المستشار حسام الدين علام يكتب : مصر والقانون الدولي ووقف الحروب.. رؤية من أجل السلام والاستقرار في قارة إفريقيا
أتاحت التهدئة الإقليمية الأخيرة فرصة ثمينة لاحتواء واحدة من أخطر موجات التصعيد التي شهدتها المنطقة، وأعادت للدبلوماسية موقعها بعد أن بدا اتساع المواجهة احتمالًا قريبًا, ولم يتوقف أثر هذا التحول عند حدود الشرق الأوسط، بل امتد إلى قارة إفريقيا ، حيث خفف من حدة المخاطر التي كانت تهدد أمن البحر الأحمر، وحركة الملاحة، وأسواق الطاقة والغذاء، وما يرتبط بها من مصالح حيوية لشعوب القارة ودولها.
وفي قلب الجهود التي أسهمت في تهيئة الطريق نحو وقف التصعيد، برزت الدولة المصرية برؤية اتسمت بالهدوء والاستمرارية، وقامت على إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة، وتشجيع العودة إلى التفاوض، والتحذير من عواقب توسيع دائرة الحرب , وقد انطلقت هذه الجهود من إدراك راسخ بأن أمن الشرق الأوسط وأمن إفريقيا لم يعودا مجالين منفصلين، وأن الاضطراب في أحدهما ينتقل سريعًا إلى الآخر عبر الممرات البحرية، والتجارة، والطاقة، وحركة السكان، وشبكات الأمن الإقليمي.
من هنا، لا يمكن النظر إلى الدور المصري باعتباره تحركًا دبلوماسيًا محدودًا بحدود أزمة بعينها, فهو تعبير عن رؤية أوسع تربط بين منع الحرب، وصون سيادة الدول، وحماية المدنيين، وتأمين طرق التجارة، والحفاظ على قدرة الدول الإفريقية على توجيه مواردها نحو التنمية بدلًا من استنزافها في مواجهة آثار صراعات لم تكن طرفًا فيها.
حين تمتد الحرب أبعد من ميادينها
تؤكد التجربة أن الحروب الحديثة لا تبقى داخل الخرائط التي تبدأ فيها , فقد تقع الضربات في إقليم بعيد، لكن آثارها تصل إلى الموانئ الإفريقية، وتنعكس على أسعار الوقود والحبوب والأسمدة، وتضغط على الموازنات العامة، وتزيد تكلفة النقل والتأمين.
وترتبط إفريقيا بالشرق الأوسط من خلال واحد من أكثر الأحزمة الجيوسياسية حساسية في العالم، يبدأ من الخليج، ويمر ببحر العرب وباب المندب والبحر الأحمر، وينتهي عند قناة السويس والبحر المتوسط, وأي اضطراب في هذا المسار ينعكس مباشرة على دول القرن الإفريقي وشرق القارة وشمالها، ثم يمتد إلى الأسواق الداخلية في دول بعيدة عن السواحل.
وكان استمرار التصعيد سيضع الاقتصادات الإفريقية أمام ضغوط مضاعفة. فدول كثيرة في القارة تعاني أصلًا من المديونية، أو ضعف الاحتياطيات النقدية، أو آثار الجفاف والنزوح والنزاعات المسلحة, وفي مثل هذه الظروف، قد يكون ارتفاع تكلفة الشحن أو الطاقة كافيًا لزيادة أسعار الغذاء، وتقليص الإنفاق على الصحة والتعليم، وإضعاف قدرة الحكومات على الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي.
ولذلك فإن وقف التصعيد لم يكن مجرد خبر سياسي سار، بل كان إجراءً وقائيًا منع انتقال أزمة إقليمية إلى حياة ملايين الأفارقة. وهذه هي النقطة التي تمنح التحرك المصري بعده الإفريقي الحقيقي.
