الرأي

الدكتور حسين عبد البصير يكتب: شعبان يوسف.. حارس الذاكرة الثقافية الذي لم يطلب مكافأة

هناك أشخاص لا يمرون في التاريخ، بل يقيمون داخله، لا يكتبون الكتب فقط، وإنما ينقذون الزمن من النسيان. يبدون وكأنهم يسيرون على الهامش، بينما هم في الحقيقة يصنعون المتن ، وحين نبحث عن أحد هؤلاء في الثقافة المصرية المعاصرة، يطل علينا إسم شعبان يوسف، لا باعتباره شاعرًا أو ناقدًا أو باحثًا فحسب، وإنما باعتباره حارسًا أمينًا لذاكرة ثقافية كانت مهددة بالضياع.

تخيل مكتبة قديمة في ليلة شتوية، تتراكم فوق رفوفها طبقات الغبار، وتنام بين صفحاتها أسماء لم يعد أحد ينطق بها، يدخل رجل يحمل مصباحًا صغيرًا، لا يبحث عن كنز من الذهب، بل عن قصيدة نسيها الزمن، أو كاتب ظلمته السياسة، أو مجلة أكلتها الرطوبة، يقلب الأوراق بحنان عالم آثار ينقب عن مدينة غارقة، حتى يعثر على قطعة من روح مصر الثقافية، فيعيد إليها الحياة.

هذه الصورة ليست خيالًا روائيًا بقدر ما هي تلخيص لمسيرة شعبان يوسف.

لقد اختار طريقًا شديد الصعوبة؛ طريق البحث عن المنسيين، ففي الوقت الذي كان كثيرون يسعون إلى كتابة أسمائهم في الصفحات الأولى، كان هو يعيد كتابة أسماء الآخرين في سجل الذاكرة الوطنية، أدرك مبكرًا أن الحضارة لا تقوم فقط على العظماء الذين تملأ صورهم الصحف، بل أيضًا على أولئك الذين صنعوا الجمال في صمت، ثم اختفوا تحت ركام الزمن.

هذا الوعي يجعل مشروعه يتجاوز حدود الأدب إلى فلسفة كاملة في النظر إلى التاريخ ، فالتاريخ الحقيقي ليس ما يبقى وحده، وإنما أيضًا ما نحاول إنقاذه قبل أن يختفي.

ولعل هذه الرؤية تذكرنا بما فعله علماء المصريات مع الحضارة المصرية القديمة ، فكم من مقبرة مجهولة أعادت كتابة فصل كامل من التاريخ؟ وكم من بردية صغيرة غيرت فهمنا لعصر بأكمله؟ كذلك فعل شعبان يوسف مع الثقافة المصرية؛ فقد تعامل مع النصوص المنسية كما يتعامل الأثري مع القطع النادرة، يعرف أن قيمة الاكتشاف لا تقاس بحجمه، بل بما يضيفه إلى فهمنا لأنفسنا.

ولهذا لم يكن التوثيق عنده مجرد جمع للمعلومات، بل كان فعل مقاومة ضد النسيان.

ولم يكن النقد لديه ترفًا أكاديميًا، بل ممارسة أخلاقية. فهو يقرأ النصوص بعين الباحث، لكنه يحاكمها بضمير المثقف، ولذلك جاءت كتاباته بعيدة عن المجاملة، قريبة من الحقيقة، حتى وإن كانت الحقيقة مؤلمة، كان يؤمن أن وظيفة الناقد ليست توزيع شهادات الجودة، وإنما إضاءة المناطق المعتمة في الثقافة.

ومن هنا اكتسب احترام المختلفين معه قبل المتفقين معه.

إن شعبان يوسف يمثل نموذجًا نادرًا للمثقف الذي لم يغادر موقعه الطبيعي. لم يبدل مواقفه مع تغير الأزمنة، ولم يجعل الثقافة وسيلة للنفوذ، بل جعلها غاية في ذاتها، ظل منحازًا للحرية، ولحق الإنسان في التفكير والإبداع، ولحق التاريخ في أن يروى كاملًا، لا مبتورًا ولا منتقى وفق الأهواء.

وفي زمن أصبحت فيه الشهرة تصنع أحيانًا في دقائق عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تبدو تجربة شعبان يوسف درسًا بليغًا في معنى البناء الحقيقي. فالمجد الثقافي لا يصنعه الضجيج، وإنما تصنعه السنوات الطويلة من العمل الصامت، والقراءة، والبحث، والإيمان بأن الكلمة الصادقة تعيش أطول من صاحبها.

إن الأمم الكبيرة لا تقاس فقط بما تنتجه من مبدعين، بل أيضًا بمن يحفظون تراث هؤلاء المبدعين ، فهناك من يكتب التاريخ، وهناك من يحرسه،  وشعبان يوسف واحد من هؤلاء الحراس الذين وقفوا على أبواب الذاكرة المصرية، يمنعونها من السقوط في هاوية النسيان.

ولذلك فإن أي تكريم يوجه إليه لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره جائزة لشخص، وإنما احتفاء بقيمة ثقافية أعمق؛ قيمة الوفاء للمعرفة، والإيمان بأن الثقافة ليست مناسبة عابرة، بل مشروع حياة.

لقد علمنا التاريخ المصري القديم أن الإنسان يموت مرتين: مرة حين يفارق الحياة، ومرة حين ينسى اسمه. ولعل أعظم ما فعله شعبان يوسف أنه منح حياة ثانية لعشرات، بل مئات، من المبدعين الذين كادوا يختفون من الذاكرة الثقافية.

وهذا، في تقديري، هو الإنجاز الذي يبقى.

فالجوائز تلمع عامًا أو أعوامًا، ثم تصبح صفحة في سجل المؤسسات ، أما الأعمال التي تعيد للناس أسماءهم، وتحفظ للأمة ذاكرتها، فهي التي تتحول إلى جزء من الضمير الوطني.

وسيظل شعبان يوسف، مهما تعاقبت السنوات، واحدًا من أولئك الذين فهموا أن الثقافة ليست مهنة، وإنما رسالة؛ وليست طريقًا إلى الشهرة، وإنما طريق طويل إلى الخلود.

IMG 20260702 WA0014 الدكتور حسين عبد البصير يكتب: شعبان يوسف.. حارس الذاكرة الثقافية الذي لم يطلب مكافأة

اقرأ المزيد 

الدكتور حسين عبد البصير يكتب : العلاقات التجارية لمصر القديمة مع العالم الخارجي .. رؤية حضارية

زر الذهاب إلى الأعلى