أخبار عاجلةالرأي

الدكتور حسين عبد البصير يكتب : رجل الأقدار… حين يلتقي الإنسان بالتاريخ

هناك رجال يعبرون صفحات التاريخ كما تعبر الأسماء سجلات الميلاد والوفاة، وهناك رجال تتحول حياتهم إلى جزء من تاريخ أوطانهم، فلا يعود من الممكن الفصل بين السيرة الشخصية والمسيرة الوطنية ، في مثل هذه الحالات، لا يكون الحديث عن فرد بقدر ما يكون عن مرحلة كاملة، وعن وطن يخوض اختبارًا عسيرًا، وعن شعب يبحث عن طريقه وسط عواصف لا تهدأ.

من هنا تأتي أهمية كتاب «رجل الأقدار.. سيرة قائد.. مسيرة وطن». فهو ليس مجرد كتاب عن رئيس، ولا مجرد سرد زمني للأحداث، وإنما محاولة لتوثيق مرحلة من أكثر مراحل الدولة المصرية الحديثة تعقيدًا وتشابكًا، والكتب التي تُكتب عن اللحظات المفصلية ليست رفاهية ثقافية، بل ضرورة وطنية؛ لأن الذاكرة، إذا لم تُوثق، أصبحت فريسة للنسيان أو للتأويل.

التاريخ المصري الطويل يعلمنا أن الأمم العريقة تُختبر دائمًا في لحظات الخطر ، فمنذ آلاف السنين، واجه المصريون الغزو والمجاعة والاضطرابات والانقسامات، لكنهم امتلكوا دائمًا قدرة فريدة على إعادة بناء دولتهم ، وكأن فكرة الدولة في مصر أقدم من كل الأزمات، وأقوى من كل العواصف.

وفي هذا السياق، يضع الكتاب السنوات الأخيرة في إطارها التاريخي، مستعرضًا التحولات السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها البلاد، من خلال شهادات ووثائق ورؤى متعددة تسعى إلى رسم صورة متكاملة لتلك المرحلة.

ويلفت النظر أن الكتاب لا يقف عند حدود السياسة، بل يمتد إلى الإنسان ، فالمدن الجديدة، وشبكات الطرق، والمشروعات القومية، ليست مجرد خرائط وإنجازات هندسية، بل هي، في فلسفة الدولة الحديثة، أدوات لصناعة مستقبل مختلف، وتحسين حياة المواطنين، وبناء أمل يتجاوز حدود اللحظة الراهنة.

كما يتناول الكتاب قضايا تمكين المرأة، ودعم الشباب، ورعاية ذوي الهمم، وتطوير التعليم، والارتقاء بالخدمات الصحية، باعتبارها مكونات أساسية في مشروع التنمية الشاملة، فالحضارة، في معناها الحقيقي، لا تُقاس بارتفاع المباني فقط، وإنما بكرامة الإنسان، واتساع فرصه، وقدرته على المشاركة في صناعة المستقبل.

ومن زاوية المؤرخ، فإن قيمة مثل هذه الكتب لا تكمن في اتفاق الجميع مع ما تطرحه، وإنما في أنها تضيف وثيقة جديدة إلى سجل الذاكرة الوطنية. فالتاريخ لا يُكتب من مصدر واحد، بل من تعدد المصادر، وتنوع الشهادات، وتراكم الوثائق، حتى تكتمل الصورة أمام الأجيال القادمة.

لقد عرفت مصر عبر تاريخها الطويل قادة تركوا بصماتهم في وجدان الأمة، كما عرفت محطات صنعت ملامحها الحضارية ، وبين القائد والوطن علاقة لا تقاس بطول السنوات، وإنما بعمق الأثر الذي يبقى بعد انقضاء الزمن. فالأيام تمضي، والأشخاص يرحلون، أما الأعمال الكبرى فتظل شاهدة على عصرها، يقرؤها المؤرخ، ويتأملها الباحث، ويحاكمها التاريخ بعين لا تعرف المجاملة.

ولعل أجمل ما في هذا الكتاب أنه يدعو القارئ إلى التفكير قبل إصدار الأحكام، وإلى قراءة الأحداث في سياقها، وإدراك أن صناعة التاريخ ليست حدثًا منفردًا، وإنما عملية ممتدة تتشابك فيها الإرادات، وتتداخل فيها التحديات، ويظل الوطن هو البطل الحقيقي في النهاية.

فالتاريخ، في نهاية المطاف، لا يحفظ إلا ما يستحق البقاء، ولا يخلد إلا ما ترك أثرًا في حياة الناس. أما الزمن، ذلك القاضي العادل، فهو وحده الذي يمنح كل تجربة مكانها الحقيقي في سجل الأمم الخالد.

FB IMG 1783018041485 الدكتور حسين عبد البصير يكتب : رجل الأقدار... حين يلتقي الإنسان بالتاريخ

اقرأ المزيد 

الدكتور حسين عبد البصير يكتب : العلاقات التجارية لمصر القديمة مع العالم الخارجي .. رؤية حضارية

زر الذهاب إلى الأعلى