مصر في قلب دوائر الأمن المتصلة
تتحرك الدولة المصرية من موقع يجمع بين إفريقيا والعالم العربي والبحر المتوسط والبحر الأحمر , وهي لا تطل على هذه الدوائر من الخارج، بل تقع في قلبها، وتشرف على قناة السويس، وترتبط مباشرة بأمن السودان والقرن الإفريقي وشمال القارة.
وهذا الموقع يمنح مصر قدرة خاصة على فهم العلاقة بين الأزمات الإقليمية والأمن الإفريقي. فاضطراب البحر الأحمر يؤثر في قناة السويس، وعدم استقرار القرن الإفريقي يهدد طرق الملاحة، وتصاعد النزاعات في الجوار يفتح مسارات جديدة للتهريب والجريمة المنظمة وتجارة السلاح.
من هنا، اتسم الموقف المصري بالحرص على منع السيناريو الأسوأ قبل وقوعه, فقد دعمت الدولة المصرية خفض التصعيد، وشجعت التواصل، وسعت إلى تهيئة بيئة تسمح بعودة السياسة إلى الواجهة. وهذه ليست مجرد استجابة ظرفية، بل امتداد لنهج يفضل تسوية النزاعات عبر الحوار، ويعتبر الوقاية من الحرب أكثر جدوى من إدارة آثارها بعد اندلاعها.
كما أن قيمة الدور المصري لا ترجع إلى موقعه الجغرافي وحده، بل إلى قدرته على التواصل مع أطراف متعارضة، وإدراك مصالحها ومخاوفها، مع الحفاظ في الوقت نفسه على ثوابت تتعلق بسيادة الدول، ورفض فرض الأمر الواقع بالقوة، وضرورة حماية المدنيين.
القانون الدولي في صميم التحرك
يستند هذا النهج إلى قواعد واضحة في القانون الدولي. فميثاق الأمم المتحدة لم يجعل الحرب وسيلة عادية لإدارة الخلافات، بل ألزم الدول بتسوية منازعاتها بالوسائل السلمية، وحظر التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة أراضي الدول أو استقلالها السياسي.
وتقضي الفقرة الثالثة من المادة الثانية من الميثاق بأن يفض أعضاء المنظمة منازعاتهم الدولية بالوسائل السلمية، على نحو لا يعرض السلم والأمن الدوليين والعدل للخطر. كما تحظر الفقرة الرابعة من المادة ذاتها التهديد باستعمال القوة أو استخدامها.
وتحدد المادة 33 من الميثاق أدوات التسوية السلمية، وفي مقدمتها التفاوض، والوساطة، والتوفيق، والتحكيم، والتسوية القضائية، واللجوء إلى التنظيمات الإقليمية. ومن هذا المنظور، تمثل الجهود المصرية تطبيقًا عمليًا لوظيفة الوساطة والمساعي الحميدة في النظام الدولي.
كما يخضع أي اتفاق لوقف القتال لمبدأ حسن النية، فلا تكفي لحظة الإعلان وحدها. فالقيمة الحقيقية لأي تهدئة تتوقف على احترامها، والامتناع عن الأعمال التي تقوضها، والاستمرار في معالجة أسباب النزاع حتى لا يعود التصعيد بصورة أكثر خطورة.
أما القانون الدولي الإنساني، فيظل واجب التطبيق منذ بدء الأعمال العدائية. وهو يفرض التمييز بين المدنيين والمقاتلين، واحترام التناسب، واتخاذ الاحتياطات اللازمة لتقليل الخسائر، وحماية المنشآت الطبية وطواقم الإغاثة، وحظر الهجمات العشوائية وتجويع السكان.
وبذلك تجمع الرؤية المصرية بين مستويين متكاملين: قانون دولي يسعى إلى منع الحرب، وقانون دولي إنساني يحد من آثارها حين تفشل السياسة. وهذه الثنائية تمنح الموقف المصري عمقه القانوني والإنساني.
