الكاتب والمحلل السياسي الليبي إدريس أحميد يكتب من انقلاب إلى انقلاب.. لماذا لا تستقر أفريقيا؟

كلما وقع انقلاب عسكري جديد في أفريقيا، يتكرر السؤال: لماذا لا تنتهي ظاهرة الانقلابات في القارة، رغم مرور عقود على الاستقلال، ورغم وجود الاتحاد الأفريقي ومواثيق تمنع الاستيلاء على السلطة بالقوة؟
ربما لأننا ننظر إلى الانقلاب باعتباره بداية الأزمة، بينما هو في كثير من الأحيان نتيجة لأزمة بدأت قبل ذلك بسنوات.
فالانقلاب لا يأتي من فراغ. خلفه غالباً دولة ضعيفة، ومؤسسات عاجزة، وحاكم يتمسك بالسلطة، وانتخابات فقدت ثقة المواطنين، وفقر وبطالة وتهميش، وقد تتداخل معها صراعات إقليمية وتدخلات خارجية.
وهنا تبدأ الدائرة الأفريقية المغلقة: فقر وتهميش → ضعف مؤسسات → فساد واستبداد → انسداد التغيير السلمي → اضطراب سياسي → انقلاب → عدم استقرار اقتصادي وأمني → مزيد من الفقر → انقلاب جديد.
عندما يصبح الانقلاب بديلاً عن صندوق الاقتراع
من السهل إدانة العسكري الذي يستولي على السلطة، وهذا أمر ضروري من الناحية الدستورية. لكن السؤال الأصعب هو: كيف وصل المجتمع إلى مرحلة يرى فيها بعض مواطنيه الانقلاب خلاصاً من نظام سياسي فاشل؟
في بعض الدول، يتحول الرئيس إلى حاكم طويل الأمد، وتُعدل القوانين والدساتير من أجل بقائه، وتضعف المعارضة والإعلام والقضاء، فتفقد الانتخابات قدرتها على إنتاج تغيير حقيقي.
وعندما تغلق السلطة أبواب التغيير السلمي، قد تفتح، من حيث لا تريد، الباب أمام التغيير بالقوة.
لكن المفارقة أن العسكري الذي يصل إلى الحكم بحجة إنقاذ الدولة قد يجد نفسه أمام المشكلات نفسها، فيعيد إنتاجها، وقد يصبح هو نفسه جزءاً من الأزمة.
وهكذا لا ينهي الانقلاب الأزمة؛ بل قد يغير صاحب السلطة فقط.
التدخل الخارجي.. الحلقة التي لا يجوز تجاهلها
هناك عامل آخر لا يمكن تجاهله، وهو التدخلات الخارجية. فأفريقيا لم تكن بعد الاستقلال بعيدة عن صراع القوى الكبرى على النفوذ والموارد والمواقع الاستراتيجية، وقد شهد تاريخ القارة حالات موثقة من التدخل السياسي والاستخباراتي والعسكري الأجنبي.
ولذلك فإن استقلال الدولة لا يقاس فقط بوجود علم ودستور وحكومة، وإنما أيضاً بقدرتها على اتخاذ قراراتها السياسية والاقتصادية بعيداً عن الإملاءات الخارجية.
ولا يعني ذلك أن كل انقلاب صناعة أجنبية؛ فهذا تبسيط للتاريخ. لكن من الخطأ المقابل تجاهل أن مصالح القوى الخارجية قد تتقاطع أحياناً مع الصراعات الداخلية وتؤثر في مسارها.
كما أن الضغط الخارجي لا يكون دائماً عسكرياً؛ فقد يأخذ شكل العقوبات والحصار والضغوط السياسية أو دعم أطراف داخلية، بينما تتحدث القوى الدولية في الوقت نفسه عن الديمقراطية والاستقرار.
وهنا يحق للقارئ أن يسأل: هل تُقبل الديمقراطية دائماً عندما تأتي بمن تتفق سياساته مع مصالح القوى الكبرى، أم تصبح المشكلة عندما تختار الشعوب طريقاً مستقلاً؟
الثروة موجودة.. لكن التنمية غائبة
المفارقة الأفريقية الكبرى أن القارة غنية بالموارد الطبيعية، بينما يعيش جزء كبير من سكانها في الفقر.
ولا يمكن فصل ذلك عن ضعف الإدارة والفساد وسوء توزيع الثروة، ولا عن طبيعة العلاقات الاقتصادية الدولية، بما فيها استغلال الشركات الأجنبية للموارد في بعض الدول.
لذلك فإن السيادة السياسية من دون سيادة اقتصادية تظل ناقصة.
فالدولة التي لا تستطيع التحكم في مواردها، أو التفاوض بصورة عادلة على ثرواتها، أو توظيفها في التعليم والصحة والبنية التحتية وفرص العمل، تظل أكثر عرضة للاضطراب والتبعية.
الإرهاب.. ابن الفوضى أم صانعها؟
ثم تأتي ظاهرة الإرهاب والجماعات المسلحة التي أصبحت تهدد أجزاء واسعة من القارة، خصوصاً في الساحل ومناطق أخرى.
