الدكتور رمضان قرني يكتب : رسائل “استراتيجية مصرية”
في توجه لمخاطبة الرأي العام الأفريقي بشأن قضية المياه، وشواغل مصر بشأنها، وجه الرئيس عبدالفتاح السيسي، في ختام مباحثاته مع رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسيكيدي، بالقاهرة، جملة من الرسائل للمحيط الأفريقي ، خاصة دول حوض النيل مفادها: “أن كل ما تريده مصر، هو الالتزام بمبادئ القانون الدولى وحسن الجوار، وتحقيق المنفعة المشتركة لجميع شعوب حوض النيل، وتفادى الإضرار بأى طرف، والعمل معا لتعظيم الفوائد والإدارة المستدامة لموارد نهرنا.. مصدر الحياة لنا جميعا”.
تبدو أهمية هذه الرسائل في ضوء العديد من المتغيرات الراهنة، أبرزها:
أولا: إيمان “القاهرة” بأهمية التشارك مع الرأي العام الأفريقي هذه القضية “الوجودية” بالنظر إلى مخاطبة نحو مليار و300 مليون نسمة هم عدد سكان القارة.
ثانيا: تطور أسلوب التعاطي المصري مع أزمة سد النهضة، من التفاوض والآليات الدبلوماسية، إلى نهج الدبلوماسية “الشعبية” ومخاطبة دول القارة، والمجتمع الدولي.
ثالثا: الطبيعة “الشمولية” للرسائل المصرية؛ حيث لم تقتصر على قضية سد النهضة بل امتدت لتشمل قضيتي “اتفاقية عنتيبي” وتنمية موارد حوض النيل، بما يؤكد الرغبة المصرية في الوصول إلى آليات أفريقية تشاورية لحل الخلافات البينية، في تطبيق عملي لمبدأ “الحلول الأفريقية للأزمات الأفريقية”.
رابعا: الحرص المصري القوي على أن تظل معالجة القضايا والأزمات داخل البيت الأفريقي، في تكريس وإعلاء لإيمان مصر بهويتها الأفريقية.
خامسا: تنامي الدعم الدولي الذي تحوزه مصر بشأن قضية المياه، وهو الأمر الذي تعكسه مواقف القوى الدولية الكبرى مثل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا، علاوة على توافق الموقفين المصري والسوداني”دولتي المصب” بشأن القضية.
يبقى من الأهمية بمكان، ونحن نحلل الرسائل المصرية، الإشارة إلى أن هذه الرسائل تأتي في سياق أعم وأشمل يتعلق بحركة السياسة المصرية تجاه المحيط الأفريقي والتي شملت تحولات استراتيجية جوهرية تمثلت في التوجهات التالية، خلال السنوات الأخيرة:
أولًا: تعدد دوائر حركة السياسة المصرية، فبجانب الدوائر التقليدية حوض النيل والسودان وشرق أفريقيا، برزت على أجندة صانع القرار المصري دوائر القرن الأفريقي، ومنطقة الساحل والصحراء، ومنطقة البحيرات العظمى ووسط أفريقيا، كدوائر مهمة للتحرك المصري في القارة.
ثانيًا: السعي المصري بالتعاون مع الشركاء في منطقة القرن الأفريقي ” إريتريا والصومال وجيبوتي” لصياغة نظام أمني بتلك المنطقة برتكز على احترام سيادة والدول ووحدة ترابها ، ويعلي من شأن قواعد القانون الدولي.
ثالثًا: التشبيك المصري مع الجهود الإقليمية لحفظ الأمن في الصومال والسودان ومنطقة الساحل والصحراء ، ولعل أهمها إعلان القاهرة المشاركة في بعثة حفظ السلام الأفريقية بالصومال مطلع عام 2025.
رابعًا: فتح المجال أمام الاستثمارات المصرية بدول القارة، وتقديم الدعم لرجال الأعمال والمستثمرين، من خلال تنشيط مجالس رجال الأعمال الثنائية مع دول القارة، ووجود المستثمرين المصرين ضمن الوفود الرسمية الزائرة لقارة أفريقيا.
خامسًا: استمرار الجهود المصرية لتعزيز الاستقرار في منطقة الساحل، ودعم جهود الحكومات الوطنية ومؤسسات الدولة، وبما يمكنها من الاضطلاع بمهامها في حفظ الأمن وتحقيق الاستقرار، وبسط سيطرتها على كافة أراضيها والتصدي للجماعات الإرهابية.
سابعًا: تفعيل الأدوات التنموية والأمنية المصرية للتعاطي مع قضايا القارة، ومن أبرز تلك الآليات: الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية، ومنتدى السلام والتنمية المستدامة، ومركز القاهرة الدولي لتسوية النزاعات وحفظ وبناء السلام، ومركز الاتحاد الأفريقي لإعادة الإعمار والتنمية في مرحلة ما بعد النزاعات.
- الدكتور رمضان قرني .. خبير الشؤون الأفريقيـة .
إقرأ المزيد :
الرئيس السيسي يؤكد ل « أفورقي » التزام مصر الثابت بدعم سيادة إريتريا وسلامة أراضيها