البحر الأحمر ليس هامشًا إفريقيًا
يكشف التطور الأخير عن حقيقة مهمة: حماية البحر الأحمر تبدأ قبل وصول الخطر إلى مياهه. فكل مواجهة واسعة في الجوار قد تؤدي إلى استهداف السفن، وتعطيل طرق التجارة، وزيادة الوجود العسكري، وارتفاع تكاليف التأمين والنقل.
وتتحمل الدول الإفريقية نسبة كبيرة من هذه التداعيات، رغم أنها قد لا تكون طرفًا في النزاع. فالموانئ في شرق إفريقيا تعتمد على انتظام الملاحة، كما ترتبط اقتصادات دول عديدة بتدفق السلع والطاقة عبر هذا الطريق.
ومن هنا، فإن جهود الدولة المصرية في دعم وقف التصعيد كانت في أحد أبعادها حماية للأمن البحري الإفريقي. فمصر لا تدافع عن قناة السويس باعتبارها موردًا وطنيًا فقط، بل عن ممر يصل إفريقيا بالأسواق العالمية، وتعبر من خلاله سلع تمس حياة الشعوب بصورة مباشرة.
ويقوم الموقف المصري في هذا المجال على احترام حرية الملاحة، وسيادة الدول المشاطئة، ومنع الاعتداء على السفن المدنية، ورفض تحويل البحر الأحمر إلى ساحة دائمة للتنافس العسكري. فالأمن البحري المستدام لا يتحقق بزيادة السلاح وحدها، بل بإزالة أسباب الحرب ومنع انتقالها إلى الممرات الحيوية.
الاقتصاد أول من يشعر بالخطر
غالبًا ما تصل آثار الحرب إلى المواطن الإفريقي في صورة فاتورة أعلى للغذاء أو النقل أو الكهرباء. فارتفاع أسعار الطاقة يزيد تكلفة الإنتاج، واضطراب الشحن يرفع أسعار السلع، ونقص الأسمدة يهدد الزراعة، بينما يؤدي القلق في الأسواق إلى تراجع الاستثمار وارتفاع تكلفة الاقتراض.
وفي القارة الإفريقية، تتحول هذه الضغوط الاقتصادية سريعًا إلى تحديات أمنية واجتماعية. فحين تعجز الدولة عن الحفاظ على مستوى الخدمات أو دعم السلع الأساسية، تتسع دوائر السخط، ويصبح المجتمع أكثر عرضة للتوتر وعدم الاستقرار.
ولهذا لا يمكن فصل السلام عن التنمية. فكل حرب جديدة تعني موارد أقل للتعليم والصحة والبنية الأساسية، وكل تهدئة ناجحة تمنح الحكومات مساحة أوسع لترتيب أولوياتها الداخلية.
ومن هذه الزاوية، تصبح الدبلوماسية المصرية مساهمة في حماية الأمن الاقتصادي الإفريقي. فنجاحها في دعم مسار التهدئة لا يقتصر أثره على منع الخسائر البشرية، بل يمتد إلى تخفيف الضغط على التجارة والطاقة والغذاء، وهي ملفات تمس الاستقرار اليومي في مختلف أنحاء القارة.
من احتواء الأزمة إلى درس إفريقي
يحمل هذا التطور درسًا مهمًا لإفريقيا: لا ينبغي انتظار اتساع الحرب حتى يبدأ البحث عن حل. فالدبلوماسية الوقائية، والإنذار المبكر، والوساطة، وإبقاء قنوات الاتصال مفتوحة، كلها أدوات أكثر فاعلية وأقل كلفة من إدارة النزاع بعد تحوله إلى مواجهة مفتوحة.
وهذا الدرس شديد الصلة بالأزمات القائمة في السودان والساحل والقرن الإفريقي وشرق الكونغو. فالقارة تحتاج إلى تعزيز قدرتها على التحرك قبل الانفجار، لا بعده، وإلى بناء مؤسسات وساطة تملك الشرعية والخبرة والاستمرارية.
