الدكتور محمد تورشين يكتب : الحوار السوداني–السوداني .. فرصة تاريخية لإعادة بناء الدولة وإنهاء دوامة الصراع

في ظل الحرب المدمرة التي يعيشها السودان منذ أكثر من ثلاثة أعوام، وما خلفته من خسائر بشرية ومادية هائلة، يبرز الحوار السوداني–السوداني باعتباره أحد أهم المسارات المطروحة لإخراج البلاد من أزمتها الراهنة. فالتجارب السابقة أثبتت أن الحلول العسكرية وحدها غير قادرة على تحقيق الاستقرار الدائم، وأن أي تسوية مستدامة تتطلب توافقًا وطنيًا واسعًا يضع أسس الدولة السودانية الجديدة على قاعدة الشراكة السياسية والعدالة والمواطنة .
وتكمن أهمية الحوار السوداني–السوداني في كونه يوفر منصة جامعة للقوى السياسية والمجتمعية والأهلية لمناقشة القضايا الجوهرية التي ظلت تمثل مصدرًا للأزمات المتعاقبة منذ الاستقلال. كما أنه يمنح السودانيين فرصة لصياغة رؤيتهم الوطنية بعيدًا عن الاستقطابات الحادة والتجاذبات الإقليمية والدولية التي كثيرًا ما أثرت على مسار الانتقال السياسي في البلاد .
غير أن نجاح هذا الحوار يظل مرهونًا بقدرته على تجاوز الخلافات التقليدية بين القوى السياسية، والانتقال من مرحلة تبادل الاتهامات إلى مرحلة التوافق على مشروع وطني جامع يضع مصلحة السودان فوق المصالح الحزبية والفئوية الضيقة. فالمطلوب اليوم ليس مجرد اتفاق سياسي مؤقت، بل التأسيس لعقد اجتماعي جديد يعالج جذور الأزمة السودانية ويمنع إعادة إنتاجها مستقبلاً
من بين أهم مخرجات الحوار التي يمكن أن تشكل نقطة انطلاق نحو الاستقرار، الاتفاق على تشكيل حكومة انتقالية من الكفاءات الوطنية المستقلة وغير الحزبية، تتولى إدارة البلاد خلال فترة محددة لا تتجاوز عامين. ويهدف هذا الخيار إلى تحييد الصراع الحزبي خلال المرحلة الانتقالية، وإعطاء الأولوية لمعالجة القضايا الملحة التي تواجه الدولة والمجتمع ، يمكن أن تضطلع الحكومة الانتقالية بعدد من المهام الأساسية، في مقدمتها إعادة تشغيل مؤسسات الدولة، وتحسين الخدمات الأساسية، وتهيئة الظروف المناسبة لعودة النازحين واللاجئين، ومعالجة التدهور الاقتصادي الذي انعكس بصورة مباشرة على حياة المواطنين. كما يقع على عاتقها تعزيز الثقة بين مكونات المجتمع السوداني وإطلاق برامج للمصالحة الوطنية تعالج آثار الحرب والانقسامات الاجتماعية التي خلفتها سنوات النزاع .
يمثل إصلاح القطاع الأمني والعسكري أحد أكثر الملفات تعقيدًا وأهمية في المرحلة المقبلة. فقد أظهرت التجربة السودانية أن تعدد التشكيلات المسلحة ووجود مراكز قوة عسكرية متوازية يشكلان تهديدًا مباشرًا لاستقرار الدولة ووحدتها ، من هنا تبرز ضرورة إطلاق عملية شاملة لإعادة هيكلة المنظومة الأمنية تقوم على دمج الفصائل المسلحة والحركات الموقعة وغير الموقعة على اتفاقات السلام في جيش قومي مهني موحد يخضع لقيادة مركزية وسلطة مدنية شرعية.
ولا يقتصر هذا المسار على الجوانب العسكرية فقط، بل يشمل أيضًا برامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج، بما يسمح بإعادة تأهيل المقاتلين وإدماجهم في الحياة المدنية أو المؤسسات النظامية وفق معايير مهنية واضحة ،نجاح هذه العملية من شأنه أن يضع حدًا لظاهرة عسكرة السياسة، ويعيد للمؤسسة العسكرية دورها الطبيعي في حماية الحدود والدستور والدولة، بعيدًا عن التنافس السياسي والصراعات الداخلية،وبالتوازي مع إدارة المرحلة الانتقالية، ينبغي فتح مسار دستوري يفضي إلى انتخاب جمعية تأسيسية تمثل مختلف الأقاليم والقوى السياسية والمجتمعية.
وتكون مهمة هذه الجمعية صياغة دستور دائم يحدد طبيعة نظام الحكم، ويؤسس لعلاقة متوازنة بين السلطات، ويضمن الحقوق والحريات العامة، ويعالج الإشكالات المرتبطة بتقاسم السلطة والثروة ، ويعد الدستور الدائم أحد أهم الضمانات لمنع تكرار الحروب والانقلابات العسكرية التي شهدها السودان خلال العقود الماضية، إذ يوفر إطارًا قانونيًا متوافقًا عليه لإدارة التنوع السياسي و الثقافي والاثني الذي تتميز به البلاد .
ورغم أهمية هذه الرؤية، فإن تنفيذها يواجه تحديات كبيرة، أبرزها استمرار حالة الاستقطاب السياسي، وتراجع الثقة بين الأطراف المختلفة، والتدخلات الخارجية، إضافة إلى الأوضاع الإنسانية والاقتصادية المتدهورة. كما أن نجاح أي عملية انتقالية يتطلب إرادة سياسية حقيقية من جميع الأطراف، واستعدادًا لتقديم التنازلات اللازمة من أجل المصلحة الوطنية كذلك فإن إعادة بناء الدولة السودانية لن تكون مهمة الحكومة الانتقالية وحدها، بل مسؤولية جماعية تتطلب مشاركة القوى السياسية والمجتمع المدني والإدارات الأهلية والنخب الفكرية والشبابية، بما يضمن تأسيس عملية سياسية شاملة لا تستثني أحدًا ، يمثل الحوار السوداني–السوداني فرصة تاريخية قد لا تتكرر لإعادة بناء الدولة على أسس جديدة.
وإذا تمكنت القوى الوطنية من استثمار هذه الفرصة عبر التوافق على حكومة انتقالية للكفاءات، وإطلاق عملية إصلاح أمني جادة، وانتخاب جمعية تأسيسية لصياغة دستور دائم، فإن السودان سيكون أقرب إلى طي صفحة الصراعات والانقسامات التي أعاقت مسيرته لعقود طويلة ، الرهان الحقيقي اليوم لا يكمن في انتصار طرف على آخر، وإنما في انتصار الدولة السودانية نفسها، واستعادة قدرتها على تحقيق الأمن والاستقرار والتنمية لجميع مواطنيها دون استثناء
- الدكتور محمد تورشين : باحث وكاتب متخصص في الشؤون الإفريقي .. تتركز اهتماماته البحثية على قضايا الصراعات المسلحة، والتحولات السياسية، والأمن الإقليمي، بالقارة الافريقية .
إقرأ المزيد :
« البرهان » : ترتيبات لإطلاق حوار سياسي شامل داخل السودان




