية وإنسانية
إلى جانب المكاسب الاقتصادية، يحمل المشروع بعداً إنسانياً مهماً يتمثل في تعزيز التواصل بين الشعوب وتسهيل حركة الأفراد وتبادل الخبرات والثقافات، فالطرق كانت دائماً جسوراً للتقارب بين المجتمعات، ومع تحسن البنية التحتية تصبح فرص التعاون في مجالات التعليم والصحة والسياحة والخدمات أكثر اتساعاً، وهو ما ينعكس إيجاباً على جودة الحياة في المناطق التي يمر بها الطريق، كما أن تعزيز الترابط بين الدول الأفريقية يساهم في دعم الاستقرار والتنمية المستدامة وخلق فرص أفضل للأجيال القادمة.
رؤية لمستقبل أكثر ترابطاً
يأتي مشروع الربط البري بين مصر وليبيا وتشاد في إطار توجه أوسع نحو بناء شبكة متكاملة من الممرات الاقتصادية التي تربط شمال القارة بجنوبها وشرقها بغربها، ومع اكتمال هذا المشروع، ستكون هناك فرصة حقيقية لخلق محور تجاري وتنموي جديد يربط البحر الأحمر بعمق أفريقيا، ويمنح الدول الحبيسة منفذاً أكثر فاعلية للتواصل مع الاقتصاد العالمي.
وفي النهاية، فإن قيمة هذا المشروع لا تكمن فقط في عدد الكيلومترات التي يتم إنشاؤها، بل في ما يمثله من رؤية للتكامل والتنمية المشتركة، فحين تتصل الطرق تتقارب الأسواق، وحين تتقارب الأسواق تتسع فرص التنمية، وحين تتسع فرص التنمية تصبح القارة الأفريقية أكثر قدرة على استثمار مواردها وتحقيق تطلعات شعوبها نحو مستقبل أفضل، إنه مشروع طريق في ظاهره، لكنه في جوهره مشروع لربط الفرص بالأسواق، وربط الشعوب بالعالم، وربط أفريقيا بمستقبل أكثر ازدهاراً وترابطاً.
اقرا المزيد:- يوسف العومي يكتب : محمد صلاح.. كيف اشترت طرابزون مستقبلها السياحي والاقتصادي بصفقة واحدة؟
يوسف العومي يكتب: صراع بين الموت والخلافة في الكاميرون