وتستطيع الدولة المصرية أن تسهم في هذا المسار من خلال خبرتها الدبلوماسية، وعضويتها الفاعلة في الاتحاد الإفريقي، ودورها داخل مجلس السلم والأمن، ومنتدى أسوان للسلام والتنمية المستدامين، ومركز القاهرة الدولي لتسوية النزاعات وحفظ وبناء السلام.
ولا تعني الاستفادة من الخبرة المصرية نقل نموذج جامد إلى بقية الدول، بل دعم قدرة المؤسسات الإفريقية على تطوير حلول تنبع من واقع القارة، وتحترم سيادة دولها، وتحمي المدنيين، وتجمع بين وقف القتال وبناء السلام.
إفريقيا شريك في حماية السلام
ترتبط إفريقيا اليوم بالعالم من خلال مصالح متشابكة تجعلها معنية بكل تطور كبير في الجوار. وهي لا تحتاج فقط إلى أن تتلقى آثار الأزمات، بل إلى أن تشارك في صياغة المواقف التي تمنعها.
ومن هنا تبرز أهمية التنسيق بين الدولة المصرية ومؤسسات الاتحاد الإفريقي في الدفاع عن مبادئ ميثاق الأمم المتحدة، ورفض استخدام القوة، وحماية حرية الملاحة، وتعزيز الحلول السياسية.
كما تستطيع مصر أن تنقل الاهتمامات الإفريقية إلى دوائر التفاوض الإقليمي، وأن توضح أن أي تصعيد واسع لا يهدد الشرق الأوسط وحده، بل يمس بصورة مباشرة أمن القارة واقتصادها واستقرارها.
وبهذا المعنى، يصبح السلام في الجوار جزءًا من السلام الإفريقي، ويصبح احتواء النزاع خارج القارة أداة لحماية الاستقرار داخلها.
سلام يحمي الإنسان والدولة
تكمن قيمة الدور المصري في أنه جمع بين القانون والسياسة والجغرافيا. فقد تحركت الدولة المصرية انطلاقًا من احترام سيادة الدول، وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية، وحماية المدنيين، لكنها أدركت في الوقت نفسه أن نجاح التهدئة سيحمي البحر الأحمر، ويخفف الضغط على الاقتصادات الإفريقية، ويحد من انتقال الاضطراب إلى القارة.
وهذا هو المعنى الحقيقي للأمن الجماعي: أن تدرك الدولة أن منع الحرب في جوارها قد يحمي شعوبًا بعيدة عن ميدانها، وأن تدرك القارة أن استقرارها مرتبط بما يحدث في الممرات والأسواق والأقاليم المحيطة بها.
لقد منحت التهدئة الأخيرة المنطقة وإفريقيا فرصة تستحق البناء عليها. والمطلوب الآن هو تحويلها إلى مسار مستدام، يقوم على التفاوض، واحترام القانون الدولي، ومعالجة أسباب النزاع، وضمان عدم العودة إلى القوة.
وفي هذا الطريق، تواصل الدولة المصرية دورها بوصفها جسرًا بين إفريقيا والشرق الأوسط، وصوتًا يدعو إلى الحكمة حين يعلو صوت السلاح، ودولة تدرك أن حماية الإنسان، وصون الدولة، وتأمين الملاحة، واستقرار الاقتصاد، ليست ملفات منفصلة، بل عناصر في معادلة سلام واحدة.
فعندما تسهم مصر في وقف حرب، فإنها لا تحمي إقليمًا واحدًا، بل تدافع عن مبدأ دولي، وتصون ممرًا بحريًا، وتخفف عبئًا اقتصاديًا، وتمنح إفريقيا مساحة أوسع للتنمية والاستقرار. وهذه هي الرؤية التي تحتاجها القارة: سلام يبدأ بالدبلوماسية، ويستند إلى القانون، ويصل أثره إلى حياة كل إنسان.
- المستشار حسام الدين علام : مؤسس مبادرة القانون وبناء السلام وعضو الجمعية المصرية للقانون الدولي.
إقرأ المزيد :