والسؤال لا ينبغي أن يكون فقط: كيف نقضي على الإرهاب؟ بل أيضاً: كيف نشأ؟ وكيف وجد البيئة التي سمحت له بالانتشار؟
الفقر وحده لا يصنع الإرهاب، لكن ضعف الدولة والتهميش والبطالة وغياب التعليم وانتشار السلاح والصراعات المحلية كلها عوامل يمكن أن تستغلها الجماعات المسلحة.
كما أن الأزمات لا تبقى داخل الحدود؛ فقد تتحول أراضي دولة إلى ملاذ لمعارضة مسلحة ضد دولة مجاورة، أو تنتقل الأسلحة والمقاتلون عبر الحدود، فتتحول الخلافات السياسية إلى صراعات إقليمية.
وهكذا يصبح عدم الاستقرار معدياً: أزمة في دولة يمكن أن تصبح مشكلة لدول عدة.
لماذا يعجز الاتحاد الأفريقي؟
اتخذ الاتحاد الأفريقي موقفاً واضحاً ضد التغييرات غير الدستورية للسلطة، لكن التجربة أثبتت أن إدانة الانقلاب بعد وقوعه ليست كافية.
المطلوب هو معالجة الأسباب التي تسبق الانقلاب.
فبدلاً من انتظار سقوط الحكومة أو تحرك الجيش، ينبغي تعزيز الوساطة الأفريقية عند ظهور أزمة انتخابية أو دستورية، والضغط على الحكومات التي تحاول احتكار السلطة، وفي الوقت نفسه دعم المؤسسات التي تضمن التداول السلمي للحكم.
فالوقاية أرخص من الانقلاب، والانقلاب أرخص من الحرب الأهلية، والحرب الأهلية قد تحتاج سنوات أو عقوداً للخروج منها.
الحل يبدأ من الإنسان
إذا كانت الانقلابات نتيجة لأزمة أعمق، فإن علاجها يجب أن يبدأ من جذور الأزمة.
إن بناء الاستقرار يحتاج إلى تعليم جيد، ومحاربة الفقر، وفرص عمل، ومؤسسات قوية، وقضاء مستقل، وانتخابات حقيقية، ومشاركة سياسية واسعة، وجيش وطني محترف، وإعلام حر، واقتصاد يخدم المجتمع، وإدارة عادلة للثروات الوطنية.
ويحتاج أيضاً إلى علاقات أفريقية تقوم على عدم التدخل في الشؤون الداخلية، وعدم استخدام أراضي دولة لزعزعة أمن دولة أخرى.
كما تحتاج أفريقيا إلى علاقات دولية متوازنة، لا تعني العزلة عن العالم، وإنما تعني أن تتعامل مع القوى الكبرى من موقع الندية والمصلحة المتبادلة.
أفريقيا لا تحتاج إلى انقلاب ناجح
ربما يكون الخطأ الأكبر هو الاعتقاد بأن الحل يكمن في البحث عن «الانقلاب الجيد» أو الحاكم الذي سينقذ الدولة.
فالمشكلة ليست في العثور على شخص أفضل، وإنما في بناء نظام أفضل.
الدولة التي تتغير فيها الحكومات عبر الانتخابات لا تحتاج إلى انقلاب، والدولة التي يثق مواطنوها في القضاء لا تحتاج إلى الشارع لفرض العدالة، والدولة التي تستثمر ثرواتها في شعبها لا تترك مساحة واسعة للتطرف واليأس.
والدولة التي تمتلك مؤسسات قوية لا يستطيع الحاكم أن يصبح فيها رئيساً مدى الحياة، ولا يستطيع العسكري أن يصبح حاكماً بمجرد امتلاكه السلاح.
الخاتمة
إن السؤال الحقيقي ليس: كيف نمنع الانقلاب؟ بل: كيف نبني دولة لا يحتاج شعبها إلى انقلاب حتى يغير حاكماً؟
هذه هي المعركة الحقيقية أمام أفريقيا.
فإذا بقي الفقر والفساد والاستبداد وضعف المؤسسات والتهميش والتدخلات الخارجية والصراعات الإقليمية، فإن الانقلاب سيظل احتمالاً قائماً، حتى لو أدانته كل البيانات والمواثيق.
أما إذا بنيت دولة قوية، ومواطن واعٍ، واقتصاد منتج، ومؤسسات مستقلة، وانتخابات نزيهة، وجيشاً خاضعاً للقانون، وعلاقات خارجية تحفظ السيادة؛ فإن الانقلاب سيفقد البيئة التي تسمح له بالنجاح.
فالانقلابات العسكرية ليست مرض أفريقيا الوحيد، وإنما أحد أعراض مرض أعمق.
وأفريقيا لا تحتاج إلى انقلاب ينقذها من انقلاب؛ إنها تحتاج إلى بناء نظام سياسي واقتصادي يجعل الانقلاب نفسه بلا مبرر وبلا مستقبل.
طالع أيضاً
خبير سوداني يرد على وزير المياه الإثيوبي: «السيطرة على مياه النيل» تكشف الهدف الحقيقي لسد النهضة




